ثناء الألوسي… أيقونة عراقية مبدعة!
بقلم: البروفيسور الدكتور وليد الحيالي
في عالمنا العراقي المثقل بالتحديات والمحن، ينهض بين الحين والآخر صوتٌ مختلف، لا يشبه سواه. صوت لا يطلب التصفيق ولا يسعى خلف الأضواء، بل يحمل في نبرته صدق الوطن وجراحه، ودفء الأمكنة التي غادرناها دون أن تغادرنا. ومن بين تلك الأصوات، يبرز اسم ثناء الألوسي، كإحدى القامات الثقافية المضيئة التي صنعت حضورها بإرادة لا تلين، وعبر مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع الأصيل.
عرفتُ ثناء الألوسي أول الأمر من نصوصها، قبل أن أعرفها إنسانة. قرأتُها كما تُقرأ الذاكرة، وكما يُستعاد الحنين. فيها وجدت العراق الذي نحلم به، عراق النخل والحروف، عراق المرأة التي لم تنكسر رغم الانكسارات. كلماتها ليست حيادية ولا باردة، بل تنبض بانفعالات مدروسة، تجمع بين الرقة والحدّة، بين الألم والرجاء. إنها تكتب بروح امرأة تتقن الإنصات لصوت الداخل، دون أن تغفل وجع الخارج.
إن ثناء الألوسي ليست مجرد مبدعة عراقية، بل هي تجربة متكاملة، تنتمي إلى الجيل الذي قاوم الصمت بالأدب، والخسارات باللوحة، والمنفى بالذاكرة. لم تستسلم لخطاب اليأس، بل رفدت الثقافة العراقية والعربية بمزيج من الرؤى المتحررة، والنصوص المشحونة بالرمزية والصدق، والتجارب الفنية التي تجمع بين التراث والحداثة دون افتعال.
حين تكتب ثناء، فإنها لا تؤرّخ لذاتها، بل تكتب عن نساء العراق جميعًا: عن الأرامل اللواتي غاب عنهن المعيل، عن الأمهات في طوابير الانتظار، عن الشاعرات الصامتات خلف الجدران، عن المعلّمات اللائي درّسن الحروف في زمن القنابل، عن المرأة ككائن مقاوم، جميل، وفاعل في إعادة بناء الحياة.
وفي مغتربها، لم تتحوّل ثناء الألوسي إلى مجرّد شاهدة على الفقد، بل كانت فاعلة، تكتب، وتعرض، وتشارك، وتحاور، وتدافع عن الثقافة العراقية كقضية وجود وهوية. لقد امتلكت الوعي بأن الثقافة ليست ترفًا في المنافي، بل هي جبهة أخرى من جبهات البقاء.
لقد آن لنا، نحن الذين شهدنا ويشهدون انهيار البنى الثقافية في العراق، أن نرفع الصوت بإجلال لتجارب من طراز ثناء الألوسي، لا بوصفها أسماء نسوية، بل كعناوين فكرية مستقلة، يمكن أن تُدرّس وتُقرأ وتُخلّد.
إن الحديث عن ثناء الألوسي، هو حديث عن المرأة التي نهضت لتقول “أنا العراق”. لا عراق الخراب، بل عراق الحرف، واللوحة، والصوت العابر للخراب. إنها تنتمي إلى ذلك النسيج النادر من العراقيين الذين ظلوا ينحتون بالجمال ضد القبح، وبالصدق ضد التزييف، وبالإبداع ضد الرداءة.
أقولها بكل اعتزاز: ثناء الألوسي ليست فقط فنانة أو كاتبة أو مثقفة، بل ضمير حيّ لوطنٍ ممزق، وذاكرة ملوّنة تنبض بالحياة في زمن الرماد. فتحيّة لها، وهي تنسج من خيوط التجربة أفقًا جديدًا لجيل لا يزال يبحث عن المعنى، ويقاوم لأجل البقاء.
2025-06-21