حزب الله يتحدى إسرائيل من جديد !
عميرة أيسر
التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وموجة الغليان الشعبي التي تضرب الكيان الصهيوني بسبب التعديلات القضائية، والانقسام الحاد الذي يعرفه المجتمع الاسرائيلي والضعف والتفكك في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، دفع حزب الله اللبناني لتحدي إسرائيل علناً هذه المرة، ليس عبر التدريبات والمناورات العسكرية فيما يطلق عليه القادة الصهاينة بالتدريبات الكلاسيكية لحزب الله، بل تطورت هذه المرة لأبعد من ذلك بكثير، عندما نصب جنود تابعون لحزب الله خيمتان بجيب دوف في مزارع شبعا اللبنانية، التي تقول إسرائيل بأنها مزارع تابعة لها احتلتها في عام 1967م، في عنجهية وصلف من طرف قوات الاحتلال الذي لن ينسى اللبنانيون ولا الفلسطينيون ما فعله بهم في صبرا وشاتيلا عندما تم ذبح أكثر من 3 آلاف فلسطيني بدم بارد من طرف السفاح الهالك أرييل شارون وحلفاءه وسط صمت دولي مريب، فالمقاومة اللبنانية التي أذلت هذا الجيش الاجرامي، و استطاعت تحرير الجنوب اللبناني بعد سنوات من الكفاح سنة 2000م، تريد استكمال تحرير باقي الأراضي اللبنانية مستغلة في ذلك الأوضاع الإقليمية والدولية وانشغال القوى الكبرى بالحرب الروسية على أوكرانيا، والاوضاع السّياسية والأمنية في منطقة الساحل الأفريقي، فإسرائيل تدرك جيداً بأن أي عمل عسكري ضدّ قوات حزب الله المتمركزة على الحدود بين الكيان الصهيوني المحتل والجنوب اللبناني، ستكون لها عواقب وخيمة على شمال فلسطين المحتلة، وهذا ما دفع السلطات الصهيونية للضغط على الجيش اللبناني عن طريق القنوات الدبلوماسية البديلة، وذلك من خلال قوات اليونيفيل الدولية لدفع حزب الله لإخلاء الموقع وتفكيك الخيام العسكرية. كما ذكر موقع عربي 21، بتاريخ 3جويلية/ يوليو 2023م، في مقال بعنوان (خيام حزب الله بشبعا، وتأكل الردع الاسرائيلي، و خبراء يوصون بإزالتها بالقوة).
فالقوات الإسرائيلية تخشى كون هذا العمل هو عبارة عن فخ نصبه حزب الله لدفعها لشنّ حرب على لبنان، وفق تخطيط مسبق لمحور المقاومة، لجرها لحرب طويلة الأمد تؤدي لانهيار في الجبهة الداخلية، لأن الجيش الاسرائيلي الذي هو عبارة عن جيش مكون في معظمه من ضباط وجنود الاحتياط مرتبط ارتباط وثيق بالمجتمع الاسرائيلي، حيث أن اندلاع حرب شاملة مع حزب الله يعني حدوث شلل شبه في هذا المجتمع المصطنع، وكذا خسائر اقتصادية كبيرة ستؤدي لمشاكل سياسية و أزمات اقتصادية ستكون الوقود لحدوث ثورة عارمة وحروب أهلية مدمرة تأتي على الأخضر واليابس، فإسرائيل هي على مشارف هذه الحرب كما قال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت لن تجازف بدخول حرب مع حزب الله الذي يعرف حجم الأخطار المحيطة بهذا الكيان الأيل للزوال، لذلك فإن القيادة العسكرية في تل أبيب منقسمة حول كيفية التعامل مع هذا الحادث الذي أضر بسمعة الجيش الاسرائيلي دولياً، فالمجتمع الدولي ممثلاً في أمريكا و فرنسا و الأمم المتحدة، قد عجز عن اقناع حزب الله بتفكيك تلك الخيام، التي لا تزال منصوبة، وهذا ما شكل حرجاً لدى حكومة نتنياهو داخلياً وخارجياً، إذ أن هذه المسألة التي لم تحل منذ أزيد من شهرين جعلت إسرائيل في نظر مواطنيها ونخبها المثقفة خائفة من تهديدات السّيد حسن نصر الله الذي هدد بأن حرباً جديدة ستندلع في المنطقة، اذا قامت القوات الإسرائيلية بإرسال قوات برية لاقتلاع الخيمتين، وهذا ما سيؤدي لتهاطل آلاف الصواريخ كزخات المطر على مقر حكومة نتنياهو ومبنى الكنيست ومقر وزارة الدفاع الصهيونية، وعدد كبير من المؤسسات الرسمية في تب أبيب، فالصراع الحالي بين اليمين المتطرف واليسار في إسرائيل، أراد حزب الله استغلاله لصالحه من أجل إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الجزء الشمالي من قرية الغجر، وهي قرية سورية تقع ضمن النطاق الجغرافي للجولان السوري المحتل، وجزء منها موجود ضمن الأراضي اللبنانية، وهي القرية السورية التي تم احتلالها بعد حرب تموز/أوت 2006م، لذلك فإن إسرائيل لن تجازف بدخول حرب كهذه لأنها تعلم بأن التوازنات السّياسية والعسكرية والجيواستراتيجية في غير صالحها، خاصة بعد تمسك السيد حسن نصر الله بمواقفه الرصينة الوطنية الداعمة لتحرير كل شبر من الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية المحتلة، فبعد خطابه المزلزل للكيان في عاشوراء عقد نتنياهو اجتماعاً أمنياً حضره وزير دفاعه الجنرال يواف غالانت ناقشوا فيه التطورات الحاصلة في مزارع شبعا والسيناريوهات الممكنة للتصدي لفرق الرضوان التابعة لحزب الله في حال اقتحامها لمنطقة الجليل الأعلى، كل هذه العطيات تؤكد بأن إسرائيل متخوفة من الحرب و غير مستعدة لها، لأنها لا تعرف بالضبط حجم القوات التي يمتلكها حزب الله ولا نوعية تسليحها ولا خططها العسكرية والتكتيكات المستعملة في حال نشوف الحرب، في حال قيامها باستهداف المستوطنات المتاخمة للسياح الحدودي، أو في حال مهاجمتها لقرية الغجر.
فإسرائيل بعد ترسيمها للحدود البحرية مع لبنان، قامت بعزل قرية الغجر بالأسلاك الشائكة، في رسالة مفادها بأنها ستقوم بترسيم الحدود البرية من طرف واحد، ضاربين عرض الحائط بالقرار الأممي 1701م الخاص بترسيم الحدود البرية مع تل أبيب، وهذا ان دل على شيء فإنه يدل على لغة الاستعلاء والغطرسة لدى القيادة السّياسية والعسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني، التي رغم احتلالها للقرية السورية الأنفة الذكر ولكنها تعجز عن إزالة خيمتي حزب الله من مزارع شبعا المحتلة، ويبدو بأن الأوامر قد أعطيت للرقابة العسكرية في إسرائيل بعدم الحديث عن الموضوع أو التطرف إليه في نشرات الاخبار الرسمية، على عكس وسائل الإعلام اللبنانية التي كشفت القضية وأبعادها وخلفياتها، في تأكيد على نية حزب الله وحلفاءه على التصعيد مع إسرائيل وخاصة زعيم حركة أمل السّيد نبيل بري رئيس مجلس النواب اللبناني، بعيداً عن البروباغندا الإعلامية التي تتهم حزب الله بمحاولته الهروب للأمام وتحييد نفسه عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، ومعضلة اختيار رئيس جديد خلفًا للرئيس المنتهية ولايته ميشال عون.
فحزب الله استطاع رغم كل الصعوبات والعقبات والدسائس والمؤامرات التي تعرض لها طوال أزيد من 3 عقود، ردع إسرائيل عن احتلال المزيد من الأراضي اللبنانية، وأجبرها على ترسيم الحدود البحرية بما يخدم المصالح القومية للدولة اللبنانية، وكأن سلاحه ورقة ضغط مهمة بيد الحكومة اللبنانية في عملية المفاوضات الغير مباشرة التي جرت مع الجانب الصهيوني، وبالتالي بعد انتهاء تلك العملية التفاوضية المعقدة فإن الحزب يعمل على استعادة كافة الأراضي المحتلة وفق استراتيجية واقعية محكمة طويلة الأمد، معتمداً في ذلك على لوائح القانون الدولي و الشرعية الدولية، لذلك فإن إسرائيل بوضعها الحالي ووفق منطق التوازنات الإقليمية في المنطقة، وبعد فشل مشروعها في سوريا وهزائمها المتكررة في حروبها مع المقاومة الفلسطينية، وانشغال أمريكا بملفات أهم على المستوى الدولي، مجبرة على القبول بكل مقترحات حزب الله لإنهاء الازمة الراهنة، وأبرزها إنهاء احتلالها لقرية الغجر ومغادرة القواعد العسكرية المتواجدة بمزارع شبعا المحتلة، لأن الحرب لن تكون في صالحها، وستؤدي في حال اندلاعها لعزيمة مذلة للجيش الصهيوني ستكون لها تداعيات كارثية طويلة الأمد على هذا الكيان المحتل.
– كاتب جزائري
2023-08-06
