بين الأشكنازيم .. والحريديم !
كتب ناجي صفا
يدور صراع عنيف في الكيان الصهيوني بين الاشكناز والحريديم حول هوية ووجهة هذا الكيان ، هل هو كيان ديني محض كما يريده الحريديم ، ام هو كيان علماني لكنه يهودي الهوية .
يعتبر الأشكنازيم الذين اتو من الغرب ان لهم الفضل في تأسيس هذا الكيان، وفي صناعة بنيته السياسية والفكرية والإدارية ، فهم الذين ساوموا الغرب وناقشوه وعملوا على الإستحصال على تلك الموافقة ( المأساة ) على انشاء هذا الكيان وجيشه وادارته وتنظيمه ، وهم من استقدموا اليهود من اصقاع الارض وجلبهم الى فلسطين ، وهم ايضا من استقدم الحريديم من الدول العربية ، من المغرب وتونس واليمن والعراق وبلدان اخرى، لتدعيم هذا الكيان بسكان جدد ولم الشمل اليهودي ، وهم من قاتل في سبيل هذا الكيان وخاض الحروب المتتالية، وهم من استقدم الشركات وبنى الصناعات الحديثة والمتطورة ، وهم الذين يخدمون في الجيش والقوات المسلحة على انواعها ، بينما الحريديم لا يخدمون في الجيش ولا تنطبق عليهم الخدمة الإلزامية، وهم يرفضون الإنضمام الى الجيش ويبررون ذلك بأسباب واعتبارات دينية .
بنيامين نتنياهو ينتمي بالاصل الى الاشكنازيم كونه جاء من الولايات المتحدة ، لكن بنيامين نتنياهو الصهيوني المتطرف واليميني، ومنشأه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين يؤمنون بضرورة عودة اليهود الى فلسطين لاجل ظهور المسيح وخوض معركة ماجدو التي ستكرس هيمنتهم على العالم انحاز الى الحريديم .
نتنياهو هذا ، المتطرف الصهيوني، هو شخص فاسد وسارق ، وملاحق من المحاكم الصهيونية هو وزوجته، بجرائم فساد ورشوة ، وهو معرض للدخول الى السجن عندما تسقط عنه حصانة رئيس الوزراء .
هرب نتنياهو الى الحريديم وارتمى في احضانهم لحمايته من المحاسبة، وفي سبيل بقائه على رأس السلطة التي يعشقها لإستمرار الحصانة .
استقبله الحريديم بالترحاب، فهم بحاجة اليه لإدخالهم الى جنة السلطة ، وتنفيذ برامجهم المتطرفة في تحويل المجتمع الإسرائيلي الى مجتمع ديني بالكامل ، وفق منظومة التوراة والتلمود والكثير من الشعوذات الدينية ، هم مجموعة من غير المثقفين سوى بالثقافة الدينية لانهم لا يدرسون في مدارسهم العلوم والتكنولوجيا وانما يقتصر تعليمهم على البعد الديني التوراتي ، على عكس الاشكنازيم الذين يمثلون النخب المنتمية الى الثقافة الغربية ، وقد نقلوها معهم عندما هاجروا الى فلسطين وبنوا دولتهم .
بنيامين نتنياهو المهجوس بالمحاسبة والخوف من الدخول الى السجن ، وجد في الحريديم ضالته، رغم انهم يمثلون حوالي ١٣ الى ١٧ % من المجتمع الإسرائيلي ، لكن نتنياهو بات اسيرا لهم ، وهو مضطر لان ينفذ برامجهم وتعليماتهم واسترضائهم لدرجة انه اقر لهم ١٤ مليار شيكل لمدارسهم. الدينية ، وقد اصبح سموترتش وبن غفير يتحكمون بقرارات نتنياهو ، تحت طائلة الاستقالة من الحكومة وإنفراط عقدها، وبما يترتب على ذلك من مخاطر على مستقبله السياسي ، وامكانية دخوله السجن .
حرضوه على معركة جنين وفرضوها رغم عدم قناعة الجيش بهذه المعركة ، ويحرضونه على احتلال الضفة والقدس وضمهما الى اسرائيل ، ويعملون على تطوير الإستيطان وانشاء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية لإستكمال تهويدها ، وهم يحملون مشروع ترنسفير جديد للشعب الفلسطيني، من الضفة ومن مناطق ٤٨ ، وهم يحرضون نتنياهو على مواجهة حزب الله وازالة الخيمتين اللذين نصبهما في شبعا وتلال كفرشوبا .
بنيامين نتنياهو الأسير لهؤلاء اراد ان يثمر احتضانهم له بما اسماه الإصلاح القضائي ، هو في الحقيقة الإفساد القضائي ، بحيث يكف يد القضاء عن ملاحقته ، ويضع القضاء تحت سلطة الحكومة ، بما يؤمن نجاته من المحاسبة، كذلك يؤمن له عودته الى السلطة في الإنتخابات القائمة .
ثارت ثائرة الاشكنازيم الذين شعروا ان الدولة تسحب من تحت اقدامهم وهم الذين انشأوها ويقودونها من خلال الدولة العميقة والجيش والمؤسسات الامنية والقضاء . نزلت المظاهرات الى الشارع بعشرات الآلاف بل مئات الآلاف اعتراضا على ما اسماه نتنياهو “الإصلاح القضائي” ، فهم يريدون الإبقاء على النموذج الغربي الذي ارسوه . لكن نتنياهو الذي لا خيار له، اكمل في مشروعه لحماية نفسه من القضاء مستقبلا، وهو ما زال مكملا رغم الإعتراضات ، ورغم مخاطر تفسخ المجتمع الإسرائيلي ، الذي بدأ يظهر بهجرة المؤسسات الصناعية الكبرى ، وخروج رؤوس الاموال ، وارتفاع معدل الهجرة ، لا سيما النخب التي باتت مقتنعة بإنسداد الافق امام هذا الكيان ، ناهيك عن جزء من الجمهور . يرفض عدد كبير من جنود وضباط الإحتياط الإلتحاق بالخدمة العسكرية اعتراضا على مشروع نتنياهو . لكن نتنياهو باق على مشروعه حتى لو هاجر نصف الشعب اليهودي ، فلا مانع لديه من ان يحكم النصف الآخر من الشعب اليهودي شرط ان يبقى بالحكم .
2023-07-16