تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (25)!
د. عمر ظاهر.
داروين كان مصابا بداء العظمة فيقدم ما يعتقده، ويظنه، ويتخيله كأدلة كافية لتفسير الطبيعة،
ولدحض آراء العلماء النابعة من التجارب العلمية.
إن من يقرأ كتاب داروين “في أصل الأنواع” ينصبّ اهتمامه في البداية على الاطلاع على المعلومات، وعلى ما يقوله الرجل حول التطور؛ ويتوجه نهمه إلى رؤية الأدلة العلمية، والحجج التي يسوقها لدعم ما يقول. ويبحث القارئ أيضا عن المنهج العلمي في البحث، وكيفية بناء النظرية. لكنه سرعان ما يكتشف غياب عناصر البحث الجاد في عمل داروين، فهناك تخلخل في المنهج إلى درجة أنه يصعب تحديد أي منهج يستهدي به الرجل في بناء نظريته، فيظهر للقارئ أن داروين لم يكن، أصلا، يعرف شيئا عن منهج البحث العلمي. بل إن داروين لم يكن يجيد اللغة التي كان يكتب بها. وهناك ادعاءات كثيرة في الكتاب، مع انعدام الأدلة على ما يزعمه. عند هذا يتحول انتباه القارئ تدريجيا إلى أساليب داروين الملتوية في تقديم المواضيع، وطرح أفكاره، وتضليل القارئ. داروين لم يكن باحثا علميا، بل قزما بين الفلاسفة. وهو شخص بعيد كل البعد عن أخلاقيات البحث العلمي، وحتى عن أخلاقيات العمل الفلسفي.
الدرجات الخاصة بالعقم
يستمر داروين في تطفله على أبحاث الآخرين، وتجييرها لتفسيراته السقيمة. وهنا يركز في تناوله موضوع العقم على النباتات، ويفصل فيه على أساس بيانات يأخذها من خبيرين يسبغ عليهما أفخم الألقاب، فهو يصفهما أولا بالمراقبين الدؤوبين والجديرين بالإعجاب، وهما: كولرويتر Kolreuter وجارتنر Gartner، ويقول عنهما أيضا أنهما كرسا حياتهما تقريبا من أجل هذا الموضوع. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص445).
ثم يخلع عليهما صفات جليلة أخرى، مثل “المراقبين الأكثر خبرة من أي مراقب قد تواجد على الإطلاق على سطح الأرض” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص446/447). وإذ هو يفعل ذلك، فإن القارئ يتوهم في البداية بأن داروين يريد استخدام المكانة الراقية لهذين العالمين، والاستفادة من آرائهما ونتائج أبحاثهما في التدليل على صحة ما يقوله هو. لكنْ، سرعان ما يتبين أن هدف داروين غير ذلك، فهو يختلف معهما اختلافا عميقا، ويبرر اختلافه بما يسميها العمومية الشديدة إلى حد ما في آرائهما في موضوع العقم. وينتقد عملهما بشدة لسببين: أولا، يرى داروين أن الطريقة التي كانا يجريان بها تجاربهما على النباتات تنعدم فيها الظروف السائدة في الطبيعة؛ وثانيا، يرى داروين أن الخبيرين الأكثر خبرة على سطح الأرض يتوصلان إلى استنتاجات متباينة.
نفهم من كلام داروين، ضمنيا، أنه – ويا للوقاحة – يرى أنه أكثر خبرة من الرجلين الأكثر خبرة على سطح الأرض، وكأنه لا ينفك يجري التجربة بعد التجربة تحت ظروف طبيعية، ولا يقوم بإسقاط ما يختلقه عن الحيوانات المدجنة على الكائنات في الطبيعة. يقول:
من أحد الجوانب، فإنه من المحقق، أن العقم الخاص بالأنواع المختلفة عندما تتهاجن مختلف إلى حد كبير في الدرجة وأنه يتلاشى بشكل تدريجي إلى حد كبير، وعلى الجانب الآخر، فإن الخصوبة الخاصة بالأنواع النقية تتأثر بسهولة إلى حد كبير بواسطة الظروف المختلفة، إلى حد أنه من أجل جميع الأغراض العملية فإنه من أصعب الأشياء أن يقال أين تنتهي الخصوبة المثالية ويبدأ العقم. وأظن أنه لا يوجد دليل أفضل على ذلك من الممكن الاحتياج إليه عن أن كلا من المراقبين الأكثر خبرة من أي مراقب قد تواجد على الإطلاق على سطح الأرض، ألا وهما كولرويتر وجارتنر، قد توصلا إلى استنتاجات متضادة بكل ما في هذه الكلمة من معنى فيما يتعلق بالبعض من الأشكال نفسها المتطابقة تماما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 446/447)
نفهم من الاقتباس أن الرجلين كانا منغمسين بكل جدية في البحث في مجال عقم النباتات – العقم وحده، على عكس داروين الذي ينطق كخبير فطحل في عشرات المجالات العلمية بخصوص كل ما يتعلق بالنباتات والحيوانات دون أن يقوم ببحث يُذكر، مما يعني، في الواقع، أن معلوماته سطحية في كل مجال! ونفهم أيضا أن العالمين الجليلين، رغم علمهما الواسع والعميق، ورغم تكريس حياتهما للتخصص في مجال علمي واحد، يمكن أن يتوصلا إلى نتائج متباينة. التوصل إلى نتائج متباينة أمر وارد في البحث العلمي الجاد، وله أسباب يمكن استجلاؤها، وتتعلق بشروط البحث وظروفه. ويمكن دائما الحوار بين الباحثين الجادين بشأن أبحاثهم ونتائجها، وتقويم الأخطاء المحتملة، فمن يخدم العلم لا تأخذه العزة في الإثم، ولا يتشبث بصحة ما يتوصل إليه على حساب الحقيقة العلمية. أما داروين الذي ليس متخصصا في شيء، فيعطينا دائما آراء، واستنتاجات يجب أن تتناسق وتتطابق مع مفهوم الانتقاء الطبيعي الذي لم يفلح حتى الآن في إعطائه تعريفا محددا. التناسق والتطابق على أي أساس؟ بناءً على ما يعتقده، ويظنه، ويخمنه، ويتخيله في أي مجال علمي.
إن حديث داروين عن الرجلين يتسم بالاستفزاز، وبالغرور الأهوج. إضافة إلى هذا، فما يقوله في الاقتباس أعلاه بحاجة إلى تفكيك وتحليل قبل طرح أي سؤال عن قيمته العلمية من الناحية المنهجية. نفترض أن عبارتي “الأنواع المختلفة” و”الأنواع النقية” (في النص الأصلي various species and pure species – [Paragraph 237]) مصطلحان معروفان لدى الاختصاصيين، فلا نعترض على غموضهما. لكن الحديث عن العقم الخاص بالأنواع المختلفة بأنه مختلف إلى حد كبير في الدرجة وأنه يتلاشى بشكل تدريجي إلى حد كبير، وفي الوقت نفسه الحديث عن الخصوبة الخاصة بالأنواع النقية بأنها تتأثر بسهولة إلى حد كبير بالظروف المختلفة، شيء يجذب الانتباه، ويثير بعض الأسئلة، مثلا:
هل نهاية الخصوبة المثالية وبداية العقم تتعلق بالانتقال من الأنواع النقية إلى الأنواع المختلفة؟ هل يستند داروين في هذا الرأي إلى نتائج أبحاث تجريبية أو ميدانية واسعة قام بها؟ أين هي بياناته؟
قد يكون المقصود هنا هو أن الخصوبة تكون مثالية في التزاوجات بين أفراد من نفس النوع، والعقم يكون مختلفا إلى حد كبير في الدرجة وأنه يتلاشى بشكل تدريجي إلى حد كبير في التزاوجات التي تحصل بين أفراد من نوعين مختلفين. العقم يتلاشى؟ كيف يجب فهم هذا الكلام على ضوء ما قاله سابقا:
والأنواع النقية تكون أعضاؤها التكاثرية بالطبع في حالة مثالية، إلا أنها عندما تتهاجن بشكل متبادل فإنها تنتج إما القليل من الذرية أو لا ذرية على الإطلاق. وعلى الجانب الآخر، فإن الأنغال تكون أعضاؤها التناسلية في حالة عجز جنسي، كما قد يشاهد بوضوح في الحالة الخاصة بالعنصر الذكري في كل من النباتات والحيوانات. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 444)
في هذه الحال لا يكون من أصعب الأشياء أن يعرف المرء أين تنتهي الخصوبة المثالية ويبدأ العقم، بل أن يعرف المرء كيف أن العقم الذي يكون مختلفا إلى حد كبير في الدرجة، يتلاشى بشكل تدريجي إلى حد كبير! والأمر يزداد تعقيدا عندما يظن داروين أنه لا يوجد دليل أفضل على ذلك من أن كلا من المراقبين الأكثر خبرة من أي مراقب قد تواجد على الإطلاق على سطح الأرض قد توصلا إلى استنتاجات متضادة بكل ما في هذه الكلمة من معنى فيما يتعلق ببعض من الأشكال نفسها المتطابقة تماما. حسنا، إذا كان الاختصاصيان اللذان لهما كل المصداقية، بتزكية من داروين نفسه، قد يختلفان، أو يخطئ أحدهما، أو كلاهما، فلماذا عسانا نثق بما يقوله داروين، وهو لم يقم بإجراء أي بحث في هذا الميدان؟ إنه يتفلسف وحسب، وفلسفة فارغة.
وسؤال آخر:
استنتاجات الخبيرين أفضل دليل على ماذا؟ على أنه من أجل جميع الأغراض العملية فإنه من أصعب الأشياء أن يقال أين تنتهي الخصوبة المثالية ويبدأ العقم. حسنا،إذا كان اثنان من المراقبين الأكثر خبرة من أي مراقب قد تواجد على الإطلاق على سطح الأرض قد توصلا إلى استنتاجات متضادة فيما يتعلق ببعض من الأشكال نفسها المتطابقة تماما، فما الذي يريد داروين أن يخبرنا عن الخصوبة والعقم، وهو ليس على مستوى الخبيرين، وليس عنده، كما سنرى بعد سطور، حتى معلومات من نموذجه المصغر عن الطبيعة، أي التدجين؟ على داروين إما أن يخبرنا باستنتاجات غير الاستنتاجات المتضادة للخبيرين، أو ألا يخبرنا بأي شيء، ويترك الأمر للخبيرين بعد أن أشار إليهما. إن داروين يجهل شيئا أفضل من الاستنتاجين المتضادين، فهل هذا الجهل يرفع مرة أخرى من رصيده، ويعطي كلامه مصداقية أكثر من كلامهما؟
هذا بخصوص عقم الأنواع المختلفة وخصوبة الأنواع النقية. أما فيما يتعلق بالعقم الخاص بالأنغال الذي يحدث في أجيال متعاقبة – والحديث ما يزال عن عالم النبات – والذي يستنتج جارتنر من تجاربه أن الخصوبة الخاصة بها لا تزداد على الإطلاق، ولكنها في العادة تتناقص بشكل كبير وفجائي، فداروين غير مقتنع بهذه النتائج. على أي أساس؟ يقول:
ولكني أؤمن بأن الخصوبة الخاصة بها قد تناقصت في جميع هذه الحالات تقريبا عن طريق سبب مستقل، ألا وهو عن طريق التهاجن المتبادل الحميم جدا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 447)
داروين المغرور يرى أنه إذا كان يؤمن بشيء فقد قُضيَ الأمر، وعلينا أن نضع آراء الخبراء جانبا، فإيمانه هو القول الفصل! أين مثل هذا الحديث الفج من المنهج العلمي الذي يقوم على دحض الحجة بالحجة، والدليل بالدليل استنادا على نتائج أبحاث حقيقية؟
وماذا يعني “التهاجن المتبادل الحميم جدا”؟ هل هذا تعبير علمي أم أدبي، ومجازي فوق هذا وذاك؟ التهاجن هو تهاجن، فكيف يكون حميميا أو غير حميمي بين الحيوانات أو النباتات؟ هل يكون مرتبطا، مثلا، بعواطف ومشاعر حميمية؟ أم أنه يعني أن التهاجن يحصل بين نوعين قريبين جدا من بعضهما البعض؟ إذا كان التهاجن المتبادل الحميم جدا سببا مستقلا يؤدي إلى تناقص الخصوبة، فعليه تبيان الترابط بين السبب والنتيجة بشكل مقنع. ذلك لأن العكس يبدو أكثر منطقيا، أي أن تؤدي الحميمية إلى تناقص العقم.
ويقول السيد داروين، كعادته، أنه هو نفسه قد قام بالعديد من التجارب، وقام بجمع العديد من الحقائق. لكنه لا يقول لنا متى؟ وأين؟ ولا يعرض تلك الحقائق، بينما المنهج العلمي يقتضي بأن يستخدم تلك الحقائق في دحض ما يقوله العالمان الجليلان، إن كانت لديه فعلا حقائق. إنه يرى أن على القارئ أن يصدق به لأنه داروين.
ثم يلتفت داروين إلى النتائج التي توصل إليها ثالث أكبر الخبراء في إنتاج الأنغال، وهو “الموقر والمحترم و. هيربرت” Hon. And Rev. W. Herbert، وينتقده أيضا قائلا:
وهو رجل متشدد في استنتاجه الخاص بأن بعض الأنغال خصيبة بشكل كامل – أي بمثل الخصوبة الموجودة لدى أنواعها الأبوية – بالقدر نفسه من تشدد كولرويتر وجارتنر في القول بأن وجود درجة من العقم بين الأنواع المتباينة هو قانون عام من قوانين الطبيعة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 448/449)
ونستنتج من هذا النقد لتشدد الموقر والمحترم و. هيربرت أن داروين لا يؤمن بكون بعض الأنغال خصيبة بشكل كامل مثل أنواعها الأبوية، ولا بأن وجود درجة من العقم بين “الأنواع المتباينة” (في النص الأصلي Distinct species – [Paragraph 238]) قانون من قوانين الطبيعة. المقصود بعبارة “درجة من العقم” هو، طبعا، أن العقم بين الأنواع المتباينة ليس مطلقا، بل يمكن التزاوج بين بعض الأنواع وإنتاج ذراري تكون عقيمة. بماذا يؤمن داروين، إذن؟ وكيف يفسر وجود درجة من العقم، إن لم يكن قانونا طبيعيا؟
سبق لداروين أن اعتبر العقم ظاهرة عابرة ترجع إلى اختلافات في الأجهزة التكاثرية. قال:
وهذا الموضوع مهم لنا بطرق عديدة، وبالأخص لأن العقم الخاص بالأنواع عندما تتهاجن لأول مرة، والعقم الخاص بالأنغال من ذريتها، لا يمكن أن يكون قد تم اكتسابهما، كما سوف أبين، عن طريق الحفاظ على درجات متتالية مفيدة من العقم. فإن هذا العقم ما هو إلا نتيجة عابرة لاختلافات تحدث في الأجهزة التكاثرية الخاصة بالأنواع الأبوية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 444)
لكنه لم يبيّن أسباب الاختلافات في الأجهزة التكاثرية. لماذا يصيب الخلل الأجهزة التكاثرية عند تهاجن الأنواع المختلفة؟ الطبيعة هي وراء ذلك، أليس كذلك؟ إذا لم يكن ذلك بفعل قانون طبيعي، فبفعل قوة أخرى في الطبيعة.
هل يسعى داروين إلى تهيئة الأرضية للقول لاحقا أن العقم، مثله مثل التراكيب الجسدية والغرائز، ظهر نتيجة التطور بفعل الانتقاء الطبيعي؟ المنطق المألوف هنا هو: هذه الدرجة من العقم لم تكن موجودة، لكن التنازع على الغذاء من أجل البقاء أدى إلى ظهور تمايزات (اختزالات) طفيفة، وعديدة، وبطيئة عند الأنواع المتباينة، ورأى الانتقاء الطبيعي أن تلك التمايزات (الاختزالات) مفيدة، فحافظ عليها، وكدسها، وأورثها، وذات يوم صارت هناك درجة من العقم بين الأنواع المتباينة. سنرى.
والآن، فإن داروين الذي فصّل كثيرا في وصف العقم في النباتات، وجعل الاستنتاجات من بعض الأبحاث فيها شديدة العمومية، يتردد عن الحديث عن الظاهرة نفسها في الحيوانات. لماذا؟ بسبب صعوبة مراقبة الظاهرة عند الحيوانات (طبعا، مراقبتها في ظروف التدجين). إذا لم يكن ممكنا مراقبة الحيوانات في حالة التدجين، وهي في متناول أيدي الباحثين، فمن راقب تهاجناتها، وخصوبتها، وعقمها في الطبيعة؟ لا سبيل إلى ذلك، فالأمر يتطلب المراقبة لأنواع مختلفة ولأجيال عديدة. هل فعل داروين ذلك؟ لا. والنتيجة؟ بدون بيانات من حالة التدجين لا يمكن لداروين الحديث عن الطبيعة. ومع هذا يقيم نظريته على الانتقاء الطبيعي، وينتقد بوقاحة عالمين جليلين لأن أبحاثهما على النباتات لم تجر تحت ظروف طبيعية!
نموذج التدجين لا يقدم، إذن، بيانات مهمة، فماذا سيقول داروين عن الطبيعة؟ يقول:
أما فيما يتعلق بالحيوانات، فقد أجريت عليها بدقة أعدادا أقل بكثير من التجارب التي تم إجراؤها على النباتات، وإذا كان من الممكن الوثوق بتنسيقاتنا التصنيفية، وهذا يعني، إذا كانت الطبقات الخاصة بالحيوانات على نفس الدرجة من التباين عن بعضها الآخر كما هو الحال في الطبقات الخاصة بالنباتات، عندئذ فإنه من الممكن لنا أن نستنتج أن الحيوانات التي هي أكثر بعدا في التباين في الميزان الخاص بالطبيعة من الممكن أن تتهاجن بسهولة أكثر مما يحدث في حالة النباتات، ولكني أظن أن الأنغال الناتجة سوف تكون أكثر عقما. ومع ذلك فإنه يجب أن نضع نصب أعيننا نتيجة أن القليل من الحيوانات هي التي تتوالد بحرية تحت تأثير حبس الحرية، وأن العدد القليل من التجارب فقط هي التي تم إجراؤها بدقة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 451/452)
إنه يريد تعميم نتائج من عالم النبات على عالم الحيوان؟ وبدون تقديم أي أساس علمي، فكلامه يصح “.. إذا كان من الممكن الوثوق بتنسيقاتنا التصنيفية ..”، عندئذ يظن داروين، ويعتبر ظنه دليلا علميا قطعيا! هل أثبت أنه من الممكن الوثوق بتنسيقياتنا، إلخ؟
ليس هذا وحسب، بل إن داروين يشير إلى علمه بالقليل من الحالات الثابت صحتها بدقة المتعلقة بأنغال حيوانات خصيبة بشكل كامل. لكنه يضيف بنفس الطريقة الملغومة بالاحتمالات:
فيما يتعلق بحيواناتنا المدجنة، فإنه عندما تتهاجن الأعراق المختلفة فيما بينها فإنها تكون خصيبة بالفعل، ومع ذلك، ففي كثير من الحالات فإنها تكون قد انحدرت من اثنين أو أكثر من الأنواع الوحشية. ويجب علينا أن نستنتج من هذه الحقيقة أنه إما أن الأنواع الأبوية الأرومية قد أنتجت في أول الأمر أنغالا كاملة الخصوبة، أو أن الأنغال التي تمت تربيتها فيما بعد تحت تأثير التدجين قد أصبحت خصيبة تماما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 453/454)
كلام خطير، أليس كذلك؟ إذا كانت الأنواع الأبوية الأرومية (أي الأصلية الموغلة في القدم) تنتج أنغالا كاملة الخصوبة، مع أنها متباينة، فذلك يعني أنه كانت هناك مرحلة في تاريخ الطبيعة لم يكن فيها عقم يمنع التهاجن الحر والإنجاب بين مختلف الحيوانات. وهذا ينسف، كما أسلفنا، فكرة التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي من أساسها، فظهور الأنواع كان بسبب التهاجن الحر.
وغير هذا، فإن داروين يناقض مرة أخرى ما كان قد قاله سابقا (راجع الاقتباس أعلاه من الصفحة 444). ولنتذكر أيضا أن داروين انتقد قبل بضعة سطور فقط الموقر والمحترم و. هيربرت” Hon. And Rev. W. Herbert، ووصفه بأنه رجل متشدد في استنتاجه الخاص بأن بعض الأنغال خصيبة بشكل كامل – أي بمثل الخصوبة الموجودة لدى أنواعها الأبوية – ص 448/449).
داروين يلقي دائما الكلام على عواهنه، دون أن يحسب الحساب لما يمكن أن يتم استنتاجه مما يقول. وهنا، مرة أخرى، يقول، مثلا: “.. أو أن الأنغال التي تمت تربيتها فيما بعد تحت تأثير التدجين قد أصبحت خصيبة تماما”. كيف تتحول الأنغال إلى خصيبة تماما تحت تأثير التدجين؟ ما علاقة التدجين بالعقم والخصوبة؟ هل يقوم المزارعون وأصحاب الاسطبلات بالتأثير على العقم والخصوبة؟ ثم ألم يقل إن العقم ظاهرة عابرة لها علاقة بالأجهزة التكاثرية؟ كيف يؤثر المزارعون على تلك الأجهزة؟ هكذا استنتاجات لا يجوز أن يكون تعليلها “وأنا أظن”، أو “ويجب علينا أن نستنتج”. والأغرب من هذا أنه تحدث سابقا عن اضطراب الانجاب في الحيوانات في ظل الأسر، أي في ظل التدجين (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 62/63). وقال في نفس الصفحة: والكثير من النباتات التي يرعاها الإنسان تظهر عنفوانا كبيرا لكنها في نفس الوقت من النادر أن تنتج، أو لا تنتج على الإطلاق، أية بذور – أي تكون عقيمة! ويؤكد ذلك هنا بالقول: ومع ذلك فإنه يجب أن نضع نصب أعيننا نتيجة أن القليل من الحيوانات هي التي تتوالد بحرية تحت تأثير حبس الحرية، وأن العدد القليل من التجارب فقط هي التي تم إجراؤها بدقة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 451/452)
ويقول في الوقت نفسه أن الأنغال تصبح خصيبة تماما تحت تأثير التدجين. ما هي، إذن، البيانات التي يستند إليها في تبرير هذا الانقلاب على ما قاله بنفسه؟
داروين يطلق دائما كلاما هلاميا غير متماسك. يقول:
وأخيرا، فإنه إذا أخذنا في الاعتبار جميع الحقائق المؤكدة عن التهجين المتبادل الخاص بالنباتات والحيوانات، فإنه من الممكن استنتاج أن درجة ما من العقم، في كل من التهاجنات الأولى أو في الأنغال، هي نتيجة شديدة العمومية، ولكن لا يمكن تحت ظل حالتنا الحالية من المعرفة، أن يتم اعتبارها على أساس أنها نتيجة شاملة تماما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 454)
ليس واضحا هنا إن كان يؤكد أو ينفي وجود درجة من العقم في كل من التهاجنات الأولى أو في الأنغال، فهو يصف ذلك بكونه “نتيجة شديدة العمومية”. لكن الغريب هو أنه يتحدث عن جميع الحقائق عن التهجين المتبادل الخاص بالنباتات والحيوانات. جميع الحقائق؟ لقد بين قبل بضعة سطور بنفسه شحة المعلومات عن الحيوانات حتى في حالة التدجين، فأية حقائق يشير إليها؟ ثم لماذا هي نتيجة شديدة العمومية، أي إنه لم يتوصل إلى نتيجة حاسمة بخصوصها؟ إنه يعزو ذلك إلى ما يسميه “حالتنا الحالية من المعرفة”، أي الجهل. الباحث الجاد لا يستنتج شيئا من الجهل، ولا يبني عليه. داروين وحده يفعل ذلك.
لقد وجدنا داروين يتكلم عن عمومية شديدة لا تصل حد العمومية المطلقة، وسمعنا أيضا عن جهله في مجال الحيوانات حتى المدجنة منها. كان من المعقول أن يُسأل في هذه الحالة، لماذا يقحم نفسه في بحث موضوع ليس لديه معرفة به، في نفس الوقت الذي يسمح لنفسه أن يعترض على نتائج أبحاث من يقول عنهما أنهما كرسا حياتهما تقريبا من أجل هذا الموضوع، وأنهما المراقبان الأكثر خبرة من أي مراقب قد تواجد على الإطلاق على سطح الأرض؟ ألأنه كرس حياتين في دراسة موضوع العقم؟
لقد سجلنا سابقا ملاحظة عن عمل داروين، أنه عند تناوله موضوعا معينا، فإن الأمثلة التي يضربها تأتي حصرا من عالم النبات، أو تأتي حصرا من عالم الحيوان. وفي الحالتين، فإنه يعمم أحكامه على الطبيعة كلها. وهنا يعمم أحكامه مرة أخرى، مع أن معلوماته تأتي من أبحاث في مجال النباتات، وفوق ذلك إنها أبحاث لم يقم بها هو نفسه!
يتبع ..
2021-03-12