إن التراجع الموضوعي لدور الهاشميين وتناقص قوتهم وقيمتهم، وفي الوقت ذاته تزايد قيمة وقوة الشعب الأردني، مفتاح لبدء تطوير برنامج عمل حقيقي لتمكين الشعب من استرداد السلطة والموارد. الأردن أكبر من المستبد الفاسد وعائلته، وأكبر من أن يتم تقديمه مكافأة للهاشميين لقاء ما قدموه – أو ما هم مستعدون لتقديمه- من خدمات. محاولة إدامة تغريب الأردن عن شعبه -كما جرى على مدى المئة عام الماضية- وإلحاقه بأدوار ومهام خارج السياق الموضوعي لعلاقات القوى، مهمة لا يمكن الاستمرار بتنفيذها في ظل تداعي أدوات الهيمنة على الشعوب.
إن التحولات الدولية والإقليمية موضوعية، إلا أن المستبد الفاسد عاجز عن اشتقاق الخيارات الصحيحة بفعل ثلاثة عوامل تؤدي إلى تقصيره في عملية التكيف وارتكابه “أخطاء ضرورية”. العامل الأول خضوعه لأفكار جامدة عن المُلك والحكم تجعله عاجزاً عن البدء بمسارات التطور وتغيير طبيعته (كما حصل مع الكثير من العائلات المالكة)، والثاني اعتماده على الدعم الخارجي كمصدر أساسي لقوته وديمومته في الحكم، ما جعله عاجزاً عن التخلي عن كونه مجرد امتداد للمرحلة الاستعمارية، تنحصر مهمته في منع إنفاذ إرادة الشعب في دولته. والثالث انه مثقل بشبكة مصالح محلية بنيت على الفساد لها مصلحة في محاصرته ودفعه لارتكاب المزيد من الأخطاء الضرورية. إذ يصر المستبد الفاسد وعائلته على أن يشتقوا من التحولات الراهنة خدع جديدة لإلهاء الشعب الأردني وتضليله، والاستمرار بنهج البطش بنشطاء العمل السلمي، على اعتبار أن بإمكانه إضعاف الشعب الأردني، والاستمرار بمصادرة إرادته، ومحاصرته ومنعه من تطوير وتشكيل البديل الفعال لمنظومة الحكم الراهنة.
تراجع قوة المستبد الفاسد وعائلته بسبب تناقص الدعم الخارجي لهم، يؤدي إلى تحول في ميزان القوى المحلي، ويتيح لنشطاء العمل الديمقراطي تقديم مشروع لاسترداد السلطة والموارد، وبناء الدولة الحقيقة التي تعبر عن القيم العليا للشعب الأردني وتخدم كل مكوناته.
محاولات المستبد الفاسد وعائلته البطش بنشطاء العمل الديمقراطي، لن يؤخر من انكشاف الخديعة، ولكنه يزيد ثمن لحظة الحقيقة القريبة. ولاغتنام تلك اللحظة بشكل إيجابي، على نشطاء العمل الوطني أن يقوموا ببذل جهود مضاعفة في التأسيس والبناء لمرحلة ما بعد الاستبداد والفساد.
إذ بالرغم من أهمية التصدي لأخطاء المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، إلا أن المشروع الوطني لا يكتمل بمهمة التصدي، ولا بد من العمل على التأسيس للبناء في المستقبل. إذ أن التصدي والبناء (معاً وبشكل متكامل) يمثلان ركني المشروع الوطني الذي يستند إلى كليهما معاً.
من جهة أخرى، يركز المستبد الفاسد كل جهوده لتصوير حركة التحرر الوطني الأردني على أنها مجرد مجموعات من الموتورين الحاقدين الغاضبين، لمنع تشكل البديل للوضع القائم. وتقديم البديل للوضع الراهن ضرورة لتبديد مخاوف شعبنا الأردني، وتشجيعه على الاندفاع نحو فعل التغيير بثقة، ما سيدفع الكثير من مراكز الثقل الدولي التخلي عن المستبد الفاسد.
ببساطة، إن قدرة الشعب الأردني ونشطائه على تقديم مشروع وطني حقيقي يستند إلى قواعد موضوعية واضحة، ويعد بمستقبل ممكن، سيكون أداة حاسمة لحشد وتفعيل قوى الشعب الأردني، وتبديد الكثير من مصادر قوة المستبد الفاسد وعائلته. فالنقيض الحقيقي للوضع الراهن، هو مشروع وطني متكامل يعيد بناء الأحلام على شكل قواعد عمل ومسارات محددة نحو المستقبل.
والتحولات الإقليمية والعالمية التي تجري في ظل صعود تقنيات جديدة في العديد من المجالات، يرافقها ازمة اختناق حادة في المنظومات المالية والتجارية والثقافية والأمنية السائدة. إذ أن سقوط بعض عمالقة المال العالميين وترنح آخرين، في سويسرا والولايات المتحدة، ليست سبب الأزمة الراهنة، ولكنه تعبير عن موضوعيتها ومدى عمقها. وعجز الأنظمة العربية، بما فيها الملك المستبد الفاسد في الأردن، لن يغير من حقيقة الازمة ولا من طبيعتها، ولا من الفرص المترافقة معها. واشتقاق الخيارات المناسبة، من قبل نشطاء العمل الوطني الأردني وبالتوقيت المناسب، سيحقق نصراً حاسماً، وإن بدت فرص هذا النصر غائمة. الازمة المالية عام 2008، لم تكن مجرد أزمة بنوك، بل نتجت عن تحولات كبرى تضمنت اسقاط الغطاء عن الأنظمة العربية، وبدء الربيع العربي، الذي كان حصاده أقل من حجمه وتضحياته، بسبب عدم جاهزية نخب التغيير للتكيف مع اللحظة التاريخية.
أخيراً، إن أنشطة تفكيك منظومة الاستبداد والفساد على قيمتها وأهميتها، لن تكون كافية وحدها للتخلص من الاستبداد والفساد، وستكون أقرب إلى عناصر الطبيعة التي قد يطول انتظار نتائجها. إلا أنها تكتسب قيمة استثنائية إذا تزامنت مع العمل على إضعاف المستبد الفاسد وحرمانه من عناصر الدعم الخارجي، وزيادة فاعلية ونتائج العمل التعبوي الساعي لحشد وتفعيل قوى الشعب الأردني في مواجهة منظومة الاستبداد والفساد.