تطوير الوسائل والأدوات النضالية السلمية ضرورة للنصر!

جمال الطاهات
لا بد من تطوير وسائل وأدوات نضالية سلمية جديدة، لمواجهة رعونة المستبد الفاسد واكاذيبه وميله للبطش، ومنعه من جر الأردن للعنف والفوضى. عدم تحقق نتائج ومكتسبات عبر الحركات الاحتجاجية السلمية، وارتفاع كلفتها، لا يعني التخلي عن السلمية، بل تطوير وسائل جديدة، تتجاوز المنطق الاحتجاجي، ولكنها تتجنب العنف، وتقوض خطط المستبد الفاسد وسعيه لجر البلاد للعنف والفوضى.
ما يمنح التاريخ فرادته هو التطور المتبادل بين وسائل وأدوات حركات التغيير من جهة، ووسائل وأدوات المستبد الفاسد من جهة أخرى. فما تأتي به حركات التغيير من وسائل، تقوم قوى الامر الواقع بتطوير وسائل لقهرها، مما يستلزم قوى التغيير البحث في وسائل جديدة، تحافظ على جدوى النضال السلمي، وتعيد له فاعليته وتأثيره وألقه. وما يجعل الثورات فريدة في التاريخ، أنها لا يمكن لها أن تنجح إلا إذا كانت إبداعية، واكتشفت مسارات جديدة للتغيير، وتجنبت تطبيق أي خطة تم تطبيقها من قبل أي ثورة ناجحة. فمع نجاح أي ثورة تقوم قوى الاستبداد بتطوير وسائل لمنع نجاح وسائلها وادواتها في أي مكان آخر في العالم.
وبعد ما يزيد على 12 عاماً من الحراك المعتمد على الاحتجاج السلمي في الأردن، يقوم المستبد الفاسد -مسكون بعقلية المستعمر الغريب- وعائلته وحواشيهم بتطوير وسائل قمعية جديدة من شأنها زيادة كلفة المواقف النضالية على أصحابها، ويحتال على الشعب، ويمارس سلسلة لا تنتهي من الأكاذيب والخدع، فيتحدث عن الإصلاح والديمقراطية ومحاربة الفساد، ولكنه يشوه الدستور لتركيز الصلاحيات بين يديه، ويسن القوانين التي تمكنه مع عائلته وحواشيهم من نهب موارد الشعب الأردني، ويسن قوانين أخرى
لقهر إرادة الشعب وتصفية نشطائه.
والمحصلة هي ارتفاع كلفة النضال الاحتجاجي السلمي بفاعلية إصرار المستبد الفاسد على البطش بكل المناضلين السلميين، وأيضاً انخفاض عائدات النضال الاحتجاجي السلمي ونتائجه، بسبب خداع الملك المستبد الفاسد وأكاذيبه. أي أن النضال الاحتجاجي السلمي ارتفعت كلفته وانخفضت قيمة ما ينتج عنه من مكتسبات للشعب الأردني.
هذه المعادلة (ارتفاع الكلفة وانخفاض العائدات) تقود إلى الإحباط، وقد تؤدي إلى أن يتخلى شعبنا عن التمسك بالوسائل السلمية للنضال. وهذا ما يتم تلمسه مؤخراً، حيث ترتفع العديد من الأصوات التي تتحدث عن أن النضال السلمي لم يعد مجدي، ولا بد من البحث عن وسائل جديدة، بعضهم ألمح لها بالدعوة لاستعمال (القنوة أو الدبسة)، وبعضهم الأكثر تأثراً بحالة اليأس والاحباط، بدأوا يتداولون مدائح العنف همساً، إضافة إلى العديد من الكتّاب الذين كتبوا تصريحاً وتلميحاً محذرين الملك المستبد الفاسد وعائلته من مغبة الاستمرار بالسياسات الراهنة، مكررين عبارة أن “صبر الشعب بدأ ينفذ”.
وقد تم توضيح العلاقة بين اليأس ونمو نزعات العنف في المجتمعات على يد “بريان كروزوير” مؤلف كتاب “الثائرون”، وهو محرر نشرة دراسات الصراع التي صدرت لأكثر من ثلاثين عاماً في النصف الثاني من القرن العشرين. فهو يؤكد أن أهم عامل يساعد على نمو نزعات العنف في المجتمعات هو اليأس والإحباط من تحقيق التغيير بالوسائل السلمية. فعندما تضيق الحال، وينتشر اليأس من فرص التغيير السلمي، يصبح العنف هو سيد الموقف.
والتحدي الذي تواجهه القوى الديمقراطية الأردنية هو البحث في وسائل وآليات وطرق نضالية جديدة، تحافظ على سلمية الحركة الشعبية، وتمنع المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم من جر الأردن إلى العنف والفوضى. فالملك المستبد الفاسد مفتون بقدرة بشار الأسد على جر سوريا للعنف لضرب قوى التغيير، واجهاض مشروع التحرر الديمقراطي فيها. وقد نقل عنه قوله في بدايات الحراك بأن “الوسائل العسكرية تبقى قادرة على حل المشكلة”. وهذا بالمناسبة هو موقف الملك جورج الثالث واستجابته لدعوات الحل السلمي في مستعمرات العالم الجديد قبل إعلان الاستقلال وبدء الثورة الأمريكية.
يؤدي اليأس الناتج عن ارتفاع الكلفة وانخفاض العائدات، لاستسلام البعض، ولكنه سيدفع آخرين للعنف. والحل هو أن يتم ابداع وسائل نضالية جديدة، تعطل أدوات القمع الراهنة التي يعتمد عليها المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، وأيضاً تضعفه شعبياً (محلياً) وتعريه وتكشف كذبه وفساده دوليا.
الوسائل الجديدة المطلوبة، يجب أن تحافظ على السلمية، وأن يتم تبنيها مع التأكيد على رفض العنف وكافة مبرراته أياً ما كانت. التغير هو بالتخلي عن “فرضية أن هناك طرف في المجموعة الحاكمة لديه عقل واخلاق”. وهي الفرضية التي تشترك بها كل الاعمال الاحتجاجية. فالوسائل الجديدة سوف تتخلى عن هدف تحقيق نتائج إصلاحية مباشرة، وتستبدله بهدف آخر: اضعاف المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، وتقوية الحركة الشعبية الديمقراطية.
أخيراً، هذه العجالة ليس من شأنها أن تقدم شرحاً للوسائل والأدوات النضالية الجديدة، ولكنها تدعوا للبحث عنها وتطويرها. فمع تخلي المستبد الفاسد عن كونه جزءاً من الحل، وانحيازه الأرعن لقوى الفساد، وتطاوله على الدستور وعلى القواعد الدستورية في ممارسة السلطة، أصبح أكثر ضعفاً، وأسهل أن يستهدف، وانكشفت نقاط ضعفه. والمطلوب حماية الشعب والدولة من “مستبد فاسد مرعوب مدجج بالقوة”، وذلك بالتمسك بالوسائل السلمية للنضال، ومنعه من تخريب البلد وجره للعنف والفوضى.
2023-08-09