حزب الله والحرب السوريّة!
أسعد أبو خليل
كيف ننظر اليوم إلى الحرب السورية التي شارك الحزب فيها بعد سقوط نظام بشّار الأسد؟
لا شكّ أن تبلْور حُكم أحمد الشرع (الفرع السوري لـ«القاعدة») وانفتاحه على الصهيونيّة العالميّة وإبداء استعداده للانخراط في التطبيع الشامل والكامل (المسار الإبراهيمي) كل ذلك يدعم الحجج التي ساقها حسن نصرالله في تسويغ التدخّل العسكري في سوريا. والحجّة أنّ الجماعات التكفيريّة هي جزء من المشروع الصهيوني أصبحت واضحة.
ثمن ذلك كان كبيراً جدّاً وسيعرقل أيّ مصالحة بين الحزب من جهة وبين عموم الشعب السوري -الذي أصبح عرضة لبروباغاندا قويّة جعلت من الحزب عدوّاً أخطر من إسرائيل نفسها- من جهة ثانية.. ترامب اعترف أمام الإعلام قبل أيّام أنّ نتنياهو كان وراء القرار الأميركي بالاعتراف بحُكم «هيئة تحرير الشام» وبإزالة العقوبات عن سوريا، وعن المنظمة التي كانت مُصنَّفة في كلّ دول الغرب بأنها إرهابيّة. والحزب لا يزال يُصنَّف على أنّه إرهابي، مع أنّ أميركا لا تتّهمه بإيذاء أميركيّين بعد أوائل الثمانينيّات. عصابات المعارضة الجهاديّة في سوريا حاربت الأميركيّين قبل سنوات فقط. والإعلام الإسرائيلي كان قد اعترف، أو زها، بأنّ الحكومة الإسرائيليّة قدّمت أشكالاً من الدعم لـ«القاعدة» وغيرها في سوريا.
لكنْ كيف أثّرت الحرب السوريّة على الحزب؟ وهل أحسن التعامل مع تدخّله فيها؟ والمرور في سوريا يحتاج إلى عبور خاضع لأجهزة تجسّس من غير دولة. والخطّ العسكري الشهير (بين لبنان وسوريا) كان على الأرجح أكثر عرضة للمراقبة المستمرة والاختراق من الخطّ العادي. هنا تتضارب المقولات حول نقاش التدخّل وعرض أسانيده لأنّ الحزب ومؤيّديه يتمسّكون بصوابيّة التدخّل بكلّ أشكاله من دون أيّ مراجعة نقديّة. لكن ليس هناك من شكّ أنّ الحزب في تدخّله في سوريا فتح تنظيمه وفَلشَه أمام أعين الإسرائيليّين.
العداء ضدّ الحزب وإيران عند الكثير من السوريّين خفّف عداءهم نحو إسرائيل وجعل من محور المقاومة العدوّ الأول لهم. أحمد الشرع اعترف لصهاينة واشنطن أنّه يشارك إسرائيل أعداءَها، لأنّه لا يكنّ عداءً ضد إسرائيل والصهيونيّة. توالت الاغتيالات الإسرائيليّة ضدّ عناصر وقيادات من الحزب ومن إيران في سوريا. يكفي أنّ عماد مغنيّة ونائبه مصطفى بدر الدين اغتيلا في سوريا، ومن دون ردّ انتقامي كبير (بحجم الاغتيال) من الحزب. بدأت القوّة الردعيّة للحزب بإظهار مكامن ضعف، ليس فقط من ناحية الانكشاف الأمني الواضح، بل أيضاً من ناحية انعدام الرغبة أو القدرة على الردّ. صحيح أنّ الحزب كان متفرّغاً لمعركة إنقاذ النظام السوري ولم يُرِد أن يفتح جبهة أخرى تجعل من إسرائيل طرفاً مباشراً في الحرب لصالح المعارضة المسلّحة، لكن ذلك كان جارياً. إسرائيل طرف في كلّ حرب أهليّة في العالم العربي منذ الخمسينيّات على الأقل. هي كانت مشاركة في الحرب منذ اندلاعها وحاولت المعارضة التغطية على مشاركة إسرائيل عبر التدليل على تلك المقابلة مع رامي مخلوف في «نيويورك تايمز» (والمقالة كانت بالفعل محاولة تطمين لإسرائيل من قبل نظامٍ متهاوٍ). اغتيال عماد مغنيّة كان من أكبر الضربات التي تلقّاها الحزب حتى اغتيال نصرالله. عدم الردّ أشعر إسرائيل أنّ الحزب أضعف ممّا كانت تتخيّل. الحزب الذي أذلَّ إسرائيل في حرب تموّز ليس هو الحزب الذي يسكت عن اغتيال مغنية وبدر الدين. صحيح أنّ الحزب كان يتعامل مع الصراع ويداه مكبّلتان خلفه لأنّ معظم الشعب اللبناني كان ضدهّ وأكثر من نصف الشعب يناصر إسرائيل بدرجة أو بأخرى، لكنّ تخفيف العداء الشعبي ضدّ إسرائيل، خصوصاً عند السنّة، كان نتيجة عمل دؤوب ومضنٍ من قِبل أعداء الحزب.
بصرْف النظر عن الموقف السياسي من تدخّل الحزب في سوريا (وأنا كنت ضدّ تدخّل الحزب في سوريا)، فإنّ الحزب أدارَ تدخّله بطريقة سيّئة، أو -لنقل- بطريقة أفادت أعداءه وأسهمت في تغيير الثقافة الشعبيّة للشعب السوري واللّبناني.. كان همّ المحور الخليجي الإسرائيلي-الغربي بعد انتصار تمّوز، لصْق الصفة الشيعية والإيرانية بالحزب ونفي صفة المقاومة عنه. كان على الحزب أن يعلم أنّ تدخّله مهما كان حريصاً في تنفيذ الأعمال العسكريّة، سيُصوَّر على أنّه قتْل نساء وأطفال. وبروباغاندا المعارضة السوريّة (بإشراف المحور الخليجي-الإسرائيلي-الغربي) كان فعّالاً: إذ قال، كلّ أعمال القتْل من قِبل المعارضة المسلّحة كانت ضدّ شبيحة، وكل أعمال قتْل الطرف الآخر كانت ضدّ نساء وأطفال فقط. لا يزال السوريّون يتحدّثون بمرارة حول حزب الله والكثير يشمت بمعاناته على يد إسرائيل. للحزب أن يقرّر أنّ المحور احتاج إلى بقاء النظام السوري لكن لم يكن هناك تصوّر عن مضاعفات التدخّل واستغلاله من قِبل أعداء المحور.. التدخّل في سوريا جذب الآلاف من المقاتلين العتاق والجدد والكثير منهم (غير المجرّبين) تباهوا على المواقع ووضعوا شرائط فيديو وصوراً بوجوه مكشوفة. كما أنّ رفْع الشعارات الطائفيّة خدم التجنيد الطائفي على الطرف الآخر. الحزب استعمل الشعارات الطائفيّة من أجل حثّ الجمهور على الدعم والمشاركة. أخبرني رجل شارك في الحرب أنّ الشعارات الطائفيّة هي التي حفّزته على المشاركة وأنّ حجج مجابهة إسرائيل وأعوانها لم تكن كافية بالنسبة إليه. لكنّ ثمن ذلك كان كبيراً جدّاً وسيعرقل أيّ مصالحة بين الحزب من جهة وعموم الشعب السوري -الذي أصبح عرضة لبروباغاندا قويّة جعلت من الحزب عدوّاً أخطر من إسرائيل نفسها- من جهة ثانية.. زال العداء لإسرائيل في سوريا عند كثيرين، والشرع يطبّق وينسّق مع إسرائيل ويبحث في تفاصيل التحالف مع حكومة العدوّ (عبر أربع أقنية منفصلة) من دون أن يحتاج أن يفسّر خطواته أمام الشعب السوري الذي يبدو مؤيّداً في أكثره.
هل الحرب السورية هي التي كشفت مقاتلي الحزب وكوادره؟ هل الأسماء باتت معروفة؟
هل تجنيد هذا العدد الكبير من المقاتلين خفّف من وتيرة التنقية والاختبار والتدقيق في الخلفيّات؟
شابت التدخّل في سوريا عملياتُ تشبيح واستفزاز طائفي (أقلّه في الكلام على ما رأينا على المواقع). والانضباطيّة التي رافقت صعود الحزب تقلّصت كثيراً. حتى على مواقع التواصل، رأينا كيف أنّ بعض شباب الحزب والمناصرين تغيّروا عمّا كانوا عليه. كانوا قدوة في الخُلُق الحسن والأدب والترفّع، ثم باتوا مثل غيرهم في الإسفاف والبذاءة والاستفزازات الطائفيّة.
2025-07-13