جيمس بيتراس: رحيل مرتكب “الموبقات الخمس” بحق الإمبراطورية!
سعيد محمد*
في يوم عيد ميلاده ال89، رحل جيمس بيتراس عن عالمنا. المفكر وعالم الاجتماع الأمريكي ذو الجذور اليونانية كرس مسيرته الأكاديمية والنضالية كاملة لإضاءة مسالك المقهورين وتفكيك بنى القمع المعولمة، تاركاً خلفه إرثاً معرفياً استثنائياً ومكتبة غنية بالتحليلات التي أضاءت مساحات معتمة في فهمنا لطبيعة الهيمنة المعاصرة.
منطلقاً من جذوره العمالية الصلبة احتضن بيتراس قضايا المستضعفين في الأرض قاطبة، مصوباً قلمه الشجاع نحو مركز الإمبراطورية ورأس حربتها المتقدمة في الشرق الأوسط: الكيان الإسرائيلي.
عبقريته الفذة وشجاعته الفائقة جعلته متهماً دائماً بارتكاب “الموبقات الخمس” الفكرية بحق الإمبراطورية الأمريكية ومراكز الهيمنة العالمية، مشكلاً عبر تلك الموبقات أعمدة مشروعه المعرفي الجذري المناهض لليقينيات الاستعمارية: تشريح طبيعة الكيان الصهيوني، وفضح اختراق اللوبي الصهيوني لواشنطن، وتعرية أدوات التدجين الناعمة بما فيها مثقفي اليسار الملتبس والمنظمات المدنية المرتبطة بالتمويل الخارجي، وفضح النيوليبرالية كوجه جديد للاستعمار، وتبني نهج العمل الجماهيري المباشر.
قدم بيتراس دراسات أكاديمية موثقة تكشف الدور الوظيفي لإسرائيل كأداة متقدمة للمشروع الإمبريالي. ووصف الصهيونية بحركة استعمارية إحلالية تتمدد وتتغذى بانتظام على دماء الشعوب العربيّة ومواردها الحيوية، رابطاً ببراعة بين صعود النيوليبرالية والسياسات الإسرائيلية، مشيراً إلى توافق جوهري وعميق بين قوى السوق الجشعة والعسكرة الصهيونية عبر تحول إسرائيل إلى مركز عالمي لتجارة السلاح وتدريب المرتزقة، وأداة فعالة في إجهاض حركات التحرر حول العالم.
أصدر مجموعة مؤلفات فككت آليات عمل المجموعات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة وظف فيها أدوات علم الاجتماع السياسي ليرسم خريطة واضحة المعالم توضح نفوذ هذه الجماعات داخل أروقة الكونغرس ومراكز الأبحاث، وأثبت بالأدلة القاطعة توجيه هذا اللوبي للقرارات السياسية والعسكرية الأمريكية، ودفعها الحثيث نحو تبني مواقف عدوانية تضمن التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، مبيناً طرق ترويض السياسيين الأمريكيين، وضمان ولائهم المطلق عبر الدعم المالي السخي والابتزاز.
تضمنت كتاباته هجوماً عنيفاً وشاملاً على التيار الذي أسماه “اليسار الثقافي” والمثقفين المنشغلين بالتنظير الأكاديمي المجرد بعيداً عن الانخراط المادي في الصراع الطبقي. ووجه انتقاداته اللاذعة تحديداً صوب مفكرين مثل مايكل هاردت وأنطونيو نيغري عبر تفكيك أطروحاتهم في كتاب “الإمبراطورية”، معتبراً أفكارهم حول تراجع الإمبريالية التقليدية تمييعاً لواقع الهيمنة وتضليلاً للحركات العمالية. كما وشن هجوماً لا يرحم على نعوم تشومسكي بسبب تقليل الأخير من سطوة اللوبي الصهيوني، متهماً إياه بتوفير غطاء فكري يطمس حقيقة تحكم إسرائيل التام بقرارات واشنطن الشرق أوسطية. ولم يتأخر عن تعرية دور ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني المرتبطة بالتمويل الخارجي معتبراً هذه الكيانات بمثابة وسائد امتصاص للصدمات الاجتماعية، وأدوات فعالة لتدجين الغضب الشعبي وتوجيهه نحو مسارات آمنة تخدم قوى الاستغلال المركزية، موضحاً مساعي المانحين لاختراق المجتمعات المستهدفة وتفكيك بناها التضامنية الأصيلة عبر ضخ الأموال المشروطة بتقديم التنازلات الجوهرية، ومشدداً على ضرورة بناء حركات جماهيرية مستقلة كلياً تستمد قوتها حصراً من الحاضنة الشعبية.
وسع بيتراس دائرة نقده لتشمل برامج المساعدات الإمبريالية والقروض الدولية، فاضحاً الشروط المجحفة المرتبطة بها. وأوضح ارتباط هذه المساعدات بمخططات خفض قيمة العمل وتقليص مظلات الحماية الاجتماعية وتحويل الدول النامية إلى مساحات جغرافية مستباحة للاستثمارات الأجنبية رابطاً بشكل مباشر بين غياب الاستقلال الاقتصادي والارتهان السياسي، ومؤكداً قدرة الشعوب على بناء اقتصاداتها المحلية بالاعتماد الواثق على الموارد الذاتية والتعاون الإقليمي البناء. وآمن إيماناً مطلقاً بقدرة الشعوب على صناعة التغيير عبر العمل المباشر وتأسيس سلطة شعبية حقيقية تتجاوز صناديق الاقتراع النخبوية، وترسي دعائم مجتمع جديد تسوده العدالة المطلقة، معتبراً الحركات الشعبية المنظمة بمثابة بروفات حية لتدريب الجماهير على ممارسة السلطة وإدارة مقدرات الدولة المدنية. وكان في تحليلاته السياسية يستند إلى رؤية طبقية عميقة، متجاوزاً المناهج القومية السطحية، ليرى في النضال ضد الإمبريالية معركة طبقية بامتياز تلامس صميم الحياة اليومية للعمال والفلاحين والطبقات المسحوقة.
لقد عاش بيتراس عمره المديد وفياً لمبادئه النبيلة، ثابتاً كالطود على مواقفه الجريئة، وكتب بحب وإجلال بالغين عن تضحيات الجماهير العربية، وتنبأ بحتمية انتصار الحركات الشعبية المنظمة متى امتلكت وعيها التاريخي وتجاوزت فخاخ التبعية والتدجين الناعم، وكان حتى يومه الأخير مناصراً صلباً لحقوق الشعب الفلسطيني، ورأى في مقاومته تجسيداً حياً لإرادة الحياة ورفضاً قاطعاً للظلم التاريخي المتراكم.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-02-21