حسين مروة: في ذكرى استشهاده الـ 36، وذكرى ميلاده الـ 113 ( تاريخ تنفيذ جريمة الاغتيال : الساعة الرابعة ، بعد ظهر 17 شباط 1987) !
كامل حيدر
بكل تواضع وبصدقٍ أقول: تُحرجني كتابةُ أشياءَ لم أعتدْ الغوصَ بها بعمق… كما يحرجُني، في أحيانَ كثيرة، هربُ الكلماتِ والأسماءَ من ذاكرتي، علماً أنني أقرأ بشغفٍ وإعجابٍ ومحبة لمن يكتبون ويتعمّقون في، أوعن، أيِّ موضوع أدبي، نقدي، فكري، تاريخي أو أي نَصٍّ شعري أو فنّي .. لذلك أرى نفسي عاجزة ـ أحياناً ـ عن الكلام عن شخص حسين مروة بالذات )أوعن أمثاله) بما يمثِّل ثقافياً وأدبياً وفكرياً… فسأكتفي، حالياً، بوعد صادق منَي ومن أخوتي، بمحاولة السعي المُلحّ، (ولو مؤخراً، ولأسباب كثيرة)، في تنفيذ وصية حسين مروة، للعزيز، الغائب ـ الحاضر ، محمد دكروب في تحقيق حلمه الذي سيكون موضوعَ حديثي اليوم …
لم يتسنَّ لك يا أبا نزار (كما كنتَ تُحبُّ أن تُنادى به)، إتمام “مشروع العمر” ولا كتابةُ وصيتِك، كما صرّحتَ به يوماً لأحد أصدقائك (قبل ثلاثين عاماً من استشهادك)، بقولك حرفياً: ” أنا أكتبُ “مع القافلة” يومياً، ولديَّ متَّسعٌ من الوقت لكتابةِ أشيائي الخاصة، التي أنشر بعضَها في مجلة “الثقافة الوطنية” و.. و.. و…… “
وحين سُئلتَ:
ــ ومتى ستجمع ما تنشره في كتاب؟
كان جوابُك:
ــ لستُ أدري… لديَّ مشروعٌ آخر، مشروعُ العمر، وأنا أفكّرُ فيه، ويستغرقُني التفكيرُ كلّياً، وأجمعُ موادَّه للمستقبل، لزمنٍ أتفرّغُ فيه إلى عملي هذا تفرّغاً تاماً…
وطبعاً كان حسين مروة يعني ب “مشروع العمر” هذا: البدء بجمع ما تيسّر من مراجعَ ومصادرَ موجودةٍ في مكتباتٍ وأصقاعَ مختلفةٍ في العالم العربي، والإسلامي بخاصة، يستعينُ بها للبحث في ما يختصُّ بالفلسفة العربية الإسلامية، فكان نتيجة هذا الجهد المضني، لاحقاً وكمرحلة أولى: ولادةَ الكتاب ـ الموسوعة ”النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” بجزْأيْه الأول والثاني، بدءاً من مرحلةِ نضج الفلسفة العربية الإسلامية في المشرق العربي، (كطبعةٍ قديمة بتاريخ العام 1981، قبل استشهاده، ثم، فيما بعد، أصدرتْها دار الفارابي في أربعةِ أجزاء، كطبعةٍ جديدة في العاميْن 2002 و2016 بعد استشهاده)، لينصرفَ – بعد ذلك ـ بزمنٍ تُقرِّرُه ظروفُه الخاصة والعامة، لاستكمالِ المرحلةِ اللاحقة، أعني بها إصدارَ الجزء الثالث من موسوعته، والتي كانت ستُخَصَّصُ للبحث في المرحلةِ المغربيةِ من مراحلِ الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية…
ومن جديد، إذن، تمكّن من تحدّي الظروف ـ كلِّ الظروفِ الممكنة ـ لمتابعةِ الجهود المضنية أيضاً، متنقّلاً في كثيرٍ من البلدان بهدفِ البحثِ عن مراجعَ ومصادرَ جديدة، تتيحُ له متابعةَ الاطّلاعِ والتعرّفِ أكثر على الحياةِ الفكريةِ والفلسفية للمفكرين والفلاسفةِ في بلاد المغرب العربي: فلسفة ابن طفيل وابن باجة، والأكثرأهمية دراسة كل ما يتّصل بابن رشد: “ذروة الفلسفة العربية الإسلامية”، كما وصفه حسين مروة… وبذلك اجتاز مرحلةَ “اكتمال ما كتبَه” في هذا الإطار من أفكارَ ورؤوسِ أقلام، وبخطِّ يده، بغيةَ توسيعها على صفحاتٍ مكتوبة منسَّقة ومهيّأة لإرسالها إلى المطبعة، وكنتُ أنا يومها على موعدٍ معه للبدء بالكتابةِ الموسعة هذه، بحيثُ يملي عليَّ النَصَّ المطلوب موسّعاً : أكتبُه أنا، بسبب معاناته، يومها، من ضعفٍ في حركة أصابع يده اليمنى …
كانت سعادتُه لا توصف بانتظار اللحظةِ السعيدةِ تلك: كتابةُ أولِّ جملةٍ من مشروعه الضخم المذكور، لحظةَ البدء بتحقيق حلُمِه باكتمال القسم الأول من “مشروع العمر”… لكنّ يدَ الغدر والإجرام كانت له بالمرصاد: فإذا ”اللحظة السعيدة” هذه تتحول إلى مأساة (……………..) : لحظةَ دخول المجرم الغادر، المنفِّذ للجريمة، إلى غرفةِ نومِهِ وتصويبِه الرصاصةَ القاتلة بحِرَفيّةٍ فائقة، مباشرةً في الأذن لتخرجَ منَ الجبين، مؤدّيةً “الرسالة المطلوبة” من المجرم الأساسي، المخطِّط للجريمة الشنعاء…
***
هنا أعودُ إلى حسين مروة بحلمه في تحقيق “مشروع العمر” الأخير (موضوع وصيته لمحمد دكروب): إمكانية جمعِ كافةِ كتاباتِه الصحفية: أي كلّ ما كَتَبَ من مقالات (منذ بداياته فيها، في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، أثناء وجوده في العراق وهو بعدُ فتىً)، يُضافُ إليها جميع المقالات والمحاضرات والخطابات والمناقشات في لبنان وغيره: جمعِها في كتابٍ واحد أوعدةِ كتب… وهو ما صرَّحَ به قائلاً لصديقه : “… في العراق، بدأتُ أكتبُ للنشر وأكتبُ للكتابة، وأتقصَّدُ الكتابةَ وأتنكّرُ بالطريقةِ التي أكتبُ فيها بتوقيع (ساهر) ثم (ناظر)، في صحفِ ومجلاتِ (الهاتف) و (الحضارة) و(الرسالة) و (العرفان) وغيرها… إلى أن صار التوقيع باسمي الصريح في جريدة (الساعة) البغدادية، زاوية (حديث الصباح)” …
فيما بعد، وحين عاد إلى وطنه الأول، لبنان، مبعَداً من حكومة نوري السعيد يومها، بدأ ـ من جديد ـ بكتابة مقالاته اليومية: بدأها في جريدة ”الحياة” البيروتية من بداية العام 1951 حتى العام الذي حدثت فيه ثورة 1958 بعد اغتيال الصحافي الوطني نسيب المتني… بعدها، بدأ كتابةَ مقالاتِه في جريدة “النداء” حين كانت أولُّ مقالةٍ كتبها بعنوان: “مع القافلة .. أبداً” (سأنشرها لأحقاً لأهميتها الأدبية والوجدانية)… إلى أن تابع كتابة مقالاته في بعض الصحف اللبنانية مثل: “الكفاح” و”التلغراف” و”السياسة” و”الأخبار” و”الثقافة الوطنية” وغيرها… في زوايا مختلفة، إلى جانب “مجلة الطريق” وبعض ِالمجلات الأدبية في لبنان مثل ”الأديب” و”الآداب” و”الأحد”….
ذكرتُ هذا النوع من المقالات الصحفية اليومية لأصلَ إلى الهدف الذي، نحن (الأبناء) بصدد بذل الجهود لتحقيق حلُمهِ الأخير، ألا وهو الحصول على تلك المقالات كاملةً، وتوثيقها ونشرها كمرحلة أولية، وهذا ما كان، ولا يزال، يدعوني لطباعةِ ونشرالعشرات من مقالاته الصحفية القديمة، على صفحات التواصل الاجتماعي، ريثما تُتاح لنا الفرصة المؤاتية (أخوتي وأنا) بإكمال المسيرة كما كان يتمناها حسين مروة، أقصد الجمع الكامل لهذه المقالات والآثارالثمينة في كتاب أو كتب، وستكون بالمئات ، بل بالآلاف، وبالطبع بمساعدةٍ من صحفيين وناشرين مختصّين في مهنة الصحافة والنشر، بانتظار أن تُتاحَ لنا الظروف المؤاتية للتنفيذ، خاصةً في الظروف الراهنة التي نمرُّ بها، كما الشعب اللبناني…(*)
***
أخيراً أعود إلى مرحلةٍ مهمة من حياة حسين مروة الشخصية، وهي ما يجهلُه الكثيرمن عارفي وقارئي ومحبّي أبي نزار ـ الإنسان: الزوج المحبّ لأبعدِ حدودِ الحب والإخلاص والوفاء لزوجته (بدءاً من رسائل الحب والغرام، وهي رسائلُ من أروع ما كَتَبَ إنسانٌ محبّ بحقِّ حبيبته… إنها الزوجةُ الحبيبة، زوجتُه الرائعة وأمُّ أبنائه)… رسائل، حصلتُ عليها في خزانةِ الوالدة بعد وفاتها (بعد 13 سنة من اغتياله)… ومن ثَم التعرّف على حسين مروة الأب / الجد / الأخ / العم / الخال… لأصِلَ إلى الإنسان / الصديق…
وأعود ـ بعد ذلك ـ إلى حسين مروة في وجهه الآخر، هذا الوجه الذي يُدهشُ كلَّ مَن لا يعرف حسين مروة: ”قائداً لأوكسترا” اقتراح مشاريعَ رحلاتٍ وسهراتٍ عائلية، يكونُ هو، فيها، أولَّ المتكلّمين والمغنّين والراقصين والمقلِّدين… ثم البادئين في إلقاء النكات طيلةَ هذه الجلسات الحميميةِ الرائعة… كما ويكون الحاضنَ الحنون لأطفال العائلة، حتى قبل أن يصيرَ جدّاً ( لثلاثين من الأحفاد، والسلسلة تطول مع أبناء الأحفاد …) ..
يا لروعتك، حسين مروة، الإنسان ـ الزوج والأب والجد، الحنون، والمتواضع إلى أقصى حدود التواضع…!!! ويا لروعةِ الأيام الحلوة التي قضيناها تحت جناحيْك أنتَ والأم الحبيبة ـ المحبّة، كم نَحنُّ إليها، تلك العلاقة العائلية المميّزة التي متّعَنا بها حسين مروة ـ الإنسان العادي الذي لم يبخلْ بتوزيع حبّه أيضاً على أصدقائه ومحبيه…
لكن … دمك المهدور يا “حسين العلم” سوف يتحدّى سفّاكي الدماء وتجار الجهالة والعنف والغدر، وسيتحوّل شهاباً ومجداً وفكراً يرجمُ عقولَ أبالسةِ الموت والظلام … أنتَ لم تمت ما دام فكرك سيدوم نوراً مشعّاً منتشراً ـ عاجلاً أم آجلاً ـ بين المثقفين وطالبي العلم والمعرفة في مشرق العالم ومغربه ….
***
(*)
هنا أعود لوصيته إلى أخينا الحبيب، الكاتب محمد دكروب، الذي كنا نتعاون معه للبحث عن هذه ”الأوراق”… إلاّ أنّ هذه الوصية، كان من الصعب تحقيقها في فترة ما قبل رحيل عزيزنا محمد… لكنْ شاءت الصدَف أن نوفّقَ بتحقيقها، مؤخراً ، بفضل إنسان رائع، لم نكن نعرفه أو سمعنا عنه أبداً : وسأعود إلى هذا الموضوع عند البدء بهذه المهمة، وإلى التعريف عن هذا الصديق الوفي، وكيفية التعرف وطريقة التعرّف إليه..
(منقول عن صفحة إبنة الشهيد حسين مروة السيدة هنا مروة وتحية لها لأنها اصدق من كتب وأروع من أجاد في السرد والإضاءة على فكر العَالم الشهيد والمفكر الباقي أبداً بما أبقى لنا من مخزون فكر مضيئ متقدم واضح كالشمس وساطع كالنجوم يفضح الظلامية والظلاميين.)
– – – –
منقول من فيسبوك / صفحة ” نحو عالم شيوعي “.
2023-02-17
نعم ايها الشهيد الخالد شيخ الشهداء حسين مروة كنت مدرسة في الفلسفة الاسلامية و كنت شيوعيا وطنيا و ماركسيا للينينيا و امميا و غدرك القتلة عندما فاجئوك وانت خرجت لهم في البجامة لطيبتك و حب للناس .
انها كانت حملة قام بها المتأسلمين لتصفية قيادي في حزب فرج الله الحلو ، و شملت التصفية بالقتل مهدي عامل و وسهيل الطويل . انتم نجوم تضيئ الطريق للشيوعيين الوطنيين و ما قدمتموه من زاد ثقافي من ينسى ما كتبته في اطروحتك عن النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية و اغنيت المكتبة العربية .
تعليق واحد
نعم ايها الشهيد الخالد شيخ الشهداء حسين مروة كنت مدرسة في الفلسفة الاسلامية و كنت شيوعيا وطنيا و ماركسيا للينينيا و امميا و غدرك القتلة عندما فاجئوك وانت خرجت لهم في البجامة لطيبتك و حب للناس .
انها كانت حملة قام بها المتأسلمين لتصفية قيادي في حزب فرج الله الحلو ، و شملت التصفية بالقتل مهدي عامل و وسهيل الطويل . انتم نجوم تضيئ الطريق للشيوعيين الوطنيين و ما قدمتموه من زاد ثقافي من ينسى ما كتبته في اطروحتك عن النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية و اغنيت المكتبة العربية .