حسين زكي توفيق: شهيد الكرامة في العهد الملكي!

من إعداد البروفيسور وليد الحيالي
يُعد المفوض حسين زكي توفيق واحدًا من الشخصيات المثيرة في تاريخ العراق الحديث، إذ تحولت قصته من حادثة جنائية إلى رمز شعبي للظلم الاجتماعي والدفاع عن الكرامة الإنسانية.
ولد حسين زكي توفيق في عائلة عراقية عريقة؛ فهو ابن أخت المرحوم المقدم أحمد فخري الحيالي، وأخو اللواء صالح زكي توفيق، الذي كان قائد الفرقة الخامسة في الجيش العراقي خلال العهد الملكي، وأحد الضباط الأحرار الذين ساهموا في التحضير لثورة 14 تموز 1958، وتولى لاحقًا إدارة السكك الحديدية العراقية بعد الثورة.
نشأ حسين زكي في بيئة بغدادية أصيلة، في منطقة “قنبر علي”، إحدى أعرق المناطق الشعبية في بغداد، التي خرج منها الكثير من الرموز الوطنية والشخصيات المعروفة بكرامتها وأصالتها. تربى وسط عائلة تحترم القيم والمبادئ، مما طبع شخصيته بالكبرياء وعزة النفس.
التحق بسلك الشرطة وعُرف بإخلاصه ونزاهته. وخلال خدمته، وقع في خلاف مع ضابط بريطاني أثناء أداء واجبه على الحدود العراقية السورية، مما أدى إلى معاقبته بالسجن، ثم إبعاده عن الوظيفة بشكل تعسفي، من دون أي تقدير لجهوده وتفانيه.
أدى هذا الظلم إلى تدهور حالته المادية والنفسية. ظل حسين زكي يبحث عن إنصاف يعيد له كرامته، ولكن دون جدوى. وأمام انسداد السبل وتفاقم الإحساس بالخذلان، قرر أن ينتقم لشرفه. ففي صباح يوم 18 كانون الثاني (يناير) 1940، أقدم على اغتيال وزير المالية رستم حيدر أمام منزله في منطقة العلوية ببغداد.
بعد تنفيذ العملية، لم يفرّ، بل سلّم نفسه بهدوء تام للشرطة، مؤكدًا أن ما أقدم عليه كان دفاعًا عن كرامته. وقدم للمحاكمة، التي حكمت عليه بالإعدام شنقًا.
قبيل تنفيذ الحكم، كتب حسين زكي رسالة مؤثرة إلى عائلته جاء فيها:
“أموت اليوم مظلومًا لا مجرمًا، وما حملني على ما فعلت إلا الظلم الذي لا يحتمله حر ولا شريف. خدمت وطني مخلصًا، وعندما احتجت إلى إنصافهم، وجدتهم أول من تخلى عني. لا تبكوا علي، بل افتخروا بي، فقد سرت إلى مصيري بقدمَيّ، غير نادم ولا وجل، وألقي وجهي إلى ربي صافياً. أوصيكم أن تبقوا أوفياء للعراق وألا تظلموا أحدًا مهما كانت الظروف.”
وفي ليلة الإعدام، توضأ حسين زكي وصلّى، ثم سار إلى المشنقة بشجاعة نادرة وسط دهشة الحاضرين، الذين لاحظوا ابتسامة خفيفة على محياه.
كان حسين زكي حينها أبًا لطفلين صغيرين: علاء وفائز.
رغم الرقابة المشددة، حضر جنازته جمع غفير من الناس الذين شعروا أن حسين زكي يمثلهم جميعًا في صراعه ضد الظلم. وانتشرت في بغداد أبيات شعبية تمجده، ومنها:
“حسين زكي ما خان ولا مال
ظلمه الدهر والظالمين جبّال
ركب المشنقة وراسه مرفوع
ونطق بالحگ لو تِهدّ جبال”
كما تناقل الناس كلمته المؤثرة قبل لحظات الإعدام:
“موتتي شهادة… لا مذلة.”
لقد تحولت قصة حسين زكي توفيق إلى رمز خالد للنضال ضد الظلم والقهر، وبقيت ذكراه حيّة في وجدان الشعب العراقي، شاهدة على مرحلة مظلمة من تاريخه.
تم تحرير هذا المقال بقلم البروفيسور وليد الحيالي، ضمن مشروعه لتوثيق الشخصيات الوطنية المنسية في العراق.
2025-05-03