تشيلي – صناديق الإقتراع تُشَرْعِنُ عودة الدّكتاتورية !
الطاهر المعز*
القسم الأول
عندما يُدير اليسار الرأسمالية يتولى اليمين المتطرف السلطة
أسفرت انتخابات يوم الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 عن فوز مرشح اليمين المتطرف خوسيه أنطونيو كاست بالرئاسة بنسبة تقارب 58% من الأصوات. وحصلت مرشحة اليسار جانيت خارا على أقل من 42% من الأصوات، وهذه هي المرة الأولى منذ انتهاء دكتاتورية الجنرال أوغستو بينوشيه قبل 35 عامًا التي يعود فيها اليمين المتطرف إلى السلطة في البلاد، مما يُعيد إحياء جذوة الفاشية في بلد لا يزال يعاني من آثار عقود من الديكتاتورية. برز الرئيس القادم لتشيلي لأول مرة عام 1988 من خلال حملته الانتخابية لإبقاء أوغوستو بينوشيه، الحاكم العسكري اليميني المتطرف ذي التوجهات الليبرالية المتطرفة والذي نفذ انقلابا دَمَوِيًّا ضد الرئيس المنتخب “سلفادور أليندي”، وأدّى الإنقلاب إلى قتل ما لا يقل عن 3200 خلال الإنقلاب، وعشرات الآلاف فيما بعد، واختطاف واختفاء حوالي ثلاثين ألف بين سنَتَيْ 1973 و1990.
كان والد خوسيه أنطونيو كاست ( ألماني هاجر مع زوجته إلى تشيلي بعد الحرب العالمية الثانية) ضابطًا في جيش ألمانيا النازية وعضوا في الحزب النازي وكان ميغيل كاست ( شقيق خوسيه كاست)، المدير السابق للبنك المركزي الوطني في عهد بينوشيه، ولعبت عائلة كاست دوراً بارزاً في فظائع فترة الدّكتاتورية العسكرية البينوشيتية، ولذا يمثل انتخاب خوسيه أنطونيو كاست عودة اليمين المتطرف إلى السلطة، عبر صناديق الاقتراع، وفي إطار نظام التصويت الإلزامي الجديد، بعد 35 عاماً من نهاية الديكتاتورية، غير إن الدّستور لم يتغير، وبقي دستور بينوشيه ساري المفعول، وتفوق كاست في جميع مناطق البلاد على جانيت خارا، مرشحة الائتلاف التقدمي الواسع، وهي نفسها عضوة في الحزب الشيوعي التشيلي ووزيرة العمل السابقة في حكومة غابرييل بوريك (يسار مائع، أو ما يُسمى “يسار الوسط”)، وبمجرد إعلان نتائج انتخابات ليلة الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، تجمع مناضلو اليمين المتطرف ورفعوا صُوَر كبيرة للجنرال بينوشيه، وفق وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس أ.ف.ب. 14/12/2025)…
ركّزت الحملة الإنتخابية للرئيس الفائز على الأمن وكراهية الأجانب ومعاداة الشيوعية، وكراهية النساء اللاّتي تم تحميلهن، إلى جانب المهاجرين والشعوب الأصلية مسؤولية جميع مشاكل البلاد، ودعمت وسائل الإعلام الكبرى – التي بقيت مملوكة للكنيسة واليمين “المُحافظ” جدًّا – منذ عقود عديدة (قبل الإنقلاب العسكري سنة 1973) حملة كاست الذي لا يتردّد في التعبير عن إعجابه بالجنرال الدّكتاتور “أوغوسنو بينوشيه”، والتركيز على أجندة قَمْعِيّة ورجعية متطرفة تخدم الفئات الأكثر ثراء في تشيلي…
تمحورت مطالب انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 حول الكرامة والحقوق الاجتماعية وإنهاء النموذج الاقتصادي الليبرالي المًَوْرُوث من فترة حكم الدّكتاتورية العسكرية بزعامة الجنرال أوغوستو بينوشيه، وأدّت الهبّة الشعبية الواسعة إلى فوز الجبهة العريضة بقيادة غابرييل بوريك بالرئاسة عام 2021، وكان بوريك خطيبًا في الجامعة، لكنه لم يكن مناضلا في الحركة الشعبية، ولم تتمكن انتفاضة 2019 من إسقاط حكومة الرئيس سيباستيان بينيرا (اليمينية ذات العلاقات المتشابكة مع أنصار الدكتاتورية العسكرية) أو إحداث تغيير جذري في العلاقات الطبقية، لكنها أتاحت فوز الإئتلاف الواسع بقيادة غابرييل بوريك بالرئاسة عام 2021، وتضمن برنامج الإئتلاف ميثاق “السلام الاجتماعي والدستور الجديد”، الذي مثل وفاقًا مع البرجوازية التي كانت تخشى تجذُّر القوى التي نشطت خلال أحداث تشرين الأول/اكتوبر 2019، غير إن ائتلاف اليسار الإصلاحي الفائز في الإنتخابات الرئاسية كان يفتقر إلى أغلبية برلمانية، كما كان يفتقر إلى جذور عميقة في الحركة الاجتماعية، مما يفسّر الهزيمة الساحقة في الاستفتاء الدستوري سنة 2022، وتقاسم الإئتلافُ السّلطةَ مع “الليبراليين الاجتماعيين” فكانت الإصلاحات محدودة، وأهمها تحديد أسبوع العمل بأربعين ساعة أسبوعيا، ورفع الحد الأدنى للأجور، وبعض قوانين حقوق المرأة، ولم يتمكن الإئتلاف من إصلاح أنظمة التقاعد والضرائب رغم تقديم تنازلات كبيرة لأرباب العمل واليمين، وأدّت بعض الممارسات القمعية لحكومة “يسار الوسط” وأجندتها الأمنية، وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة (الشراكة عبر المحيط الهادئ)، وفرض حالة الطوارئ في أراضي المابوتشي ( السّكّان الأصليين)، إلى القطيعةً مع الوعود التّقدّمية للحملة الانتخابية، ووضع حدّ للدّعم القليل الذي كانت الحكومة تحظى به في الحركة الإجتماعية التي أطلقت انتفاضة 2019، لأن حكومة “يسار الوسط” ( رغم مشاركة الحزب الشيوعي في الحكومة) لم تتمكن من تلبية المطالب الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للإنتفاضة، وظلت الهياكل الأساسية للرأسمالية التشيلية على حالها، واستمرت الصعوبات التي يعاني منها الملايين جراء خصخصة الخدمات العامة وانعدام الأمن الوظيفي وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة الاجتماعية واتساع الفَجْوة الطّبقية…
استفاد اليمين المتطرف بزعامة خوسيه أنطونيو كاست من إحباط الفئات الشعبية، واستخدم الخطاب والبرنامج التّقليدي لليمين المتطرف حيثما كان، والتركيز على “القانون والنظام” والخوف من انتشار الجريمة والعداء تجاه المهاجرين الذين يتم تحميلهم وِزْرَ البطالة والفقر والبؤس، ولم يُخْفِ كاست أبدًا هويته السياسية وتعاطفه مع الديكتاتورية مع كَيْل المديح للجنرال أوغوستو بينوشيه، ودافع علنا عن إرث الدّتاتورية، و خفف من جرائمها، وتحدث بإيجابية عن أوغستو بينوشيه نفسه. في حين خفف من خطابه خلال الحملة الانتخابية، وصرّح خلال الحملة الإنتخابية بأنه لن يتنكّرَ لجذوره الأيديولوجية فهو يتبنّى الدّفاع عن النظام الإقتصادي الرأسمالي الليبرالي السّائد، ويؤمن بأولوية السلطة على الحقوق ولأولوية القمع على الإصلاح الاجتماعي، واستفاد من فشل حكومة “يسار الوسط” في توسيع قاعدتها الإجتماعية، ومن خيبة أمل الفئات الشعبية من الحكومات التي أطلقت على نفسها اسم اليسار مع اقتصارها على إدارة الإقتصاد الرأسمالي، دون مواجهته أو تغييره، أو حتى إصلاحه، فلم تتحسّن الظروف المعيشية ولم تتحقق مطالب انتفاضة 2019، ومن المعروف إن اليمين المتطرف يستغل إحباط الفئات الهشّة ويستغل الأزمات الإقتصادية والإجتماعية للفوز في الإنتخابات ثم يُعزّز الإستغلال والقمع والإستبداد…
استمرت الديكتاتورية في الهيمنة على المشهد السياسي في تشيلي، حيث تم الحفاظ على قاعدة دعم لبينوشيه على مدى عقود، ولا تزال هذه القاعدة تؤثر على الموازين الانتخابية، ونشرت صحيفة “البايس” الإسبانية يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 نتائج استطلاع رأي وأظْهر الإستطلاع إن 30% من المشاركين يعتقدون أن أوغستو بينوشيه كان أحد أفضل قادة البلاد، ويأمل 32% إن تشيلي سوف تستعيد مكانتها في العالم إذا سار السياسيون المحليون على خطاه، ولذا فلا غرابة أن يتم انتخاب خوسيه أنطونيو كاست الذي صوّت سنة 1988 لصالح إبقاء بينوشيه في السلطة خلال الاستفتاء التاريخي الذي أنهى الديكتاتورية، حينها، طُلب من التشيليين التصويت بـ”نعم” أو “لا” على تمديد ولاية الجنرال لثماني سنوات أخرى، وكان كاست مناضلا سياسيا، منذ ثمانينيات القرن العشرين في حركة “غريميال” التي أسسها خايمي غوزمان، المنظر الأيديولوجي للنظام العسكري والمهندس الرئيسي لدستور بينوشيه لسنة 1980، الذي لا يزال ساري المفعول حتى اليوم، ولكاست صلات أخرى مباشر بالدكتاتورية العسكرية، من خلال شقيقه الأكبر، ميغيل كاست، وهو من الشخصيات البارزة في مدرسة “فتيان شيكاغو” (مجموعة من الاقتصاديين من سبعينيات القرن العشرين عملوا لصالح النظام الليبرالي القائم) قبل أن يصبح وزيرًا للعمل في عهد بينوشيه ويرأس المصرف المركزي، كما زار خوسيه أنطونيو كاست العديد من زعماء الدّكتاتورية السابقين في السجون، والذين أدينوا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بمن فيهم ميغيل كراسنوف، ذلك الجلاد سيئ السمعة الذي حُكم عليه بالسجن لأكثر من ألف عام، وهو من القلائل الذين تمت متابعتهم وإدانتهم، وخلال حملاته الرئاسية، حاول خوسيه أنطونيو كاست تخفيف حدة خطابه، ولم يُقرّ، إلا بشكل متردد، سنة 2021، بالطبيعة “الاستبدادية” للنظام العسكري.
يتجلى إرث بينوشيه اليوم بطريقة خفية، إذ لا يحتاج خوسيه أنطونيو كاست إلى ذكر بينوشيه، فصورته ورموزه وخطابه تشير ضمنيًا إلى تلك الحقبة، المتجذرة بعمق في المخيلة التشيلية، وهو يجسد صورة الرجل الأبيض الأبوي المطمئن، المفترض أن يضمن فَرْض الأمن والنظام واستقرار السلطة، حيث توجد في تشيلي قاعدة شعبية لا تزال تُكنّ لبينوشيه هالةً من المثالية، فضلا عن فشل اليسار المائع ( وسط اليسار) في تغيير الوضع وهو لن يستطيع ذلك ما دام يطبق دستور بينوشيه، فكانت خيبة الأمل من حكومة الرئيس غابرييل بوريك، الذي انتُخب لإصلاح البلاد ولكنه لم يُنفّذ الوُعُود التي أعلنها إثر الأزمة الاجتماعية العنيفة التي شهدها عام 2019 فخلّفت فترة رئاسته مرارة في نفوس مؤيديه الذين فقدوا ثقتهم في اليسار عمومًا، أما كاست فلم يُخْفِ نواياه بل أعلن برنامجه تنفيذ عمليات ترحيل جماعية للمهاجرين وعسكرة الحدود وإنشاء سجون جديدة، وأعلن عن مشروع ليبرالي متطرف يهدف إلى تقليص دور الدولة بشكلٍ جذريٍ،ّ يتضمن خفض الميزانية بمقدار ستة مليارات دولار خلال ثمانية عشر شهرًا، وتقليل التدخل الحكومي وتعزيز دور السوق، وخصخصة ما تبقى من القطاع العام وإلغاء القيود (قوانين العمل والتقاعد والحماية الإجتماعية…) وخفض الإنفاق العام، مُستلهما من مدرسة “أبناء شيكاغو” التي ينتمي لها أخوه ضمن مجموعة من مهندسي التحول النيوليبرالي في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ويدّعي كاست إن برنامجه سوف يحقق الاستقرار الاقتصادي، لكنه لن يخلف سوى الفقر وانعدام الأمن الوظيفي، وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وبذلك يمثل فوز خوسيه أنطونيو كاست عودة الدكتاتورية “البينوشيتية” (نسبة إلى الجنرال اوغوستو بينوشيه) إلى السلطة من خلال الانتخابات، لتعيد بناء الليبرالية الجديدة والاستبداد الأخلاقي ومعاداة الشيوعية كرد فعل على الأزمة.
يتبع
2026-01-16