تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سُمّي عالما (8)!
د. عمر ظاهر.
نواصل هنا تقديم نماذج من أمثلة داروين، وتشبيهاته ومقارناته. لقد تعاملنا مع كتاب داروين “في أصل الأنواع” في البداية بالاحترام الذي يوجبه أي بحث أو باحث نفترض أنهما جادان. لكن بعد قطع شوط في دراسة الكتاب تبين لنا أننا نقف إزاء عمل لا يمكن تسميته بالبحث العلمي دون وخز في الضمير. ومن هنا فإن إطلاقنا على داروين تسميات مثل “جاهل” تسوغه، بل توجبه مبررات لا حصر لها يقدمها الكتاب، ونحن نوثقها. داروين أكثر من مجرد شخص جاهل. إنه شاهد زور آثم.
أمثلة من الآخرين
كما سبق أن ذكرنا، فإن أمثلة داروين لا تأتي من أبحاثه التي يشاع، زورا وبهتانا، أنها تواصلت لأكثر من عشرين سنة بالارتباط برحلة السفينة بيغل إلى جزر غالاباغوس، بل تأتي في جلها من قراءته لأبحاث الآخرين. يقول مثلا:
وكما علق الأستاذ أوين Professor Owen، فإنه لا توجد ظاهرة أكثر شذوذا في الطبيعة من أحد الطيور الذي لا يستطيع أن يطير، ومع ذلك فإنه يوجد العديد من الطيور التي في هذه الحالة. فإن البط ذا الرأس الضخم الخاص بجنوب أمريكا يستطيع أن يرفرف فقط فوق سطح الماء، وما لديه من الأجنحة هي تقريبا على نفس الحالة الموجودة لدى البط الداجن الموجود في مقاطعة “أيلسبري” Aylesbury، وإنها لحقيقة جديرة بالملاحظة، اعتمادا على ما قاله السيد كاننجهام Cunningham، إن الطيور اليافعة تستطيع أن تطير، بينما الطيور البالغة هي التي فقدت هذه المقدرة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 232/233)
نحن نعرض فقط نماذج من الأمثلة، ولا نتوقف طويلا مع فحوى كل الاقتباسات، والتي يناقض داروين في بعضها نفسه، هنا مثلا في جدية مبدأ الاستخدام/عدم الاستخدام، فها هو بنفسه يقتبس من البروفيسور أوين والسيد كاننجهام أن هناك طيورا تطير (أي تستخدم أجنحتها) وهي يافعة، ثم تفقد القدرة على الطيران عندما تصبح بالغة، فعظام الأجنحة التي يفترض أنها قويت مع الطيران – كما اكتشف داروين في مقارنته أجنحة البط الوحشي وسيقانه مع تلك التي للبط الداجن، لم تنفع بشيء. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 67)
واقتبسنا في المقالة السابقة، على سبيل المثال لا الحصر، من الصفحات (232 – 239) في كتابه أمثلته من كيربي Kirby، والسيد ولاستون Mr. Wollaston، وسبانيارد Spaniard، والبروفيسور سيليمان Professor Silliman، وشيودت Schiodte، والبروفيسور دانا Professor Dana، والعالم براون-سيكوارد Brown Sequard، وغيرهم.
واقتبسنا سابقا أيضا ذكرا عن بعض الخبراء:
وكما تم التعليق بواسطة بعض الخبراء، الأجزاء المتشاكلة، تميل إلى الترابط مع بعضها، ونحن نرى هذا كثيرا في النباتات الشاذة: ولا يوجد شيء أكثر شيوعا من الاتحاد بين الأجزاء المتشاكلة في التركيبات العادية، كما يوجد في اتحاد التويجات لتكوين أنبوبة.” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 244)
وأيضا سماعه من الدكتور ميريل أنه وجد في إحدى المرات:
… ولكني سمعت مؤخرا من الدكتور ميريل Dr. Merrell من إيوا Iowa، أنه قد وجد في إحدى المرات في ولاية إلينوي Illinois، أحد صغار الوقواق مع أحد صغار طائر القيق في عش طائر القيق الأزرق، وبما أن كليهما كان مكتمل الريش، لذا لم يكن هناك أي احتمال للخطأ في التعرف عليهما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 406)
هذا هو دأب داروين، إنه يستخدم أبحاث الآخرين لدعم آرائه السقيمة، ويضرب أحيانا أمثلة من أبحاث الآخرين، ويضيف اختلاقات من عنده. ويستخدم حالة مفردة سمعها كدليل قطعي. انظر كم هو يجيد التخيل حتى أنه يفسر كلام من يقتبس من أبحاثهم باحتمالات يختلقها بنفسه، إذ هم لم يقولوها:
ولكن الدكتور جونثر قد أوضح مؤخرا أن سمك الجالاكسي الهزيل يستوطن تاسمانيا، ونيوزيلاندا وجزر الفولكلاند Folkland، والأرض القارية الخاصة بأمريكا الجنوبية. وهذه حالة مدهشة، ومن المحتمل أنها تشير إلى انتشار من مركز في المنطقة القطبية الجنوبية في أثناء مرحلة دافئة سابقة. وبالرغم من ذلك، فإن هذه الحالة تصبح أقل إثارة للدهشة بعض الشيء، عن طريق أن الأنواع التابعة لهذه الطبقة لديها القدرة على قطع مسافات شاسعة من المحيط المفتوح، بواسطة بعض الوسائل غير المعلومة: وبهذا الشكل فإن هناك أحد الأنواع الشائعة في كل من نيوزيلندا وفي جزر أوكلاند، مع أنهما منفصلان عن بعضهما بمسافة تربو على 230 ميلا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 628/629)
الدكتور جونثر سجل فقط أن سمك الجالاكسي يوجد في تاسمانيا، ونيوزيلاندا (وهي على جانب من المحيط الهادي) وفي جزر الفولكلاند، والأرض القارية لأمريكا الجنوبية (وهي على الجانب الآخر من المحيط الهادي) – مناطق بينها مسافات مائية شاسعة. ولم يفسر كيف. ترك ذلك لداروين ليفسره بأنه من المحتمل أنه كان هناك في سالف الزمان مركز انتشار في المنطقة القطبية الجنوبية في أثناء مرحلة دافئة سابقة، أو أنها كانت لديها القدرة على قطع مسافات شاسعة من المحيط المفتوح، بواسطة بعض الوسائل غير المعلومة! ويمكن لمن يقرأ هذا أن يسأل: أنت تريد تفسير ما لم يفسره الباحث، لكن هذا التفسير فاسد لأنه قائم على احتمال، ويستند على اقتراح وسائل غير معلومة؟ لماذا تقترحها إن لم تكن تعلمها؟
هذا، كما يقال، غيض من فيض النماذج من الأمثلة التي يأخذها داروين من الآخرين ويبني عليها أفكاره عن التطور. إنه لم يثبت شيئا مما ادعاه على الإطلاق، لأنه لم يكن عالما وباحثا، بل قام بما يمكن أن يقوم به أي فيلسوف، ولم يفعل ذلك كفيلسوف لامع.
كلام عام دون إعطاء مثال واحد
يبدأ داروين الباب الأول من كتابه بقوله:
عندما نعقد مقارنة بين الأفراد التابعين لنفس الضرب، أو فرع من الضرب من النباتات والحيوانات التي تعهدناها منذ قديم الأزل، فإن إحدى النقاط الأولى التي صدمتنا هي أنها تختلف على وجه العموم عن بعضها بعضا بشكل أكبر، عن الاختلاف الموجود بين الأفراد التابعة لأي نوع أو ضرب ما موجود في البيئة الطبيعية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 62)
ماذا يقارن الرجل هنا؟ بين الأفراد التابعين لنفس الضرب أو فرع من الضرب من الحيوانات والنباتات التي في عهدتنا؟ أم بين الأفراد التابعة لنوع أو ضرب في الطبيعة؟ أم بين تلك التي في عهدتنا وبين تلك التي في الطبيعة؟ لماذا لا يعطينا مثالا عن الضرب وآخر عن فرع الضرب من التي بعهدتنا، ومثالا عن النوع والضرب في الطبيعة؟ لماذا يذكر في الحالة الأولى فقط ضرب أو فرع من ضرب، وفي الثانية نوع وضرب”؟ وكيف يقارن بين ضرب أو فرع من ضرب من جهة وبين نوع أو ضرب من جهة أخرى؟ إنه كلام أشبه ما يكون بالطلسم لا يمكن أن يُفهم دون إعطاء أمثلة. لكننا سنعرف لاحقا أن داروين لم يعط أمثلة هنا لأنه ليس عنده تعريف محدد لمصطلحي “نوع” و”ضرب”. يقول لاحقا:
ولسوف نرى من هذه الملاحظات أنني أنظر إلى مصطلح “نوع” على أساس أنه مصطلح قد تم إطلاقه بشكل اعتباطي، وذلك ابتغاء لراحة البال، على مجموعة من الأفراد تشابه بعضها البعض بشدة، وأنه لا يختلف بشكل أساس عن مصطلح “ضرب”، الذي قد أطلق على أشكال أقل تباينا وأكثر تقلبا. ومرة أخرى، فمصطلح “ضرب” بالمقارنة مع مجرد الاختلافات الفردية، هو أيضا ينطبق بشكل اعتباطي، وذلك بغرض إراحة البال. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 125)
كذلك نجد أن داروين يطلق أحكاما كبيرة مثل التالية:
أي تغيير في التركيب أو الوظيفة، الذي كان من الممكن أن يحدث عن طريق مراحل صغيرة، يقع في نطاق القدرة الخاصة بالانتقاء الطبيعي، وبهذا الشكل فإن العضو الجسدي الذي يتم تغييره، من خلال السلوكيات الحياتية التي تغيرت، إلى عضو بدون فائدة أو ضار لأحد الأغراض، من المحتمل أن يتم تعديله وأن يتم استخدامه من أجل غرض آخر. ومن الممكن أيضا الاحتفاظ بعضو جسدي من أجل وظيفة واحدة فقط من وظائفه السابقة. والأعضاء الجسدية التي قد تم تكوينها في الأصل عن طريق مساعدة الانتقاء الطبيعي، عندما تصبح عديمة الفائدة، من الممكن جدا أن تصبح قابلة للتمايز، وذلك لأنه يصبح من غير المستطاع بعد ذلك كبح جماح تميزاتها عن طريق الانتقاء الطبيعي. وكل ذلك يتفق بشكل حسن مع ما نراه تحت التأثير الخاص بالطبيعة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 729)
هذا الكلام يحتاج أيضا إلى أمثلة كي يفهمها القارئ، لكن داروين يحجم عن إعطاء ولو مثال واحد. لماذا؟ لأنه على ما يبدو يخشى إعطاء الأمثلة التي قد تقيده، أو أنه ليس لديه أمثلة، أو أنه لا يرى التعقيد في كلامه.
أمثلة لتقريب الأفكار من ذهن القارئ
داروين يقارن التطور في الطبيعة تارة بما يصنع الإنسان، وتارة باللغة ولهجاتها، وأخرى بالتدجين. هذه التشبيهات
والمقارنات توقعه في مآزق كثيرة. إنه يقارن، مثلا، بين عين الإنسان وبين المقراب، التلسكوب، قائلا:
إنه من النادر إمكان تجنب مقارنة العين بالمقراب. فنحن نعلم أن هذه الآلة قد تم تطويرها إلى هذا الحد من الكمال عن طريق جهود طويلة متواصلة من أعلى العقول البشرية ذكاء، ونحن نشير بالطبع إلى أن العين قد تم تكوينها عن طريق عملية مماثلة إلى حد ما. ولكن هل من الممكن ألا يكون هذا التلميح تصريحا جزئيا؟ – وهل نحن نملك الحق في أن نفترض أن الخالق يعمل بمثل هذه القوى الفكرية الخاصة بالإنسان؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 298)
كيف يمكن أن تفوت العالم الفذ أنه يرجع الفضل في تطوير التلسكوب إلى جهود طويلة ومتواصلة من أعلى العقول البشرية ذكاءً، ويرجع الفضل في تكوين العين إلى شيء هلامي ليس أكثر من عبارة مجازية، الانتقاء الطبيعي؟ ثم يتساءل مستغبيا القارئ: وهل نحن نملك الحق في أن نفترض أن الخالق يعمل بمثل هذه القوى الفكرية الخاصة بالإنسان؟ هذا مع أن المقارنة يُفهم منها أن حالة تطور العين تتطلب عقلا وذكاء، على الأقل على مستوى العقل والذكاء الذي يتطلبه تطوير التلسكوب. هل الانتقاء الطبيعي له عقل؟ أهو ذكي؟ وإذا لم يكن لنا الحق في أن نفترض أن الخالق يعمل بمثل هذه القوى الفكرية للإنسان، فهل يحق لداروين أن يفترض أن الانتقاء الطبيعي يعمل بمثل هذه القوى الفكرية للإنسان؟
داروين يعنف علماء التاريخ الطبيعي، صارخا:
أفلا ينبغي لهؤلاء العلماء في التاريخ الطبيعي الذين لا علم لهم بقوانين الوراثة أكثر من علم المربين العاديين، ولا علم لهم بأي شيء عن حلقات الوصل الوسيطة في سلاسل النشوء الطويلة، أن يعترفوا بأن الكثير من أعراقنا الداجنة قد انحدر من نفس الأصول الأبوية. أفلا ينبغي لهم أن يتعلموا درسا في توخي الحذر عندما يسخروا من فكرة أن الأنواع الطبيعية ما هي إلا الذراري المباشرة لأنواع أخرى؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 90)
يعنفهم على جهلهم بقوانين الوراثة مع أنه كان قد اعترف بنفسه سابقا أن هذا الجهل يشمله هو أيضا:
القوانين التي تتحكم في الوراثة هي في معظمها مجهولة. ولا يوجد أحد يستطيع أن يفسر لنا لماذا في بعض الأحيان يجري توارث نفس الخاصية في أفراد مختلفين من التابعين لنفس النوع، أو في أنواع مختلفة، وفي بعض الأحيان لا يحدث ذلك، ولماذا يعود الطفل في بعض الصفات إلى جده أو جدته، أو إلى بعض أسلافه الأكثر قدما، ولماذا تنتقل خاصية معينة من نوع جنسي واحد (مذكرا كان أو مؤنثا) إلى كل من الجنسين، أو لجنس واحد منهما فقط، هو في معظم الحالات، ولكن ليس بصفة مطلقة إلى الجنس المماثل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 70/71)
أما بشأن حلقات الوصل الوسيطة، أفليس هو القائل في آخر كتابه:
وهؤلاء الذين يؤمنون بأن السجل الجيولوجي كامل بأي درجة من الدرجات، سوف يقومون بدون أي شك برفض النظرية على الفور. أما من جانبي، واتباعا لكتابة لايل، فإني قد نظرت إلى السجل الجيولوجي على أساس أنه تاريخ للعالم تمت المحافظة عليه بشكل غير كامل، وتمت كتابته بلهجة متغيرة، ونحن نمتلك من هذا التاريخ الجزء الأخير فقط، وهو متعلق باثنين أو ثلاثة من الأقطار. ومن هذا الكتاب، فقد تم الحفاظ فقط على باب قصير هنا وهناك، ومن كل صفحة، تم الحفاظ فقط على بعض الأسطر هنا وهناك. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 536)
فما الذي يعرفه أكثر من الآخرين؟
ويعود بعد قليل ليقول:
ويبدو أن هذه الآراء تفسر ما قد تم ملاحظته في بعض الأحيان، ألا وهو، أننا بالكاد نعرف أي شيء عن الأصل أو التاريخ الخاص بأي من سلالاتنا الداجنة. ولكن في الحقيقة فإن السلالة هي مثل لهجة في إحدى اللغات، ومن الصعب أن توصف بأن لها أصل منفصل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 102)
لاحظ عبارة “ما قد تم ملاحظته حتى الآن”. من لاحظ ذلك؟ ربما علماء التاريخ الطبيعي الذين عنفهم لجهلهم بقوانين الوراثة. على أية حال، فإن ملاحظتهم ليست صحيحة، ليس فقط لأن داروين قام بدراسة الحمام الداجن واكتشف أن كل أنواع الحمام الداجن في كل العالم ترجع إلى أبوين مشتركين، وأنه يمكنه تعميم الاكتشاف على كل الكائنات الحية في الطبيعة. إن ذلك ليس صحيحا أيضا لأن داروين وجد الآن دليلا جديدا على ما يقول. ما هو؟ التشابه، تشابه السلالات مع لهجات اللغات. داروين يظن أن التشبيهات والمقارنات يمكن أن تكون أدلة ملموسة، مثلا، على تتبع التعديلات التي تحصل على الكائنات وتؤدي إلى ظهور سلالات، أو أنواع جديدة منها. يقول إنه مثلما هو من الصعب أن توصف تلك اللهجات بأنها ليست من أصل واحد، فإن من الصعب أيضا أن نرى أن النباتات، ليست من أصل مشترك واحد، وأن الحيوانات ليست من أصل واحد.
التشبيه والمقارنة، تماما مثل ضرب الأمثلة، لهما في التواصل بين البشر وظيفة مهمة، ألا وهي محاولة تقريب فكرة غامضة إلى ذهن القارئ. أما أن يُتخذ منهما إثباتا في سياق علمي فأمر مرفوض، وذلك لأن التشبيه يمكن أن يكون اعتباطيا، وإن كان مفيدا للتوضيح. وكذلك المقارنة. ليست هناك علاقة تشابه بين سلالات الكائنات الحية وبين لهجات اللغات بحيث نستنتج في إحداهما شيئا على أساس ما نجده في الأخرى. إن كلا منهما عالم منفصل عن الآخر، ويمكن لداروين أن يعتبر التشابهات العرضية بينهما كعلاقة “مجازية” – أسوة بمصطلح الانتقاء الطبيعي، وليس كدليل على شيء. إن اعتماد هذا التشبيه كدليل يشرعن أيضا تشبيه الأنواع المختلفة باللغات نفسها، وليس بلهجاتها، والافتراض بأنها تعود إلى أصل مشترك. لكنْ لأن داروين جاهل بأصول التشبيه ووظيفته، فإنه يتخبط في تشبيهاته العشوائية. ولو أصر داروين على وجود نظام عام في عشوائيته فإنه سيقع في ورطة، فنحن نعرف بشكل قطعي أنه يمكن جمع لغات عديدة في عائلة لغوية واحدة، لكن لا دليل على أن اللغات كلها تشترك في أصل واحد، وهو ما يريد داروين، في آخر المطاف، الوصول إليه بخصوص انحدار سلالات وأنواع حية مختلفة عن أبوين مشتركين.
هناك نظريات مختلفة عن نشوء اللغة، وعن أصل اللغات. إنها نظريات تحاول بطريقة علمية، ولم تقطع بشيء بعد، مع أن عدد اللغات في العالم لا تتجاوز الستة آلاف لغة، وعمر اللغات تقاس في أكبر التقديرات ببضع عشرات من آلاف السنين؛ بينما عدد أنواع الكائنات الحية يبلغ عشرات الملايين، وعمر الحياة والكائنات الحية، كما يقول العلماء، مئات الملايين من السنين. علماء اللغة واقعيون، ويعترفون بحدود معرفتهم، لذلك فإن البحث في أصل اللغات لا يتوقف، بينما داروين الجاهل جهلا كارثيا يدعي أن نظريته هي مسك الختام في الحديث عن “التطور” في الطبيعة.
إن إثبات كون لهجات معينة تعود في الأصل إلى لغة واحدة معينة ممكن بأدلة قاطعة، فاللهجات واللغات تقع ضمن ما هو معروف معرفة بينة للإنسان، وفي إطار التاريخ الذي في متناولنا. والأمر ليس كذلك بالنسبة لسلالات الكائنات الحية. إننا نعرف معرفة لا لبس فيها أن العربية الفصحى نشأت عنها خلال الأربعة عشر قرنا الماضية لهجات محلية عديدة في المناطق الجغرافية والثقافية التي انتشرت فيها. ونعرف أيضا أن اللغة العربية التي نسميها “الفصحى” وهي التي كانت تنطق بها قبيلة قريش، كانت في حينها واحدة من (لهجات) عديدة في الجزيرة العربية. هذه معرفة ملموسة لمس اليد – لم نبتعد عن وقائعها ملايين السنين. لكننا إذا تخطينا المعرفة الملموسة إلى تخمين العلاقات بين لغة وأخرى، مثلا كون إحداها لهجة من الأخرى، على أسس نظرية، كوجود مفردات مشتركة، فإننا سنقع في إشكالات حتى ضمن التاريخ المتاح لنا دراسته. خذ مثلا الفارسية والتركية. إن كلا منهما تحوي كما هائلا من المفردات العربية، فهل هما لهجتان من العربية؟ لا نستطيع أن نستنتج مثل هذه العلاقة على هذا الأساس. إن هذه الظاهرة تفسرها التداخلات الثقافية والسياسية والاجتماعية والجغرافية. وهي ظاهرة منتشرة في كثير من مناطق الأرض، فاللغات تؤثر بعضها ببعض. أما أن نتخذ العلاقات بين اللهجات واللغات كأساس لتفسير سلالات الكائنات الحية في الطبيعة فهراء دارويني مضحك. إنه سيستنتج بهذا المنطق أنه طالما أن الكلب له عينان، والفيل له عينان، والسمكة لها عينان فإنها جميعا تنحدر من أصل مشترك باعتبار العينين مثل المفردات اللغوية في لهجات معينة تدل على أصل مشترك!
إن التشبيه يتحول عند داروين من مجرد وسيلة للتوضيح، إلى أساس للإثبات، فكما تترك اللغة آثارها على اللهجات التي تتفرع عنها، مثلا على شكل مفردات وقواعد، فإن النوع الواحد من الكائنات، والقول لداروين، سيترك في كائنات، أو ضروب، انحدرت منه آثارا تدل على الانتساب إليه، الأعضاء أو السلوكيات، فكما رأينا أن داروين اعتبر فتح الحوت فمه لاصطياد الحشرات يثبت أن أصله دب لأن الدب أيضا يفعل ذلك. إن تشبيه السلالات بلهجات لغة ما وسيلة مضللة، وتكشف عن نزعة إلى التلاعب بالعقول.
دعنا نتعمق في محاولة داروين إثبات ترابط الكائنات الحية بعضها ببعض على شكل شجرة لها أصل وفروع، فقد خابت محاولته في إثبات ذلك عن طريق العثور على مستحاثات في طبقات الأرض. يقول داروين:
وقد يكون من المفيد توضيح هذه الوجهة من النظر الخاصة بالتصنيف، وذلك عن طريق تناول الحالة الخاصة باللغات. فإنه إذا كانت لدينا شجرة نسب كاملة الصنف البشري، فإن الترتيب العرقي الخاص بأعراق الإنسان من شأنه أن يقدم أفضل تصنيف خاص باللغات العديدة المختلفة التي نتكلمها حاليا في أرجاء العالم، وإذا كان الأمر يشمل جميع اللغات المنقرضة وجميع اللهجات المتوسطة والمتغيرة بشكل بطيء، فإن مثل هذا الترتيب سوف يكون هو الترتيب الوحيد الممكن. ومع ذلك فإنه من المحتمل أن تكون هناك بعض اللغات القديمة التي قد تغيرت بشكل قليل جدا وأنها قد أدت إلى ظهور القليل من اللغات الجديدة، بينما من الممكن أن تكون اللغات الأخرى قد تغيرت بشكل كبير نتيجة للانتشار والانعزال، والحالة الخاصة بالتمدين للأعراق العديدة المختلفة المشتركة مع بعضها في النشأة، وأنها بهذا الشكل قد أدت إلى الكثير من اللهجات واللغات الجديدة، والدرجات المختلفة من الاختلاف بين اللغات الخاصة بنفس الأصل، سوف يكون من الضروري توضيحها عن طريق مجموعات تابعة لمجموعات، ولكن الترتيب الصحيح أو حتى إنه الترتيب الوحيد الممكن، ما زال من الضروري أن يكون على أساس عرقي، وهذا من شأنه أن يكون طبيعيا تماما، كما أن من شأنه أن يقوم بربط جميع اللغات مع بعضها، سواء كانت منقرضة أو حديثة، بواسطة أوثق الصلات، ومن شأنه أن يعطي الانتساب والأصل الخاص بكل لسان. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 674)
داروين الجاهل يتقمص الآن دور الخبير اللغوي أيضا، إضافة إلى اختصاصاته الأخرى.
لا يمكن المرور على الادعاءات الواردة في الاقتباس أعلاه دون قول بضع كلمات.
بإمكان علماء اللغة تتبع اللهجات التي تتفرع إليها اللغة الواحدة المعروفة، وبإمكانهم إعطاء تقارير كبيرة المصداقية لتأثر اللغات بعضها ببعض، وبإمكانهم أيضا جمع الكثير من اللغات في عوائل لغوية، طبعا بدراسة تشابه القواعد، والمفردات المشتركة، والنظر في العوامل الجغرافية، والتاريخية والثقافية المؤثرة في تطور تلك اللغات. لكن، كما أسلفنا، فإن علماء اللغات واقعيون وأمينون على الحقيقة العلمية – على عكس داروين، فهم ينظرون إلى ما تتوفر لهم من معلومات وأدلة ملموسة عن تلك اللغات. ليس هناك عالم لغة مجنون أو طوباوي، يخطر على باله أن يخمن اللغة التي كانت تنطق بها، قبل خمسة آلاف سنة، قبيلة في وسط غابات الأمازون، أو في أفريقيا الوسطى. بينما داروين يرى ذلك معقولا. لا غرابة، فهو يخمن أن الزرافة كانت في زمن سحيق في القدم ترعى فوق الحيوانات الأخرى ببوصة أو بوصتين، وأن القحط دفع هذا الحيوان إلى مد رقبته إلى الأعلى حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. ليس هناك عالم لغة يفترض أن لغة قبيلة أمازونية كانت، من المحتمل، وتخمينا على طريقة داروين، جزء من لغة غير معروفة كانت، من المحتمل، سائدة في أمريكا الجنوبية؛ وأن لغة قبيلة في أفريقيا الوسطى ربما كانت لهجة من المصرية القديمة. علم اللغات يتحرك ضمن ما يعرفه، وليس ضمن التخمين، والظن، والافتراض، وما يراه أو يعتقده داروين.
ثم إن علم اللغات يعترف بأمانة أننا لا نعرف حقيقة أصل اللغة، أو اللغات وكيفية نشوئها. ولا نعرف تفاصيل طرق التواصل بين البشر الذين كانوا يعيشون قبل عشرين، أو ثلاثين، أو مئة ألف سنة. كانوا يرسمون على جدران الكهوف، نعم. وكانوا يتواصلون فيما بينهم، نعم. ولكنهم لم يتركوا آثارا لغوية مكتوبة يمكن أن ندرسها. إن علماء اللغة لا يخطر على بالهم نسج القصص عن الماضي المجهول، والحلقات الوسطى بين اللغات، أو التدرج، على ضوء حاضرنا، كما يفعل داروين في نسج القصص والحلقات الوسطى أو الانتقالية، والانتقاء في الطبيعة. ولا يقوم علماء اللغة بالبحث عن صلات اللغات بعضها ببعض عن طريق سؤال القرويين المعمرين عن تجاربهم اللغوية كما يفعل داروين على خلفية ما يراه من انتقاء المزارعين، وأصحاب الاصطبلات، ومربيّ الكلاب لحيواناتهم، وما يقوله رعاة اصطبلات ملكة بريطانيا في الهند.
تشبيه السلالات في الطبيعة باللهجات واللغات دليل داروين على الهراء الذي ينطق به.
إننا نجد أن مسألة اللهجات، واللغات، أصبحت من بين أهم وسائل داروين لإثبات هلوساته عن أصل الأنواع، ففي رأسه هناك تماثل تام بين عالم السلالات والأنواع في الطبيعة وبين عالم اللغات. إنه يعود في خاتمة الباب الرابع عشر إلى موضوع التصنيف، وأصل اللغات، فيقول:
ومن الممكن مقارنة الأعضاء الجسدية غير المكتملة بالحروف الموجودة في إحدى الكلمات، التي ما زال يتم استبقاؤها في الهجاء، ولكنها أصبحت عديمة الجدوى في النطق، ولكنها تستخدم كمفتاح لحل اللغز الخاص بالأصل الذي أشتقت منه الكلمة. وبناء على وجهة النظر الخاصة بالنشوء مع التعديل، فإنه من الممكن لنا أن نستنتج أن التواجد الخاص بأعضاء جسدية في حالة غير مكتملة، وغير كاملة، وغير مفيدة، أو المجهضة تماما، بعيدا عن كونها تمثل صعوبة غريبة، كما تفعل بالتأكيد طبقا لعقيدة الخلق، من الممكن حتى أن تكون متوقعة طبقا لوجهات النظر التي تم شرحها في هذا المكان. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 731)
تشبيه رائع يكشف ما خفي عن داروين! تماما، كما يقول هو، ففي لغته الانجليزية، ولغات أوروبية أخرى هناك حروف موجودة في كلمات كثيرة ما زالت باقية في الهجاء، ولكنها أصبحت عديمة الجدوى في النطق، فتجد كلمة تتكون من عدة حروف لا ينطق منها غير حرفين، وتجد حرفا يلفظ بأكثر من صوت، أو صوتا يكتب بتراكيب مختلفة من الحروف (الكاتب البريطاني برناردشو تندر كثيرا عن هذه الظاهرة، مثلا يمكن أن يكتب صوت حرف الفاء في الانجليزية كالآتي: f: fish; ph: physical; gh: laugh). داروين لم يكن يعرف أن هذه علة لغته هو، بينما هناك لغات يكتب فيها كل صوت منطوق، ويُنطق كل حرف مكتوب، أي ليس فيها حروف صامتة، إلا ما ندر (مثلا في العربية عدم نطق اللام في تعريف الكلمات التي تبدأ بحروف شمسية). وهو يظن، ويخمن، ولا يستطيع أن يشك في أن الطبيعة بنيت على شبه بلغته، فلغته هي، في نظره، لغة التحضر، وتتطور مع الزمن، وربما بفضل الانتقاء الطبيعي، بينما لغات الآخرين هي لغات البدائيين الهمج. أما لمن ينطقون بلغات أخرى، فهذه الظاهرة، أي وجود ليس حرف واحد أو حرفين، بل عدة حروف في كلمة واحدة لا تلفظ، فأمر يتعلق بطريقة عمل الدماغ، أو من يدري فإنه يعبر أيضا عن حنين إلى الأصول وتمسك بها، تماما مثل الحنين إلى الآلهة الوثنية هروبا من الكنيسة.
ما أوردناه حتى الآن قد يكون صادما لمن صدق بهالة القدسية التي تحيط بداروين وأصل أنواعه، لكننا نشدد على أننا نتوخى الالتزام بالنقد المهذب إلى أقصى حد في كشف فضائح داروين، والتركيز على الجوانب البحثية والمنهجية في كتابه، وإلا فإن هناك ما هو أشد صدمة حول داروين، ففي الكتاب مواضع عديدة يظهر منها أن الرجل لم يكن يكتب دائما وهو في كامل قواه العقلية، وأن المرض الذي يتذرع به لتبرير الفوضى في مصادره مرض حقيقي، لكن ليس بالضرورة بدنيا.
التدجين والانتقاء الطبيعي
تماثل عالم الطبيعة والكائنات الحية مع عالم اللغات واللهجات، نموذج صغير عن عوالم أخرى تتماثل معها الطبيعة في رأس داروين، والتدجين هو أكبر تلك العوالم. داروين يستلهم من التدجين على يدي الإنسان أفكارا مسلية، فهو لم يكتف بضرب أمثلة من التدجين لتفسير ما يجري في الطبيعة، بل إنه يعتبر التدجين كنموذج للتطور يقتدي به الانتقاء في الطبيعة. وكما وعدنا سابقا فإن هذا الموضوع سيتم تناوله في مقالة مستقلة.
يتبع ..
2021-01-22