(تهافت الليبرالية المتأخرة نصف قرن دفاعا عن البعث وعبد الناصر)!
رد على السيد مهدي دخل الله*
باسل ديوب *
بداية لابد لي أن أحيي المسحة الليبرالية على المستوى الشخصي فحسب للدكتور مهدي دخل الله تجاه منتقديه، وأتمنى أن تتحول إلى دعوة لمنتقديه، وهم كثر، إلى مناظرة، تلفزيونية مثلاُ ، يتحاورون فيها معه وجها لوجه، وأمام الجمهورـ ليكون الامر مثالاً حقيقياً للنقد و النقد الذاتي المزمع.
أما الليبرالية بالمعنى الفكري، فلا أتمنى نزول وحيها على رفيق بعثي في نهاية عقده الثامن، وبعد نصف قرن من نضاله البعثي الاشتراكي لأنها ستكون قد تأخرت كثيراً.
يبدأ السيد دخل الله مقاله المعنون ( الفن الذي وحد العرب يوم فرقتهم الايديولوجيا) الذي أثار غضب الكثيرين بجملة تقريرية فيها ما هو أدهى من مغالطة المصادرة على المطلوب ” علينا أن نعترف، فوراً، أن الوحدة العربية الحقيقية الموجودة اليوم صنعها الفن بينما فشلت السياسة والشعارات والإيديولوجيا فشلاً ذريعاً في توحيد الأمة”.
ويضيف ” لم تنجح خطب عبد الناصر الجذابة وأفكاره القومية المرموقة بتحقيق اقتراب فعلي من الوحدة العربية، “
بل يصل به الامر إلى انها لم تنجح سوى بـ ” سوى بتعميق الخلاف بين العرب …. بل إن حزباً مهماً كحزب البعث لم ينجح في مد جسور تفاهم بسيط بين سورية والعراق “.
كنت أربأ بالسيد دخل الله ألا يكون في خطابه ،وهو أعلى قيادي إعلامي وعقدي وثقافي في حزب البعث الحاكم في سورية المقاومة مثل هذه السقطة المعرفية الكبرى، ملتمساً له عذراً عاملَ السنّ ،وربما ضغط الوقت بإنجاز مقالة سريعة قبل حلول موعد إغلاق تحرير العدد من جريدة البعث التي نشر مقاله فيها.
وهي سقطة معرفية كبرى ذات مستويات عدة من التهافت، فهو يفرض على القارئ اعترافا فوريا على طريقة (قول قر اعترف) ! وبم سيعترف القارئ المسكين؟
عليه أن يعترف أن الفن العربي اليوم الذي يسيطر عليه فريق يتفرج على مذبحة أهله في غزة بل يشترك في قتلهم بشكل أو بآخر، ويقيم مهرجانات التكريم الفنية لتدجين هذه الشريحة التي يعدها لتكون قائدة للرأي العام ويعاقب الفنان الوحيد الأوحد الذي تجرأ على ذكر الحرب على غزة وفلسطين بعدم شراء أذرعِه التي تكاد تحتكر وسائل بث هذا الفن للمسلسل الذي يمثل فيه !
ولم يقف الأمر عند التسبب بوقف تصوير مسلسل محمد عادل إمام الجديد «كوبرا» لكنه امتد إلى سحب فيلمه «أبو نسب» من الشاشات السعودية بعد أن عرض لأربعة أسابيع وكان ينافس على صدارة شباك التذاكر.
لا أعرف كيف يمكن لمناضل بعثي أن يزعم أن الوحدة العربية متحققة فنياً في وقت تغيب فيه أهم وأقدس قضية عربية عن هذا الفن بل ويفرض صمت مطبق على كل الفنانين العرب تقريباً ؟
إن اعتبار الفن الذي تسيطر عليه الأنظمة النفطية التي لا دساتير تحكم سياسييها وحكامها ،هو شكل من أشكال وحدة العرب وأنه الوحدة العربية الحقيقية لهو من الخفة والسطحية ما يبلغ حد قرع جرس الإنذار المعرفي والعقلي، لما يمكن ان يكون عليه التغير المزمع في حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سورية، فعلى عكس ما يدعيه الفن هنا هو أداة تجهيل وإبعاد عن الوحدة العربية .
وبالانتقال إلى مستوى آخر من التهافت في مقاربةِ أهم مرحلةِ نضاليّةِ في تاريخِ العربِ الحديثِ، قادَها الراحلُ “جمال عبد الناصر”، وشريكه الاكبر حزب البعث بسطحيّةٍ وخفة لا تحتمل، على اعتبارها مجرد خطب وحماسة بل بنوع ٍ من التجهيل المعرفي و المعلوماتي ، ناهيكم عن كونها بالضبط ، تلك القراءات المشوهة بقصد ،التي يسوقها أعداء العروبة و البعث و عبد الناصر.
وهو ما يُستغرب صدوره عن رفيق بعثي وقيادي رفيع يعرف تماما أن هؤلاء المفترى عليهم ،البعث وناصر و القوميين العرب عموماً،أنجزوا وحدة حقيقية، وهم يخوضون كفاحاً لا يلين منذ عشرات السنين وينتقلون من معركة إلى أخرى، وهم الآن بعد سيل الطعنات والغدر من قبل من يعطيهم دخل الله شرف تحقيق الوحدة الحقيقية عبر برامج الترفيه و الدراما التي تنهال عليهم بقيم الليبرالية الحديثة العدمية المتهتكة وكأنها قيم العرب التقليدية ! يخوضون ببسالة وباللحم الحي معركة الدفاع عن وحدة العرب النفسية والثقافية ببسالة منطقة النظير وهي المعركة نفسها التي أطلقها البعث وناصر بعد اغتصاب فلسطين.
وتعالوا الآن لنذكر الرفيق دخل الله بمحطات الفشل الوحدوي المزعومة ، في العام 1957 هبت مصر عبد الناصر للدفاع عن سورية بوجه التحشيد العسكري التركي، فنزلت قوات الصاعقة المصرية في سواحل اللاذقية .
وكان تهديدا صريحا لتركيا بالحرب في حال أي عدوان على سورية ، وخلال أشهر كان البعثيون والقوميون قد رتبوا مشروع وحدة اندماجية مع مصر ( من وراء ظهر الليبراليين السوريين الذين تنضح من المقالة مواقفهم المعروفة من الوحدة) وتمت الوحدة بتصويت ديمقراطي في البرلمان الليبرالي نفسه، فيما سقطت بانقلاب على الديمقراطية داس على إرادة الناخبين .
والانجاز هو حماية سورية من احتلال تركي للشمال وضم ٍ لحلبَ و الجزيرة الى تركيا ،وهو حلم طوراني مزمن على الأقل على الطريقة القبرصية ، و تحصين سورية من الدخول في حلف بغداد، الأمر الذي قاد بعد أشهر الى ثورة 14 تموز في العراقـ و إخراجه من حلف بغداد و اسقاط الملكية العميلة وقبرها مع حلف بغداد في ضربة واحدة .
يضيق المقال بذكر انتصارات القوميين ( ناصر ومعه البعث ) إسقاط العدوان الثلاثي ، وتأميم القناة وبدء مرحلة كهربة الريف و المدينة و التصنيع و الاكتفاء الذاتي الغذائي، و النهوض الباهر في كل مناحي الحياة ومنها الفنية و الثقافية حيث كانت صوت العرب والفن العربي المصري يوحد الجميع نفسيا ومعنويا ، في وحدة ثقافية وفنية يراد تدميرها اليوم وجعل محتواها التتفيه باسم الترفيه .
نتابع الإنجازات، انتزاع العراق من معسكر التبعية تبعه تحرير الجنوب العربي اليمني ، و ثورة الشمال ،و إقامة الجمهورية اليمنية رغم أنف الجيش السعودي وداعمته إسرائيل حينها فما أشبه اليوم بالأمس في عدوان حلف الاعتلال العربي على اليمن خدمة للمشروع الصهيوأمريكي .
ودعم ثورة الجزائر سياسيا وعسكريا حتى طرد الاستعمار الفرنسي ، ودعم ثورة الفاتح في ليبيا ، وفرض الاستقرار و الالتزام العروبي على حكام لبنان واحباط مبدا أيزنهاور بعد طرد الفرنسيين و الإنكليز من المنطقة .
و هل يمكن القفز فوق قيام البعث بحل نفسه لتسهيل قيام الوحدة مع مصر ،وقبول كوادره الانخراط في الاتحاد الاشتراكي العربي كتنظيم طليعي يقود الامة؟
هذا فيما يخص البعث وناصر معا، أما عما جرى بين البعثين في سورية و العراق، فتعالوا نكمل ونتذكر كيف قام البعث السوري بقيادة حافظ الأسد ببذل المستحيل للوحدة مع العراق الذي يقوده الفصيل البعثي الاخر وإنهاء نزاع الاخوة ـ الأعداء،مع اتضاح الخيار السادات الاستسلامي وصولا الى ميثاق العمل القومي بين الرئيسين أحمد حسن البكر وحافظ الأسد الذي سرعان ما انقض عليه صدام حسين بإطاحة البكر، واتبع ذلك بمجزرة مروعة في قاعة الخلد بتهمة التآمر مع سورية للانقلاب عليه.
رغم ذلك وفي ذروة الخلاف والحرب الإيرانية كان للأسد وصدام محاولة وحدوية كان عرض الأسد فيها تعال نتوحد فورا، وسنرغم إيران على وقف الحرب بمجرد الوحدة لأنه حينها ستغدو إيران وكأنها تحارب سورية.
وعند تعرض العراق لخطر الغزو وقفت سورية بكل قوة مع البعث العراقي وفتحت حدودها للعراقيين ورعت مقاومتهم وساندتهم بكل قوة.
وفي مستوى ثالث من التهافت يقصر “دخل الله” هجومه وانتقاده على ناصر والبعث، معفيا كل الآخرين وفي مقدمتهم أصحاب الوحدة “الفنية” والمزعومة من أي مسؤولية عن عدم تحقيق الوحدة.
فما بالكم إذا ذكرناكم بأنهم كانوا أعداء للوحدة حتى الثمالة، فالسعودية هي من مول الانقلاب العسكري الذي فسخ عرا الوحدة ، وكانت ما انفكت تحاول رشوة الضباط والسياسيين السوريين للانفصال طيلة عهد الوحدة ،التي حمت سورية من اجتياح تركي، وخاض الاقليمان معا معركة التوافيق ضد العدو الإسرائيلي ،وهي من شارك مع إسرائيل بمحاربة الجيش المصري في اليمن وأحرار اليمن.
في الحقيقة لا يحق لقيادي بعثي ان يجلد البعث و ناصر في الإخفاقات التي وقعت بعد كل هذا النضال و التضحيات المستمرة للحظة و التي ستستمر بإذن الله حتى تحقيق الوحدة وطرد المحتلين الامريكان وادواتهم و السيطرة على الثروات وتوزيعها بشكل عادل يعود على الامة بالنهوض و الكفاية ، فيما يعجز لسانه عن مساءلة باقي زعامات الامة وتياراتها وقواها لعدم نجاحهم بتحقيق أي وحدة سياسية ، فما بالكم بانهم حاربوا بشراسة مع إسرائيل لإسقاط الوحدة و البعث وعبد الناصر .
وهم مستمرون حتى اللحظة في مهمة اسقاط سورية وجيشها الباسل، فدعم هؤلاء لمشروع اسقاط سورية بمئات مليارات الدولارات علني ومكشوف ومعترف به من قبلهم ، هذا الدعم الذي يصب أولا و أخيرا في مصلحة ولمصلحة إسرائيل، وبسبب ارتقى عشرات الاف الشهداء من البعثيين ، الذين لا بواكي لهم في وحدة الفن و الترفيه المزعومة ، التي يشيد بها كاتب المقال إياه .
إن مقاربة السيد “دخل الله” يمكن ـن تتفوق على نفسها في التهافت إذا ما سحبناها على المقاومة الفلسطينية بمزاعم انهم أخفقوا في تحرير فلسطين في وقت يصمت فيه صمت القبور عمن ينشب خناجر الغدر في ظهور المقاومين ويحاصرهم ويحاربهم ، حتى في مجال “الوحدة الفنية” المزعومة التي يهرف عنها ، وما هي إلا فن “هشّك بِشّك” .
ثم يتابع السيد دخل الله هناك الأغاني التي ترددها ملايين العرب، «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.. ومن ربا الجزائر»، تجمعهم الأغنية يوم فشلت الإيديولوجيا والسياسة .
ربما لا يعلم السيد دخل الله أن أغنية “الحلم العربي” التي أنتجها هؤلاء قبل نحو أكثر من عشرين سنة كبديل لأغنية “وطني حبيبي الوطن الأكبر”، قد استعادوها مؤخرا بعد ان حذفوا منها ما يتعلق بفلسطين وأطفال الحجارة، وهذا مؤشر مادي فاقع على شكل عروبتهم ووحدتهم التي يتغنى بها.
إن هذه المقالة التي تفتقد وتفتقر بشكل مُدقِع للتأصيل المعرفي، ويخلط فيها السيد دخل الله بين “الوحدة العربية” كمشروع وهدف سياسي يجمع العرب في كيان سياسي واحد اتحادي ، وبين “الوحدة الثقافية العربية ” أو وحدة العرب ثقافياً ،وهي أمر منجز تاريخيا بكل المعاني التاريخية و الشعورية و الوجدانية و الثقافية و الفنية منذ أربعة عشر قرناً على الأقل .
إن هذا العبث بالمفاهيم والابتعاد عن تأصيلها معرفياً وفكرياً في لغة الخطاب الموجه إلى القراء يعني غرقاً قاتلا في مستنقع التضليل وخلق وعي سطحي يؤدي إلى تيه قاتل .
ونحن العرب لئن لم ننجح حتى اليوم في بناء دولة – أمة بالمعنى البرجوازي للقومية والدولة ،فإننا حافظنا على وحدة الامة نفسياُ وثقافياً ، ولكن هذا الخلط في زمن تغوّل الميديا الحديثة وتطبيقات الهندسة الاجتماعية وانخراط نخب ( الوحدة الفنية الترفيهية ) بقيادة الموساد الإسرائيلي وهذه ليست فرية ولا مبالغة ، ومعروفة هي الدول العربية التي تستضيف خبراء الاعلام الصهاينة ـ سيكون تأثيره مدمراً جدا على وحدتنا الثقافية الحقيقية .
أخيراً لا بد لي أن أشير بإصبع الاتهام الي النخب العربية كلها التي تقاعدت عن دورها النضالي الفكري و عجزت عن التأصيل المعرفي في مواجهة هذه الأرمادا الهائلة من قوى التخريب الثقافي التي تفرخها لنا آلات الليبرالية الجديدة .
انتهى النص
مقالة السيد د. مهدي دخل الله
”.. الفن الذي وحّد العرب يوم فرقتهم الإيديولوجيا
27-مارس-2024
مهدي دخل الله
علينا أن نعترف، فوراً، أن الوحدة العربية الحقيقية الموجودة اليوم صنعها الفن بينما فشلت السياسة والشعارات والإيديولوجيا فشلاً ذريعاً في توحيد الأمة.
لم تنجح خطب عبد الناصر الجذابة وأفكاره القومية المرموقة بتحقيق اقتراب فعلي من الوحدة العربية، أو أقله، التفاهم العربي. كما لم تنجح أفكار ساطع الحصري وزكي الأرسوزي سوى في إثارة اهتمام النخبة المثققة المتابعة التي هي، في النهاية، نخبة محدودة العدد والتأثير..
ولم تنجح الأحزاب والحركات القومية، على الرغم من نضالها الحماسي المستميت وأفكارها الخلاقة، سوى بتعميق الخلاف بين العرب. بل إن حزباً مهماً كحزب البعث لم ينجح في مد جسور تفاهم بسيط بين سورية والعراق على الرغم من أن الحزب نفسه، بأفكاره نفسها، وطقوسه نفسها، في البلدين اللذين كانا من أشد الخصوم تحت حكم الحزب..
أذكر ذات مرة، في التسعينيات كنت قادماً من إيطاليا على الطائرة الأردنية. وصلنا مطار دمشق ليلاً، فطلب الكابتن من ركاب دمشق النزول من الطائرة، وأن يبقى ركاب الأردن في مقاعدهم. فجأة يصرخ أحد المسافرين بلهجته العراقية: « آني بالشام، يا الله .. والله ما أصدِّق آني بالشام .. يا الله آني بالشام، يا ناس ما أصدِّق .. ما أصدِّق »، وأخذ ينظر من النافذة ليلاً ليرى الشام.. الفردوس المفقود ..
فرقتنا الأيديولوجيا والنظريات … ووحّدنا الفن. اليوم وأنت تشاهد الدراما على شاشة التلفزيون ترى في العائلة الواحدة الأب يتكلم مصري والأم لبناني والابن سوري والأخت خليجي. لم يشهر أحدهم جواز سفر لكي يدخل إلى «عائلته» باعتباره فرداً منها ..
ثم هناك الأغاني التي ترددها ملايين العرب، « من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر .. ومن ربا الجزائر »، تجمعهم الأغنية يوم فشلت الإيديولوجيا والسياسة. أما برامج المسابقات والترفيه الأخرى ( من سيربح المليون وغيره ) فتجد فيه الجزائري إلى جانب المغربي ( دون صراع حول الصحراء المغربية ) وتجد اللبناني إلى جانب السوري والعراقي واليمني .. كذلك في برامج المسابقات .. يجتمع العرب ويتكلمون لغة واحدة بلهجات مختلفة .. دون تأشيرة.
أما على مستوى الثقافة فأنت تقرأ الكتاب نفسه دون أن تلاحظ هل هو مطبوع في المغرب أم في الكويت. لقد انتصرت الثقافة والفن على الايديولوجيا والسياسة .. انتصرت دون تنظيم ، لأنها ارتكزت إلى ما يجمع العرب لا إلى ما يفرقهم ..
كنت دائماً أرى أن ما سوف يوحّد العرب ثقافتهم الراسخة عبر اللغة والنفسية العامة. إنها واحدة من أهم الثقافات وأغناها، أما الفن فهو في النهاية ابن الثقافة .
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid02vn9mZWsVYdfm6Pm1CwFrAkDtEQ2Q8Si28cdNwgr5Z4kGirZvixZqPYKULYtJWPbDl&id=100032285202139&sfnsn=mo
– محام وباحث
2024-03-30