تركيا الأطلسية: التوازن في السياسة الخارجية سيبقى العنوان!

هدى رزق
تريد تركيا إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية ولو من باب الابتزاز، حيث من الواضح أنّ الغرب الأوروبي يبتزّ تركيا المتهالكة اقتصادياً والتي تحتاج إلى الأموال.
شكّلت قمّة الناتو الأخيرة حدثاً مهماً بالنسبة لتركيا، حيث أثبتت من خلال موقفها، الذي كان واضحاً للمراقبين، بأنها تُفضّل سياسة التوازن والحياد النشط التي تكسبها أهمية استراتيجية أكبر في مسار حرب الوكالة، التي تخوضها أوروبا وأميركا ضد روسيا في إطار الحرب الروسية الأوكرانية.
أعلنت أنقرة موافقتها على رغبة السويد الانضمام إلى الناتو، واستقبلت الرئيس الأوكراني زيلنسكي، وقدّمت له 5 من قادة آزوف، وهم وديعة روسية، وأعلن الرئيس إردوغان في تصريح دبلوماسي خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الأوكراني أنّ “أوكرانيا تستحقّ عضوية الناتو”، بغض النظر عن قناعته أو جدية التصريح، في ظل إدراكه لاستحالة إتمام الخطوة، وعدم موافقة الولايات المتحدة على المضي قدماً في تلك العملية.
ما هي المكاسب التي حقّقها الرئيس إردوغان؟
تعمل السياسة الخارجية، بالنسبة لإردوغان، كأداة لتعزيز المكانة الاستراتيجية، وبالتالي لا يُمكن قراءة الاتجاه الانفتاحي التصالحي مع منطقة الشرق الأوسط، والتحرّكات تجاه الغرب بعيداً عن الحسابات السياسية. تريد تركيا إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية ولو من باب الابتزاز، حيث من الواضح أنّ الغرب الأوروبي يبتزّ تركيا المتهالكة اقتصادياً والتي تحتاج إلى الأموال، وهي تعمل معه بالمثل في مسألة اللاجئين وغيرها من القضايا.
وعليه يمكن القول إن السياسة المثيرة للجدل تجاه الغرب تهدف إلى محاولة إردوغان تثبيت استقلال القرار التركي ضمن مجموعة الناتو، وكسب فرص لانتزاع تنازلات من السويد ومكاسب من الولايات المتحدة الأميركية، والحصول على قائمة من الوعود.
أتى قبول عضوية السويد بعد الضغط على تركيا قبل الذهاب إلى قمّة الناتو من خلال المحادثات التي أجراها ينس ستولتنبرغ بعد فوز إردوغان في الانتخابات مباشرة، كما أجرى بلينكن محادثات مع وزير الخارجية هاكان فيدان في الموضوع نفسه، وجرى استعراض مطالب تركيا من الولايات المتحدة الأميركية.
كان إردوغان قد أظهر موقفه المتشدّد من أجل الحصول على وضع أسماء كل من حزب العمال الكردستاني وجماعة محمد فتح الله غولن على لائحة الإرهاب. فكان ما أراد إذ تمّ وضعها في نص الناتو، الأمر الذي اعتبرته الحكومة التركية انتصاراً دبلوماسياً، إضافة إلى الاتفاقيات التي تخص إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وامتيازات واستثمارات جديدة للحدّ من الهجرة الجماعية إلى أوروبا.
وعدت السويد بأنها ستبذل جهداً لتحديث الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وكانت قد أعلنت مند سنة تقريباً رفع حظر تصدير الأسلحة إلى تركيا، الذي يشمل أسلحة ومعدات عسكرية ومنتجات متعلقة بمجال الإلكترونيات والتكنولوجيا، على خلفية تقدّمها بطلب الانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، وأشارت إلى أنّ قرارها مرتبط بانضمامها إلى الناتو.
كان إردوغان قد أثار قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في محادثة هاتفية مع الرئيس الأميركي جو بايدن عشية القمة، طلب بإصرار من دول الاتحاد الأوروبي الحاضرة في المفاوضات في ليتوانيا دعم تطلّعات تركيا التاريخية للتكامل الأوروبي بالإجماع، في الوقت الذي يدرك فيه أنّ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي غير واقعي، إنما كان رسالة إلى المستثمرين الغربيين بأن تركيا تقوم بإصلاحات، وأنّ اقتصادها سوف يتعافى.
الولايات المتحدة أعطت إردوغان طائرات F16 وملحقاتها، وبعض الوعود بالمساعدة للحصول على القروض طويلة الأجل التي يمكن أن تنعش اقتصاده لكنها لم تعده برفع العقوبات عن بلاده. وأعطى إردوغان “تأشيرة مشروطة أمام السويد والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أي شهرين ونصف الشهر بسبب إغلاق البرلمان، ولا يمكن للسويد أن تصبح عضواً في الناتو قبل هذه الفترة.
فهل يحاول إردوغان امتحان مصداقية الدول الغربية؟ لن تتراجع تركيا عن قرارها في انضمام السويد إلى الناتو، لكنها ستراقب إن كانت الوعود التي قدّمها الغرب ستكون نافدة.
العلاقة مع أوكرانيا
وظّف إردوغان الحرب الروسية الأوكرانية لتوسيع نفوذه بإظهار بلده اللاعب الرئيسي في هذا الصراع الذي يحاور طرفي النزاع، تطرح أنقرة نفسها وسيطاً محايداً بين أوكرانيا وروسيا لإبراز مكانتها على الساحة العالمية. أكسبت اتفاقية الحبوب تركيا أهمية استراتيجية دولية، تنتهي اتفاقية الحبوب المبرمة بين الأمم المتحدة وروسيا، في الـ 17 من تموز/يوليو الجاري، وتخشى أوكرانيا عدم موافقة روسيا على تجديدها بعد أن هدّدت موسكو بعدم تمديد الاتفاق، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع التي ستؤثّر على البلدان الأكثر اعتماداً على واردات الحبوب، مما قد يخلق أزمة غذائية عالمية.
إلّا أنّ روسيا التي لديها حلفاء وشركاء من تركيا إلى أفريقيا والدول العربية لن تتسبّب بأزمة غذاء، أو تعطي ذريعة للأمم المتحدة بأنها تعرقل وصول الغذاء، ستبدي مرونة بشأن تمديد الاتفاقية؛ إلا أنها اشترطت على الغرب تخفيف القيود على صادرات الحبوب والأسمدة الروسية.
وأثناء زيارة زيلنسكي إلى تركيا جرت مناقشة صفقة الحبوب الجديدة، كما طلب زيلنسكي من إردوغان طرح موضوع تبادل الأسرى مع روسيا، وإعادة السجناء السياسيين وجميع الأسرى الأوكرانيين إلى طاولة المناقشات مع الجانب الروسي في إطار زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تركيا المتوقّعة خلال شهر آب/أغسطس.
التعاون التقني مع أوكرانيا كان ضرورياً لتطوير الصناعات الدفاعية الاستراتيجية، وهي جزء من خطط الحكومة التركية التي تهدف إلى تطوير قطاع الصناعات الدفاعية، من أجل ذلك تمّ توقيع اتفاقات تشمل التعاون التقني، وإقامة مصنع لإنتاج الدفاعات وتطوير طائرات الدرونز وغيرها من الأسلحة.
من نافل القول إن حزب العدالة والتنمية قام بتحوّل في سياسته وأيديولوجيته والتركيز على فكرة المصالح الوطنية والقومية، لذلك تركّز الحكومة التركية على الصناعات الدفاعية كجزء من جعل البلاد قوة إقليمية قادرة على تأدية دور رئيسي في عصر منافسة القوى العظمى.
الموقف الروسي من العلاقة مع تركيا
لن يؤدّي تسليم 5 قيادات من آزوف الأوكرانية إلى الخلل في العلاقة مع روسيا. لا أوهام لدى روسيا في انتزاع تركيا “إردوغان” من الناتو، بل على العكس يمكن الاستفادة من وجوده داخل كتلة الأطلسي. وهي ترى أن إردوغان لم يكن يوماً معادياً للغرب، هو يغضب من سياسات الولايات المتحدة التي تتجاهل مصالح بلاده ومصالحه الخاصة. كمثال دعم “قسد” في سوريا، وهي جزء من حزب العمال الكردستاني، في وقت شجّعته واشنطن مند بداية الحرب السورية على الدخول العسكري إلى سوريا وحماية المعارضة.
هو يعترض على سياستها في شرق المتوسط ودعم اليونان في وجه مطالب تركيا في الجزر وفي حصتها من الغاز والموقف من قبرص التركية. وهو استورد من روسيا 400 S بعد امتناع الولايات المتحدة عن مدّه بالسلاح وتلقّي عقوبات قاسية، لا يريد التصاقاً بسياسة الناتو وإنما تحقيق مصالحه ومصالح بلاده انطلاقاً من وجوده في الحلف الأطلسي.
عملت موسكو على دعم حرية القرار التركي المستقل فهو من مصلحتها، أما إردوغان فهو يوازن في العلاقة مع دول الجوار، وأكثرها أهمية إيران وروسيا. لم يبتعد كثيراً عن السياسة الأميركية في سوريا حتى في ليبيا وفي كاراباخ ومع أوكرانيا، ومحاولاته اختراق دول آسيا الوسطى، لكن ليس لمصلحتها إنما من أجل مصلحة تركيا في أن تكون دولة إقليمية قوية يحاورها الغرب، عمل حيث فشلت الولايات المتحدة.
وماطل إردوغان في تنفيذ الرؤية الروسية لحلّ الأزمة السورية، مع أن مصالحه تقاطعت مع مصالح موسكو في بعض مراحل الحرب السورية، وفي المصالح الاقتصادية المشتركة، وهو ما كان واضحاً في دعم موسكو له في الانتخابات الرئاسية، والمساعدات التي قدّمتها له لأنها تفضّل أن يكون في السلطة رجل قوي لديه تقاطعات معها، ومشروع لا يغيّر موقع تركيا، وألّا يكون الرئيس كلياً في حضن الغرب.
إردوغان على اتصال وثيق مع روسيا، ولا يعني أنه يعمل ضد مصالح الغرب، بل يمكنه أن يؤدي دوراً وسيطاً بين الغربيين وموسكو، بعد أن اعترف الدبلوماسيون الغربيون بأن بلدانهم ترغب في ترك قناة واحدة على الأقلّ مفتوحة مع روسيا، ومن الجيد أن تعمل من خلال دولة تابعة لحلف شمال الأطلسي.
رفض تركيا إجراء أي تعديلات على اتفاقية مونترو التي تمنح تركيا سيطرة مطلقة على مضيقي البوسفور والدردنيل كان في مصلحة الحفاظ على التوازن القائم، وعدم القبول بالوجود العسكري الغربي. هذا التوازن الذي أرسته تركيا بين الغرب وروسيا في البحر الأسود كان عملياً في صالح روسيا، وهو دليل ساطع على تأديتها دور التوازن بين القوى الدولية، إذ سلّطت الحرب الأوكرانية الضوء على أهمية إقليم البحر الأسود للأمن العالمي.
عملت كلّ من روسيا وتركيا على ترسيخ التوازن في منطقة البحر الأسود منذ انتهاء الحرب الباردة، وشدّدتا على ضرورة عدم وجود جهات خارجية في المنطقة. كسر التوازن لمصلحة الغرب لم يتحقّق وبهذا وضعت تركيا أمن البحر الأسود في يدها.
2023-07-15
تعليق واحد
التوازن هو ان يحتفظ بمسافة متساوية مع الجميع وهذا الفن لا يتقنه اردوغان حيث اصبحت الاعيبه مكشوفه وهو عنصر غير موثوق من جميع الاطراف . الطرف الامريكي يستغله ويحصل على مواقف منه بالتهديد والوعيد والطرف الروسي يسعى لتحسين وضع تركيا الاقتصادي وجره لموقفها وانت تكون تركيا مع الاتجاه الشرقي