جدل في فرنسا حول إصلاح الفضاءات الدينية هل هو بداية الحل أم بداية المخاطر؟
اعلية العلاني*
احتدم الجدل في فرنسا هذه الأيام حول فشل تشكيل “مجلس وطني للأئمة في فرنسا” وبالتالي فشل الوصول إلى ميثاق إسلامي جديد في فرنسا. فالرئيس ماكرون طرح ميثاقا يتضمن جملة من النقاط أبرزها ثلاث: أولا أن الإسلام دين وليس حركة سياسية، ثانيا: إنهاء التدخل أو الانتماء إلى دول أجنبية، وثالثا: الاعتراف بقيم الجمهورية. ولحدّ اليوم مازال الشدّ والجذْب قائما بين السلط الفرنسية وممثلي الأئمة الذين اعترضوا بالخصوص على أسلوب اختيار الإمام من طرف المجلس الوطني للأئمة. وفي الحقيقة ما كان هذا الجدل ليحتدم لو لم تكن هناك اختلافات ايديولوجية عميقة بين المعنيين بالفضاء الديني. فالمنظمات الإسلامية الثلاث الكبرى لها ولاءات متعددة، تعود الأولى إلى “مسلمو فرنسا” القريبة من تيار الإسلام السياسي الإخواني، والثانية جمعية “الإيمان والممارسة” القريبة من تيار جماعة التبليغ المنتمية للسلفية الإصلاحية، وثالثا، تيار إسلامي تركي “ميللي جوروش.” وهذه المنظمات الثلاث حسب الصحيفة الالكترونية “فرنسا 24″ سعت ” إلى إفراغ الميثاق (الذي طرحه ماكرون) من القيم الجمهورية المقترحة بشكل أساسي من طرف مسجد باريس” (انظر مقال فؤاد مطران، انسحاب مسجد باريس من تشكيل مجلس وطني للأئمة، فرنسا 24، 29 ديسمبر 2020).
1) هل الوصول إلى حل أمر ممكن؟
ويتزامن هذا الجدل مع مساعي الحكومة الفرنسية في محاربة الانفصالية الإسلامية في حين أن التيارات المشار إليها لا تقبل أن تمثل إسلاما مفصولا عن بُعْده السياسي حسب رأيها. وبالتالي فنحن مُقبلون على شتاء ساخن هذه السنة 2021 خاصة إذا تحركت خلايا التطرف العنيف لاستغلال هذا الخلاف والضرب من جديد في إطار عمليات إرهابية. والمطلوب أن يتحلى الجميع بالحكمة والعقلانية. فمن حق فرنسا أن تحمي ترابها من التيارات الراديكالية، ومن حق التيارات الإسلامية أن تكون لها مساهمة فاعلة في صدور هذا الميثاق. وأُقَدّم في هذا الإطار لإثراء النقاش حول هذا الميثاق ثلاث مقترحات: الأول، اعتبارُ الإسلام دينا وأُمّة وليس دينا ودولة كما قال الباحث في الإسلاميات جمال البنّا وله تأصيل ديني شرعي في هذه المسألة، (وهو شقيق حسن البنّا لكنه يختلف عنه في الطرح الإسلامي وكانت لي فرصة الالتقاء به قبل وفاته بعدة سنوات)، المقترح الثاني، الاتفاق على فهم موحد لقيم الجمهورية لتقريب وجهات النظر مع استبعاد فكرة تسْييس الدين، أما المقترح الثالث فيتمثل في إحْداث لجنة تضبط معايير تقلُّد الإمامة ومن بين هذه المعايير الإلمام بأساسيات الفقه عموما وفقْه الأقليات على وجه الخصوص بما في ذلك مسألة التعاطي مع الفكر الإسلامي التنويري والعقلانية ومنظومة حقوق الإنسان ومدنية الدولة واحترام دولة القانون والمؤسسات، والمعرفة الجيدة بثقافة وتاريخ تلك البلاد الأوروبية لأن فقه الأقليات بالخصوص ينبع من الواقع المادي والثقافي الذي يعيشه كل بلد، وعلى الأئمة أن يكون لهم إلمام ببعض القواسم المشتركة بين الحضارات الثلاث المسيحية والإسلامية واليهودية باعتبارها الأديان السائدة في الفضاء الأوروبي، وباعتبار أن التعايش بين هذه الأديان لا يعني الذوبان في إحداها. وقد استطاع النبي محمد – ص- التعامل مع هذه الديانات بكل أريحية وباحترام متبادل. وحبذا لو يلتزم الخطاب الرسمي الأوروبي، أي الخطاب النابع من السلطات الحكومية الفرنسية أو الأوروبية، بعدم التجريح في الأديان عموما.
2) مستقبل التيارات الاسلامية في فرنسا
إن استمرار الاحتقان لن يخدم أي طرف في فرنسا، كما أن مستقبل التيارات الإسلامية سيكون رهين الاتفاق الذي سيحصل، ويجب أن يحصل. وأعتقد أنه من مصلحة مسلمي فرنسا أنْ يحرصوا على تطبيق قيَم الجمهورية، لأن هذه القيم لا تمنع تبنّي عقيدة دينية فردية في ظل احترام بقية الأديان.
أعتقد أن المعركة الحالية بين المجلس الوطني للأئمة في فرنسا (الذي هو في طور التكوين في نسخته الجديدة)، والمنظمات الإسلامية الثلاث المذكورة لا يعني أن هذه التيارات تمثل كامل الطيف الإسلامي في فرنسا. وبالتالي، وفي صورة تواصل الخلاف بين الهياكل الإسلامية الحالية والحكومة الفرنسية، ربما نكون على موعد مستقبلا مع ظهور تنظيمات إسلامية جديدة تلتزم بجوهر الدين وتكون أكثر انفتاحا ومواكبة للمستجدات الراهنة. ونشير أنه في صورة غياب أي تقارب بين الطرف الفرنسي الحكومي والطرف الاسلامي فإن الخشية تتزايد من حصول بعض العمليات الارهابية التي ستزيد من معاناة الفرنسيين عموما والمسلمين الفرنسيين على وجه الخصوص.
إن صدور ميثاق جديد أمر لا مفر منه، كما أن اختيار الأئمة من داخل فرنسا لا من خارجها مسألة سيادة فرنسية. وفي هذا الإطار نذكر أن أحد الدول الأوروبية أحدثت في السنوات الأخيرة في أحد جامعاتها دبلوما لتخريج الأئمة يدوم سنتين يَدْرُس خلالها الأئمة عدة مسائل مثل الأديان المقارنة وفقه الأقليات وحوصلة عن التيارات الاسلامية الراديكالية في القديم والحديث مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام، ودروس في اللغة وفي تاريخ ذلك البلد الأوروبي. ومَنْ لم ينجح في هذا الدبلوم لا يحق له ممارسة وظيفة الإمام. ويمكنه إعادة الدراسة مرة واحدة فقط، وتكون الدولة هي المشرفة على تأجير هؤلاء الأئمة. وقد أتيحت لي الفرصة للمشاركة في هذا البرنامج وتقديم جملة من المحاضرات إلى جانب مختصين في هذا المجال.
وأخيرا نقول أن من مصلحة مسلمي فرنسا خوض مثل هذه التجربة متى سمحت الظروف بذلك. ولا أحد في فرنسا وفي أوروبا يريد أن يتورط بعض المسلمين في معارك الهوية وتقسيم المجتمع إلى مسلمين وكفار، بل يريدون الانخراط في المواطنة الكاملة. ومن شروط المواطنة عدم التمييز بين المواطنين على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.
أكاديمي ومحلل سياسي*
2021-01-02