في فيلمها القصير «بين الحروب» تلقي المخرجة الشابة «يارا بوريللو» الضوء على إشكالية كبيرة يعاني منها مجتمع اللجوء الفلسطيني في سوريا ولبنان، منذ سنوات ثلاث تقريبا.
وتقدم من خلال رؤية مشهدية فائقة الدقة، حيوات أشخاص فاعلين في تلمس مأساتهم، وهم ممن يعتبرون عادة «هامشيين» وفق توصيفات تلحظ المكان وشكل التعبير قبل أن تغوص في قراءة حقيقة الوجع الذي يعانيه أبطال المشهد.
تقدم «يارا» بطلاً متألماً لا تفارق الابتسامة شفتيه… ويبدو طوال الوقت قادراً على السخرية من وجعه ومعاناته .
تكسر بمهارة واضحة، صورةً نمطية للمعاناة تجعل المتحدث يجهد في رسم تعبيرات الألم ويديم الشكوى من الظرف الذي وجد نفسه محشوراً فيه.
هنا نرى نموذجاً مختلفاً يبدو مسلحاً بحصانة روحية هائلة، ومسكوناً بالكثير من الأمل، حتى لكأنه يجتاز مفازة ظرف استثنائي لن يطول.
بطل الفيلم، قل أبطاله، هم من الفلسطينيين اللاجئين منذ عام 1948 في سوريا. والذين انتقلوا إلى مخيمات لبنان وأطرافها بعد الحرب التي شنت على المخيمات الفلسطينية في سوريا.
ومن اللافت أن حنينهم إلى سوريا ومخيماتها، يشبه ذلك الحنين المقيم في قلوبهم لفلسطين، وحلم العودة إليها.
يروي الأبطال دون تكلف شكل حياتهم السابقة «هناك» (الهناك عنت دوما فلسطين. وهي هنا سوريا). في تلك المخيمات عاشوا حياة كريمة. حقا. لقد حظي الفلسطينيون اللاجئون في سوريا بمعاملة مميزة، ووفق معادلة رائعة: «الحفاظ على الهوية الوطنية مع حقوق إنسانية ومدنية كاملة».
في أماكن أخرى، كان الحصول على حقوق يساوي إنهاء الهوية الوطنية، وفي أخرى كان الحفاظ على الهوية الوطنية يساوي حرماناً كاملاً وقاسياً من الحقوق المدنية والإنسانية.
في سوريا كان المخيم شاهدا على النكبة، لكنه لا يعني الغربة، ولم يكن مكانا للمعاناة وغياب أسس الحياة الكريمة. كان هناك التعليم والصحة والعمل.. والتملك وحق الانتقال وممارسة النشاط السياسي. كل شيء ما عدا حق الترشيح والانتخاب.
أبواب الوظيفة العمومية كانت مفتوحة. هذا أمر أغضب الثورجي «هيثم المالح» والذي اتهم «الحكومة السورية بتشريع أبواب الوظيفة العمومية للفلسطينيين».
في الأمكنة التي لجأ إليها هؤلاء قادمين من مخيمات سوريا، يقومون بعقد مقارنات بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه.
ودون كثير عناء يدركون كماً هائلاً من الفروقات، ليس فقط بسبب تلك الأمكنة المرتجلة التي أفوا أنفسهم مقيمين فيها.
أكثر من ذلك فإن أقرانهم من اللاجئين إلى لبنان أصلاً يفتقرون إلى الكثير مما كان متوفراً وعلى نحو بديهي للاجئين في سوريا.
يعيش البطل على أمل العودة إلى «اليرموك» في جنوب دمشق، وآخر يسكنه الأمل بالرجوع إلى مخيم «حندرات» شمال حلب. وآخر وآخر.. لكن تلك الوقائع التي يقدمها الفيلم، تدفع إلى إلقاء نظرة على الواقع الذي صار إليه حال اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
لقد جرى تدمير كتلة فلسطينية ضخمة ومميزة بين مجتمعات اللجوء الفلسطيني. والقتلة الذين اجتاحوا مخيم اليرموك وهجروا أهله، ونهبوه، كانوا مدركين تماما لما يقومون به.
فاستهداف المخيم وهو الأكبر بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، كان الغرض منه ضرب كتلة متميزة، ناشطة ومتمسكة بحق عودتها، وتمثل خزاناً بشرياً متميزاً أيضاً للعمل الفلسطيني السياسي والمقاوم..والثقافي أيضا.
يؤرخ فلسطينيو سوريا لمأساتهم بذلك اليوم الأسود الذي اجتاحت فيه عصابات المسلحين المخيم، تحت عناوين شتى.
ولكن بهدف وحيد وأساسي هو: تدمير الوجود الفلسطيني في سوريا وقذف عشرات الآلاف منهم بعيداً عن سوريا بعيداً عن فلسطين.
أبطال «يارا» لا يفارقهم الأمل. شكرا يارا بوريللو.