تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (31)!
د. عمر ظاهر.
الزمن اللازم لتطور الأنواع الجديدة من أنواع قديمة.
مأزق داروين الذي جرى تجاهله لصالح علم الدجل.
لنعطي أنفسنا فرصة لتقدير طول الزمن اللازم لظهور نوع جديد من نوع قديم من الحيوانات، علينا أن نتصور حيوانا رباعي الأرجل آكل للحشرات، يعيش في الغابات، أو في أي مكان على الأرض، ويعاني من مشكلة مزمنة، وهي أنه ضعيف، ومطارد دائما من قبل حيوانات أخرى أقوى منه. ذلك الحيوان حظي، دون غيره، وفقا لداروين، باهتمام خاص من الانتقاء الطبيعي، فصار يساعده على الاستمرار في البقاء بتحويل رجليه الأماميتين اللتين كان يهرب راكضا بهما إلى جناحين، فوجد نفسه ذات يوم وهو يطير. أصبح خفاشا له جناحان واسعتان، ومؤهلتان لحمله في الهواء لإيجاد طريقه حتى في ظلمات الليل، فينظر من الأعالي إلى الأرض، ويزدري من كانوا يطاردونه بالأمس – بالأمس أم قبل مليون أو عشرة ملايين سنة؟ انظر (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 283/284)
هناك أمثلة عديدة على الحيوانات الضعيفة، أليس كذلك؟ السنجاب، والسمور، والأرنب، والفأر، وغيرها. دعنا ننسى هنا أن من المفترض أن ذلك الحيوان كان على قيد الحياة، أصلا، لأن الانتقاء الطبيعي كان قد جعله أصلح للبقاء. لكنْ دعنا نتقبل أيضا أن الظروف تغيرت فسلط تحالف الانتقاء الطبيعي مع ملكِ الموت – قانون الانقراض، على ذلك الحيوان رغم كونه أصلح للبقاء، حيوانات أقوى منه لا تتصارع معه على أكل الحشرات، بل تريد أن تجعل منه وجبة سائغة لها ولصغارها.
لا نسأل لماذا حصل ذلك فقط مع ذلك الحيوان الذي أصبح خفاشا. لا نسأل لماذا لم يطور الانتقاء الطبيعي الطرفين الأماميين للأرنب إلى جناحين، مع أنه هو الآخر مطارد على الدوام؟ ولماذا بقي الأرنب، مع ذلك، على قيد الحياة؟ ولا نسأل إن كانت كل أنواع الطيور حيوانات رباعية الأرجل وتطورت بفضل الخوف من الحيوانات الكبيرة والقوية إلى طيور. بالعكس، فداروين يقول إن أصل تلك الطيور هو ديناصور، ولا أحد يمكن أن يصدق أن الديناصورات كانت ضعيفة، وتهرب من حيوانات أقوى منها، فأصبح بعض منها طيورا. إننا نسأل فقط: كم من الزمن احتاج تحويل الرجلين الأماميتين لذلك الحيوان المحظوظ إلى جناحين؟ والسؤال موجه إلى داروين، فهو مختلق هذه الفكرة العبقرية عن تحول حيوان رباعي الأرجل إلى خفاش!
كي يجيب داروين عن هذا السؤال، كان عليه أن يبين أولا كيف يحصل مثل هذا التحول. وجوابه بسيط: هناك صراع على البقاء وفقا لفرضية مالثوس التي تعتبر ركنا أساسيا من أركان نظرية داروين. ترى الفرضية أن الصراع نابع من أن عدد سكان الأرض (بالنسبة إلى داروين يشمل ذلك الحيوانات والنباتات أيضا) يتزايد بنسبة هندسية، بينما الموارد الغذائية تزيد بنسبة حسابية، فتكون هناك فجوة بين العدد الكبير من الكائنات الحية التي تعيش على الموارد الغذائية وبين تلك الموارد التي تقل كميتها النسبية مع مرور الوقت. هذا الصراع يبقى فيه على قيد الحياة الكائن الذي هو أصلح للبقاء لأنه يحصل على حصة من الموارد الغذائية المتوفرة. وما علاقة ذلك بالتغير من نوع إلى نوع آخر؟ الجواب هو أن الكائن الحي بخوضه الصراع تبرز لديه تمايزات. وهناك قوة خفية لم يستطع داروين تعريفها فتعامل معها، في آخر المطاف، كعبارة مجازية، هي “الانتقاء الطبيعي”. يقوم هذا الانتقاء بالحفاظ على كل تمايز جديد مفيد يبرز في كيان الكائن الحي، العضوي وغير العضوي، ويكدس تلك التمايزات حتى تأتي نقطة حرجة تؤدي فيها تلك التمايزات إلى تغيير في كيان النوع الواحد (وهذا واحد من مبادئ المادية: التراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعية)، تجعله يستمر باعتباره أصلح للبقاء. وفي البداية لا يظهر نوع جديد مباشرة من القديم، بل إن النوع القديم يظهر منه ضرب جديد، أو ضربان جديدان، أو حتى ثلاثة أو عشرة ضروب جديدة تختلف بعضها عن بعض قليلا، ويختلف كل منها في الوقت نفسه عن النوع الأصلي، قليلا أيضا. ويمر كل ضرب بنفس عملية تكديس التمايزات المفيدة حتى يختلف أكثر، وأكثر، ثم أكثر عشرات أو مئات، أو آلاف المرات، حتى يأتي يوم تكون فيه آخر الكائنات في سلسلة الضروب قد انفصلت عن جدها الأعلى تماما، وأصبح كل منها نوعا جديدا. هذا إذا حالف الحظ كلا منها، فمنحه الانتقاء الطبيعي عناية ورعاية كافيتين. في بعض الحالات قد يحالف الحظ ضربا واحدا فقط، فتستمر سلالة النوع الأصلي من خلاله. لكن التعرف على أصل كل نوع جديد يكون صعبا ما لم تكن عندنا نماذج من الحلقات الوسطى بين الاثنين. مثلا، كيف نعرف الحيوان الأصلي الذي خلف لنا خفاشا؟ هذا طير، وذاك كان، حسب خيال داروين، حيوانا رباعي الأرجل.
قد يقول أحدهم: لكن ذلك الحيوان الرباعي الأرجل لم يكن يصارع على الغذاء فيركض إليه حتى وصل حد الطيران؛ إنه كان يركض كي لا يصبح هو طعاما لغيره. حسنا، ألا يمكن أن نعتبر أنه في هذه الحالة، مع ذلك، كان يصارع من أجل البقاء، ليس بالضرورة ليحصل على حصة من موارد الأرض الغذائية، بل ليتجنب أن يصبح جزء من الموارد الغذائية؟ الانتقاء الطبيعي، حسبما يصوره داروين، خارق القدرات، فهو يمكن أن يحافظ على التمايزات التي تتولد عن الصراع على الغذاء، وأيضا على التمايزات الناجمة عن رفض الكائن الحي أن يصبح مادة للصراع كغذاء لغيره.
لا يقول داروين أي شيء عن طبيعة هذه التمايزات، ما إذا كانت، مثلا، تغيرات في الجينات. ذلك لأن داروين لم يكن يعرف شيئا عن الجينات. وهذا أمر يخص الآن، بلا شك، الاختصاصيين الذين هم من يجيبنا عن إمكانية تغير الجينات باتجاه تغيير النوع إلى نوع آخر. لكن داروين يصف هذه التمايزات دائما بأنها طفيفة، وعديدة، وبطيئة. أن تكون التمايزات طفيفة فأمر مفهوم – رغم أننا لا نعرف طبيعتها؛ وأن تكون بطيئة فهو أيضا مفهوم. فلو كانت التمايزات كبيرة وسريعة لكان، حسب النظرية، ظهر الجديد من القديم بسرعة محسوسة. ما يهمنا هنا كناقدين لمنهج داروين هو عدد تلك التمايزات اللازمة لظهور ضرب من نوع، ثم العدد اللازم لاختلاف الضرب أكثر وأكثر إلى حد تحوله إلى نوع جديد.
لماذا يهمنا أن نعرف عدد تلك التمايزات التي تؤدي إلى انفصال الضروب عن نوع ما وصولا إلى ظهور نوع جديد، أو أنواع جديدة، منه؟ إن السبب الذي يجعلنا نهتم بهذا العدد هو نفس السبب الذي جعل داروين لا يقول شيئا عنه. رجلان أماميتان في حيوان تتحولان بفعل تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة إلى جناحين. الموضوع يتعلق، في جانب مهم منه، بالزمن. كم من الزمن يلزم لإتمام هذه العملية التطورية؟ إن ذلك يعتمد، انطلاقا من اعتبار النظرية صحيحة، على عدد تلك التمايزات: هل هو مئة، ألف، مليون، عشرة ملايين تمايز؟ وعلى الزمن الذي يستغرقه ظهور كل تمايز جديد: هل هو ساعة، يوم، سنة؟ إذا احتاج الأمر إلى ألف تمايز كي يظهر ضرب من نوع، وكل تمايز يأخذ يوما واحدا ليظهر، فإن ضربا جديدا من نوع سيظهر في أقل من ثلاث سنوات. أما إذا احتاج الأمر إلى مليار تمايز كي يظهر نوع جديد من نوع قديم، وكل منها يحتاج إلى سنة للظهور، يظهر النوع الجديد من القديم مرة كل مليار سنة. أما إذا كان العدد بين بين، تكون هناك احتمالات كثيرة. وهذا يناسب داروين تماما.
طبعا، هناك أسئلة عديدة أخرى لا تتعلق بالزمن اللازم لتحويل رجلين إلى جناحين فقط، وإنما بالمشروع الكامل الذي يُعتبر تحول الرجلين إلى جناحين مجرد جزء منه، مثلا: هل يمكن أن نتصور أن تلك التمايزات التي يتحدث عنها داروين، ولا يعرف طبيعتها، تتكدس في مكان ما في كيان الكائن الحي، ثم فجأة ذات صباح مشرق يتفاجأ الحيوان بأن رجليه الأماميتان تحولتا إلى جناحين، فيطير ويحلق بهما عاليا في الجو؟ هُراء. هناك عوائق منطقية أمام تصور مثل هذا السيناريو. أولا يحتاج الحيوان عند ظهور جناحين له، في الوقت نفسه، إلى أن تكون عنده قدرة على الطيران نتيجة التدريب، أو نتيجة الغريزة التي لا يرثها الحيوان هنا عن أبويه، مثلما ترث الطيور العادية. على الطير، أو على الانتقاء الطبيعي أن يطور القدرة على الطيران بالتزامن مع تحول الرجلين إلى جناحين – نقصد غريزة الطيران.
ثم إن تحول رجلين إلى جناحين يتطلب حصول تغيرات جوهرية في كل كيان الكائن الحي. ألا ينبغي أن ينشأ هناك، في الوقت نفسه، مركز في رأس الكائن الحي يتحكم بالطيران؟ ألا ينبغي لعضلات الجناحين أن ترتبط بكل الجهاز العضلي للكائن الجديد، وتعمل بفعالية؟ أليس هناك حاجة إلى تغيرات في الجهاز العصبي، وفي النظر، وفي الغرائز المتعلقة بكل مناحي حياة الكائن الحي، إلخ؟ أليس هناك حاجة إلى تغير في طريقة تواصل الكائن الحي مع محيطه؟ ثم، لا بد أن يكتسب الكائن الجديد قدرة على التوازن، ويتكيف ذيله، ويتخذ جسمه شكلا مغزليا مثل أي طائر كي ينساب بسهولة عبر الهواء. المسألة ليست، إذن، مجرد تحول رجلين إلى جناحين. وكل هذه العمليات تتطلب ظهور تمايزات على الانتقاء الطبيعي حفظها وتكديسها.
هذا معناه أن ظهور التمايزات وتكديسها لا يقتصر على تلك الضرورية لتحول الرجلين إلى جناحين، بل لا بد من ظهورها وتراكمها في كل كيان الكائن الحي. ومعناه أيضا أنه لن يكون هناك انقلاب مفاجئ في كيان الحيوان الرباعي الأرجل، بل إن التمايزات تترجم إلى تغيرات عملية ملموسة في الرجلين الأماميتين، والرجلين الخلفيتين أيضا، وفي بقية كيانه، بحيث أن الجسم كله يتغير مع تحول الرجلين تدريجيا، مثلا إلى تسعة وتسعين بالمئة حيوان رباعي الأرجل، وواحد بالمئة طائر، ثم ثمانية وتسعين بالمئة حيوان رباعي الأرجل واثنان بالمئة طائر، إلى أن يكون لدى الحيوان عند نقطة ما من هذا التطور طرفان أماميان هما عبارة عن نصف رجلين ونصف جناحين، وكيان نصفه حيوان رباعي الأرجل، ونصفه طائر. وهكذا حتى يأتي اليوم الذي تختفي فيه الرجلان الأماميتان تماما، وتكون للكائن الحي، الخفاش، جناحا وجسم طائر. ولنا أن نتصور مأساة ذلك الكائن الذي كان بالكاد ينجو من مطارديه وهو له رجلان أماميتان كاملتا الفعالية، ثم إذا به (أثناء التحول الذي لا نعرف كم استغرق) عنده طرفان أماميان هما عبارة عن نصف رجلين ونصف جناحين! لا بد أنه كان يتعثر أثناء المطاردة، ويصبح فريسة سهلة لمطارديه. كيف لم ينقرض؟ ألم يكن أجدر بالانتقاء الطبيعي أن يساعد الحيوان المسكين ليكون أكثر سرعة، مثلا؟
لم يُعثر حتى الآن في أي مكان في طبقات الأرض على بقايا كائن له رجلان أماميتان ربعهما أو ثلثهما، أو نصفهما جناحان. داروين علل ذلك بأن التحول ربما حصل في مكان واحد على الأرض، ومن الصعب أن يخمن أين هو ذلك المكان. مع أن ذلك لو كان حصل فقط لفرد من ذلك النوع من الحيوان الرباعي الأرجل، وليس لكل أفراد النوع، فإن منطق الاحتمالات يرجح أن يتم العثور ولو على حلقة وسطى واحدة من تلك التي يفترض داروين أنها لا نهائية بين النوع الأصلي والنوع الجديد.
ربما لا تبدو هذه العملية التي ينفذها الانتقاء الطبيعي صعبة من الناحية التقنية والتنسيقية وحسب، بل وشاقة تستغرق زمنا طويلا. هذا إذا تواصلت الظروف التي بدأت فيها العملية، ولم تحدث كوارث أتت على الكائن الضعيف ومطارديه؛ أو أن الحيوان انقرض لأن التطور أعاقه عن الحركة السريعة التي كان ينجو بها من أعدائه؛ أو أن الأعداء الأقوياء اختفوا، ولم يعد الحيوان الضعيف يشعر بالخوف. قد يكون من الصعب تصور استمرار الظروف الطبيعية كل هذا الوقت الذي يستغرقه تحويل رجلين أماميتين إلى جناحين. إذا تغيرت الظروف، مثلا عندما تكون الرجلان أصبح نصفهما جناحين، فإن عملية التطور تتوقف، أليس كذلك؟ ويكون الكائن في وضع مأساوي؛ أو تبدأ التمايزات، في أحسن الأحوال، بالذهاب في الاتجاه المعاكس، أي إعادة الأجنحة النامية إلى رجلين أماميتين كالسابق. لا بد أن الانتقاء الطبيعي – وقد أعطاه داروين كل صفات الألوهية، له ما يكفي من الحكمة التي تجعله لا يبدأ مشروعا غبيا كهذا دون أن يكون متأكدا – كأنه يعلم الغيب، من أن الظروف الطبيعية ستستمر!
قصة الخفاش وأصله كحيوان رباعي الأرجل ربما يصعب على بعض الناس تصديقها، ويرون أنها هلوسة داروينية، أو يقولون إن مثل هذا الشيء، لو حصل، فسوف يستغرق زمنا خياليا في طوله. لكن مهلا، فهذه القصة ليست أصعب شيء على التصور والتخيل. هناك أمثلة أشد إثارة من قصة هذا الحيوان. خذ، مثلا، الحيوان البحري الذي كان أشبه بالسمك، وتحول عبر نفس العملية، أي تكدس التمايزات الطفيفة، والعديدة، والبطيئة إلى حصان، أي إنه لم تتغير فيه الرجلان الأماميتان فقط، بل كل كيانه. يقول داروين:
ولكننا من الممكن أيضا أن نجازف بالاعتقاد في أن العظام الكثيرة المختلفة الموجودة في الأطراف الخاصة بالقرد، والحصان، والخفاش، قد تكونت في الأصل، اتباعا لمبدأ المنفعة، غالبا من خلال الإقلال من عظام أكثر في العدد كانت موجودة في الزعنفة الخاصة بالأصل الأبوي القديم المشابه للسمك الخاص بكل طائفة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 322)
وفي الاقتباس نرى أن الحيوان الرباعي الأرجل كان قبل تحوله إلى خفاش، ينحدر هو الآخر من أصل أبوي قديم مشابه للسمك. هذا المثال أيضا ليس أصعب شيء. خذ الجد الأعلى المشترك للفقاريات الذي أنجب عبر تكرر نفس عمليات تكديس التمايزات الطفيفة، والعديدة، والبطيئة، كائنات مختلفة، منها الطيور، والأسماك، والثدييات مثل الفيلة، والكلاب، ومختلف أنواع الأبقارة، والأسود، والقرود، والإنسان. ذلك الكائن لا يستطيع داروين حتى رسم صورة متخيلة له، لكن هيكله العظمي وتكوينه العضوي كانا، في مخيلة داروين، على الأغلب نموذجا أساسيا تحورت عنه الهياكل العظمية والتكوينات العضوية التي هي مشتركة بين الفقريات. يقول داروين:
ونتيجة لأسباب أخرى قد تم تحديدها بواسطة فرتز موللر، فإنه من المحتمل أنه عند فترة بعيدة جدا من الزمن، قد تواجد حيوان ما مستقل بالغ، مشابه للنبلوس، وأنه قد أنتج فيما بعد، على طول العديد من سلاسل النشوء المتشعبة، المجموعات العظيمة الخاصة بالحيوانات القشرية السابق ذكرها، وهكذا فإنه من المحتمل أيضا، نتيجة لما نعرفه عن الأجنة الخاصة بالحيوانات الثديية، والطيور، والأسماك، والزواحف، فإن هذه الحيوانات ما هي إلا الذراري المعدلة لأحد الجدود العليا القديمة، الذي كان مزودا في حالته البالغة بخياشيم، ومثانة هوائية، وأربعة أطراف على شكل زعانف، وذيل طويل، جميعها معدة من أجل حياة مائية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 718/719)
أصبح أمرا حتميا أن يلح القارئ في سؤاله: كم هو عدد التمايزات التي تراكمت في كيان الحيوان الرباعي الأرجل إلى أن تحول إلى خفاش؟ وكم هو عدد التمايزات التي تراكمت من عهد الأصل الأبوي القديم المشابه للسمك إلى ظهور الخفاش؟ وكم هو عدد التمايزات التي تراكمت حتى ظهر ذلك الأصل الأبوي القديم المشابه للسمك من أب أقدم، وذلك من أب أكثر قدما، بلا شك؟ بعبارة أخرى: كم من الزمن استغرق انحدار كل هذه الكائنات من كائن واحد عبر تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة؟
هذا السؤال كان على داروين، صاحب الفكرة النيرة، أن يجيب عنه، فهل فعل؟ لا، ونعم. كيف؟
لا، لأن داروين ما كان له أن يعرف. من أين تراه يعرف العدد وهو لا يعرف طبيعة التمايز نفسه، وهو أيضا يتحدث عن كائنات عاشت قبل مئات الملايين من السنين؟ وداروين معروف عنه أنه شخص مراوغ، ولا تعنيه الحقيقة، فلا يصرح بعدد ثابت، مثلا مليون، أو مليار، أو تريليون. ثم إن تقدير الزمن اللازم لظهور كل تمايز قد تكون له آثار مدمرة على إمكانية إثبات حصول هكذا تطور، كما سنرى بعد قليل (في الحلقة القادمة). الأفضل له، كي لا يطيح بالنظرية بنفسه، تعويم هذا الموضوع، وجعله قابلا للاستخدام حسب الطلب.
ونعم، لأن داروين عمل رسما بيانيا يشرح به هذه العمليات اللانهائية، حسب قوله، من ظهور التمايزات أو التعديلات الطفيفة، والعديدة، والبطيئة، وتراكمها، وظهور الضروب والأنواع، لكنه لم يعط عدد التمايزات، بل عدد الأجيال اللازمة لظهور نوع جديد من نوع قديم. وقدر عدد الأجيال بين ألف جيل و14 مليون جيل أو أكثر! كيف قدر هذا العدد؟ على طريقة ضاربي الودع.
يتبع ..
2021-03-26