حرب العلمين .. مصر وتركيا!
كمال فياض
منطقة سرت الليبية او الهلال النفطي الواقعة على ساحل البحر المتوسط في منتصف المسافة تقريبا بين مدينتي بنغازي شرقا وطرابلس غربا تحوي على اكبر مخزون نفطي في البر الليبي والبحر المتوسط وعلى اهم اربعة مرافئ لتصدير النفط على طول الساحل الليبي ومن يسيطر على سرت يسيطر على كامل الشرق والجنوب الليبي وعلى كامل مقدرات ليبيا النفطية ..
خلال الاسابيع الماضية تعالت الاصوات عن قرب تدخل عسكري مصري في ساحة الاحداث الليبية وإرسال الجيش المصري لمواجهة القوات العسكرية التي يديرها الاتراك منعا لتطور الاوضاع ومنعا لأي تقدم لقوات الوفاق بإتجاه سرت والجفرة ..
حتى الآن لا يوجد أية مؤشرات تدل على جدية مصر في اتخاذ قرار بالتدخل العسكري بل بالعكس نرى ومن خلال التصريحات التي نسمعها فإن مصر تبحث عن دور سياسي لها من خلال مسارات سياسية وامنية واقتصادية الهدف منها الوصول الى تفاهم بين القوى الليبية يتيح إنشاء مجلس رئاسي في نهاية الأمر للأقاليم الليبية الثلاث ..
أمر آخر لا يوجد حتى الآن أية إشارات الى استعدادات عسكرية مصرية للتدخل في ليبيا ولا ننسى أن على القوات المصرية ان تقطع مسافة ما لايقل عن ألف كلم وسط الصحراء الليبية للوصول الى مناطق القتال عند حدود سرت الغربية وهذا يعطينا فكرة عن حجم الترتيبات اللوجستية الهائلة التي تحتاجها مثل هذه القوات والى الوقت الذي ستحتاجه مثل هذه التجهيزات للوصول الى الاماكن المراد الوصول اليها وحتى الآن لم يتم بناء او استحداث أية قواعد او محطات ثابتة للجيش المصري لإستقبال طلائع التجهيزات اللوجستية وتامين الحماية لطلائع القوات ..
ولا ننسى أمر آخر إن كنا نتكلم بواقعية ..
وسط هذه الصحراء وطرقاتها المكشوفة ان هناك الطائرات التركية المسيرة ( بيرقدار ) والتي كان لها الدور الكبير في خسارة المعركة من قبل قوات حفتر وانسحابها من محيط طرابلس بعد أن كانت تحاصر المدينة وهذه الطائرة سوف تكون بالتأكيد في حسابات القيادات العسكرية المصرية في حالة القرار بالتدخل ..
المراهنة على تدخل عسكري مصري كبير وحاسم يغير مجرى الاحداث في ليبيا هي ليست إلا اماني فممنوع على مصر ان تنتصر وممنوع على جيش مصر أن ياتي بنصر كبير يعيد مجدها ومصر عبد الناصر التي نعرفها وممنوع على مصر أن تهيمن من خلال انتصار في ليبيا على المشهد في البحر المتوسط وعلى مناطق النفط والموانئ في الهلال النفطي وإن كان هناك من تدخل سيحدث حسب تطور الاحداث فلن يكون لأكثر من مسافات وكيلومترات قليلة لحفظ ماء الوجه لا أكثر ..
نثق بقدرات الجيش المصري وأمنياتنا ان نشهد عودة مصر الى الساحة من خلال مثل هذا التدخل وهذا كله يحتاج الى شجاعة وقرار ربما استشهادي فهل السيسي جاهز لمثل هذه المراهنة ولمثل هذا القرار التاريخي في نصر كبير يعيد لمصر دورها ومجدها وتاريخها وتأثيرها العظيم في المنطقة والعالم ..
هل يفعلها السيسي رغم إرادة اميركا !! الأمر مستبعد .. السيسي لن يكون يوما ناصر آخر ..
من هي القوى الفاعلة في الاحداث الليبية وتطورها ..
اوروبا اصبحت عاجزة عن التأثير في المشهد الليبي وحتى عن احداث كل المنطقة وهي ليست اكثر من صراخ خجول في مياه المتوسط تطلقه بوارجها البحرية لا أكثر ..
اميركا تلعب لعبة الحكم بين كافة الاطراف ولها حلفاء بين كافة القوى فمن جهة تركيا وحكومة الوفاق ومن جهة مصر والخليج ومصلحتها حتى الآن هي استمرار وإطالة الصراع والقتال في ليبيا تماما مثل مصلحتها في إطالة القتال والحرب في سوريا ..
اميركا تخلت عن حفتر فقد انتهى دوره معها منذ اليوم الذي استدعى فيه الطائرات الحربية الروسية والتي اصبح لها قواعد انطلاق ومطارات فوق الاراضي الليبية ..
الدور المستقبلي السياسي المتوقع سوف يكون لرئيس البرلمان عقيلة صالح وإن كنا سنرى استمرارا لوجود لخليفة حفتر على الساحة العسكرية فما زال له تأثيره واتباعه وحلفاء في روسيا والخليج وما زيارة عقيلة صالح الشهر الماضي للجزائر سوى لتثبيت هذا الدور الذي تقبل به كافة الاطراف المؤثرة في الساحة الليبية ..
يبقى هناك روسيا وتركيا ..
وكل الدلائل تشير الى أن هناك تفاهم روسي تركي لتقاسم المصالح سوف يحصل وسنشهد لقاءات لمختلف القوى الليبية بعيدة عن اعين الامم المتحدة ..
الضامنان لمثل هذه الاتفاقات روسيا وتركيا وشبيهة بلقاءات وتفاهمات استانا وسوتشي حول سوريا مع إمكانية نجاح اكبر على الساحة الليبية فالمغانم هناك اكبر ويسيل لها اللعاب ..
ليبيا ساحة صراع دولي واقليمي كبير وطويل لن ينتهي عن قريب وغير مسموح لأحد ألإنتصار فيه ..
ليبيا هي هدية تقدمها اميركا لاردوغان لقاء كل الادوار التي قام بها لمصلحة اميركا وخاصة على الساحة السورية والعربية عامة والجميع يدرك انه لولا الموافقة الأميركية والدور الاميركي المرسوم له لما تجرا اردوغان على التدخل بهذه القوة في ليبيا ..
التفاهم الروسي التركي هو الأرجح بين جميع ما نقرأه عن سيناريوهات ورغم ما نراه من تعزيزات عسكرية تركية وروسية لتعزيز الجبهات في الشرق والغرب الليبي ..
تركيا بكل غرورها وعنجهيتها واستعراض عضلاتها لن تكون قادرة على خوض صراع عسكري مع روسيا والأفضل لها هو الوصول الى اتفاقات مع روسيا ربما تؤدي الى تقسيم ليبيا وتقاسم مصالح وخاصة النفط والقواعد العسكرية على الساحل والبر الليبيين وتكريس تركيا لنفسها كقوة اقليمية كبرى تعيد مجدها العثماني من مرمرة الى طرابلس مرورا بالعراق وسوريا وشمال قبرص ومقديشو وتقوم بتعويض كل ما خسرته من اتفاقيات اقتصادية ضخمة خلال عهد الرئيس الراحل معمر القذافي ..
وما الاحداث الأمنية التي وقعت عند الحدود الأذرية الارمينية إلا رسالة تركية لموسكو للإسراع في بدأ المفاوضات حول ليبيا ..
وإن كنا ندرك انه وبالنهاية ، فنهاية تركيا مستقبلا وبعد أن تنتهي لعبتها التي تفوق حجمها لن تكون إلا في وحول ودمار كبير ..
من الواضح أن روسيا لن تقبل بخسارة سرت وتركيا ستقبل بتقاسمها ..
روسيا وصلت الى المياه الدافئة ولن تغادرها وسيكون لها السيطرة بعد التفاهمات مع تركيا على شرق المتوسط من السواحل السورية وصولا الى السواحل الليبية وامتدادا الى المشاركة على كامل حوض البحر المتوسط إضافة إلى إقامة قواعد بحرية لها على السواحل الليبية وقواعد ومطارات لطائراتها الحربية تهدد بها الجناح الجنوبي للناتو ..
هل سنشهد نهاية للمعارك قريبا .. ابدا ..
وهناك احتمالات عديدة لمحاولة توغل وتقدم تقوم بها تركيا من خلال ميليشيات حكومة الوفاق ومرتزقتها وربما هذه المحاولات إن حصلت فهي لن تكون اكثر من سلسلة رسائل تركية الى روسيا للوصول الى اتفاقيات تقاسم مصالح .. فتركيا ليس لها المقدرة على الصبر والإنتظار والتخبط لوقت طويل في الرمال الليبية واردوغان مستعجل لجني الارباح لرميها وسط الساحة الداخلية التركية قبل الإنتخابات الرئاسية القادمة ..
وحتى الآن الرئيس التركي عرف كيف يستغل هذه الفوضى التي تعصف بالمنطقة وعرف كيف يلعب وسط هذه الفوضى ووسط اعاصيرها وخاصة في المشهد الليبي وسط هذا العجز العربي عن التأثير الجدي في الاحداث .. فالتأثير العربي وحتى اليوم لم يكن إلا تأثير تابع .. وحسب المواصفات الأميركية ..
ربما أكون مخطئا في التحليل فنحن هنا نتكلم بالسياسة وليس بالمبادئ والاخلاق واتمنى ان اكون على خطأ .. فقط احمل املا كبيرا ان تتحرك مصر وتتدخل في ليبيا بكل قوة .. اخاف على ليبيا وايضا اشعر بالخوف تجاه مصر وحجم مصر وتاريخها العظيم .. انها مصر التي نعشق .. مصر ناصر ..
وتبقى ليبيا قصة طويلة .. وطويلة جدا ..
لن نشهد نهايتها قريبا ..
2020-07-26