حلفاء في العاصفة.. دول الخليج بين مطرقة الحرب الإيرانية وغياب التنسيق الأمريكي!
د. سماهر الخطيب
في زوبعة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وجدت دول الخليج العربي نفسها في مرمى النيران رغماً عنها، تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تختارها ولم تُستشر فيها، فبينما أطلقت واشنطن وتل أبيب العنان لعملياتهما العسكرية ضد طهران منذ أواخر فبراير 2026، تحولت دول مجلس التعاون الخليجي إلى ساحة مفتوحة للردود الإيرانية، ما أثار موجة من الغضب والاستياء في عواصم الخليج التي شعرت بالإحباط من غياب التشاور معها وعدم تقدير واشنطن للتداعيات الكارثية على استقرارها الاقتصادي والأمني.
استبعاد الحلفاء.. استراتيجية القرار الأحادي
لم تكن دول الخليج مجرد متفرجة على مسرح الأحداث، بل فوجئت بقرار الحرب وكأنها ليست الشريك الاستراتيجي الذي أنفق مليارات الدولارات على التسليح الأمريكي لعقود، فقد كشفت مصادر خليجية مطلعة لشبكة “فوكس نيوز” في يناير الماضي أن الإدارة الأمريكية “لم تشارك الأهداف أو الخطط” المتعلقة بإيران مع حلفائها الخليجيين، مما خلف شعوراً عميقاً بالمرارة والإحباط، وفي هذا السياق، أكد مسؤول خليجي رفيع أن بلاده طلبت من واشنطن “فهم التقييم الأمريكي بأقصى قدر ممكن من الوضوح”، لكنها لم تحصل على إجابات شافية.
هذا الاستبعاد المتعمد دفع شخصيات خليجية بارزة إلى التعبير عن غضبها علناً، وهو أمر نادر الحدوث، ففي تصريح لافت، تساءل رجل الأعمال الإماراتي البارز خلف الحبتور، مؤسس مجموعة الحبتور، عن جدوى الحرب قائلاً: “إذا كانت الضربات تهدف إلى احتواء إيران، فهل أخذوا في الاعتبار العواقب الإقليمية؟ أم أن تكلفة جر الخليج إلى صراع لم يكن طرفاً فيه تم تجاهلها ببساطة؟”، ونقلت وكالة رويترز عن مصادر خليجية مطلعة قولها إن الاستياء يتزايد في العواصم الخليجية من الانجرار إلى حرب لم يبدؤوها ولم يؤيدوها، ووصفت إحداها الوضع بالقول: “هذه ليست حربنا، لم نرد هذا الصراع، ومع ذلك نحن ندفع الثمن في أمننا واقتصادنا”.
خسائر فادحة ومطالبات مشروعة بالتعويض
لم يقتصر ثمن الحرب على الجانب السياسي أو المعنوي، بل تجاوزه إلى خسائر اقتصادية فادحة تكبدتها دول الخليج نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة البحرية واستهداف منشآت حيوية، فقد كشفت تقارير متخصصة أن حركة ناقلات النفط عبر المضيق تراجعت بنسبة تصل إلى 80%، فيما علقت نحو 3200 سفينة داخل الخليج، مما عطل سلاسل التوريد العالمية، واضطرت قطر إلى إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بالكامل بعد استهداف مجمع راس لفان الصناعي، معلنة تعليق الصادرات بموجب شرط القوة القاهرة، كما أعلنت الكويت خفض إنتاجها النفطي إلى مستويات تكفي فقط للاستهلاك المحلي بسبب امتلاء خزانات التخزين.
قطاع السياحة أيضاً تعرض لضربة قاسية، حيث أغلقت العديد من الدول مجالها الجوي مما أدى إلى إلغاء نحو 40 ألف رحلة جوية، وهو الاضطراب الأكبر في السفر الجوي العالمي منذ جائحة كورونا، وتشير التوقعات إلى أن القطاع السياحي في الخليج قد يشهد تراجعاً في أعداد الزوار الدوليين بنسبة تتراوح بين 11% و27% هذا العام، مع خسائر تقديرية في الإنفاق السياحي تتراوح بين 34 و56 مليار دولار.
وفي تطور لافت، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن حلفاء الخليج يعربون في السر عن غضبهم تجاه واشنطن، محملين الولايات المتحدة مسؤولية إشعال فتيل صراع عرّضهم للخطر، ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة على المحادثات أن الرئيس ترامب يجري اتصالات هاتفية مع قادة المنطقة هذا الأسبوع في محاولة لطمأنتهم، في وقت يرى فيه محللون أن الحرب زعزعت الافتراضات التي قامت عليها عقود من العلاقات الأمنية بين الخليج وواشنطن، القائمة على معادلة ضمنية: الطاقة ورأس المال الخليجي في مقابل الحماية الأمريكية، وفي هذا الإطار، يؤكد فوزي جرجس من كلية لندن للاقتصاد أن دول الخليج “لا يمكنها حقاً الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية طاقتها ونفطها وغازها وشعبها وسيادتها”.
ويذهب مراقبون إلى أن المطالبات الخليجية بالتعويضات يجب أن تتجه نحو واشنطن بصفتها صاحبة القرار الأحادي بشن الحرب، لا سيما في ضوء غياب التشاور المسبق وعدم مراعاة المصالح الحيوية لدول المنطقة، ويقدر مصدر اقتصادي كويتي أن التعويضات التي سيطالب بها الخليج قد تتجاوز مئات المليارات من الدولارات نتيجة خسائر القطاع النفطي والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات العامة والخاصة.
2026-03-18