بوسطن للاستشارات تهندس للإبادة!
كشفت صحيفة فاينانشال تايمز في تحقيق لها عن تورط مجموعة بوسطن للاستشارات (BCG) في التخطيط لمبادرات تتعلق بغزة، بما في ذلك نمذجة لمشروع “إعادة توطين” الفلسطينيين. وقد أشعل هذا التحقيق نقاشاً حاداً حول دور شركات الاستشارات الغربيّة العملاقة في السياقات الجيوسياسية الحساسة وتورطها المحتمل في أعمال مدانة على نطاق واسع باعتبارها إشكالية، إن لم تكن إمبريالية سافرة.
سعيد محمد*
كشف تحقيق نشرته فاينانشال تايمز اللندنية السبت الماضي عن صورة لمدى تورط BCG ، مجموعة بوسطن للاستشارات، في إدارة العدوان على غزة، وهي صورة أوسع بكثير مما أقرت به الشركة الأمريكية سابقاً. وكانت المجموعة قد ادعت بأنها شاركت بالفعل في تصميم مشروع “للمساعدة في إنشاء منظمة مساعدات تهدف إلى العمل جنباً إلى جنب مع جهود الإغاثة الأخرى.”– وهو المشروع الذي نفذته منظمة مشبوهة مرتبطة بالمخابرات الأمريكية وأدى حتى موعد نشر التحقيق إلى سقوط أكثر من 740 شهيداً ومئات الجرحى من المدنيين الفلسطينيين منتظري المساعدات -. ويظهر تحقيق فاينانشال تايمز أن مشاركة الشركة في هذا المشروع الذي أطلق عليه اسم “أورورا” استمرت سبعة أشهر بين أكتوبر / تشرين أول ومايو/ أيار الماضيين، وبلغت قيمتها أتعابها أكثر من 4 ملايين دولار، وعمل عليه مباشرة اثنا عشر موظفاً من المجموعة فيما ناقشه معهم في المراحل المختلفة عدة موظفين كباراً بمن فيهم مدير إدارة المخاطر في الشركة ورئيس ممارستها في التأثير الاجتماعي. والأهم من ذلك، أن فريق المجموعة قام ببناء نمذجة لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، والذي تضمن تقديرات التكلفة لإعادة توطين مئات الآلاف من الفلسطينيين من القطاع والتأثير الاقتصادي لمثل هذا النزوح الجماعي. وتوقع سيناريو واحد مغادرة أكثر من 500,000 من سكان غزة مع “حزم إعادة التوطين” بقيمة 9,000 دولار للشخص الواحد، أو حوالي 5 مليارات دولار إجمالًا.
وكانت المجموعة قد حاولت الكذب للتبرؤ من هذا المشروع بعد تسرب أنباء عنه، قائلة إن المستشار الرئيسي الذي عمل عليه “قيل له بشكل قاطع ألا يقوم بالعمل لكنه انتهك هذا التوجيه. لكننا كشركة نرفض هذا العمل الذي نعتبره انتهاكاً مباشراً لسياساتنا وعملياتنا. لقد أوقفنا المشروع، وأبعدنا مستشارين اثنين قاداه، ولم نتقاض أي رسوم، وأطلقنا تحقيقاً مستقلاً. نحن نتخذ خطوات لضمان عدم تكرار ذلك أبداً.”
تدير مؤسسة GHF الذي نفذت المشروع وفق تصميم بوسطن للاستشارات أربعة مواقع توزيع في غزة تختلف عن النماذج التقليدية في تقديم المساعدات الإنسانية وتدار وفق نظام عسكري الطابع ينفذه مقاولون أمنيون أمريكيون خاصون ويحرسه جنود إسرائيليون، ويعمل ضمن بروتوكولات تقول الدولة العبرية إنها ضرورية لمنع وصول المساعدات إلى (حماس). وقد وصفت الأمم المتحدة مؤسسة GHF بأنها “ورقة توت” للتغطية على أهداف الحرب الإسرائيلية على القطاع، بينما ترفض المجموعات الإنسانية التعاون معها. ولا يزال الغموض يحيط بتمويل المؤسسة، لكن حكومة الولايات المتحدة أعلنت الأسبوع الماضي أنها ستقدم 30 مليون دولار لدعماً لجهودها.
ويقول تحقيق فاينانشال تايمز أنه تم استقطاب بوسطن للاستشارات للمشاركة في هذا المشروع من قبل Orbis، وهي شركة مقاولات أمنية في منطقة واشنطن، لإعداد دراسة جدوى يبدو أن السلطات الأمريكية كلفتها بها بشأن مشروع مزعوم لتقديم مساعدات للفلسطينيين في غزة. وتم اختيار بوسطن للاستشارات تحديداً بسبب علاقتها طويلة الأمد مع فيل رايلي، العميل السابق في وكالة المخابرات المركزية الذي عمل مع كل من Orbis وكمستشار بدوام جزئي للشؤون العسكرية لدى بوسطن للاستشارات مع الشريكين الخبيرين بالشؤون العسكريّة مات شلوتر وريان أوردواي اللذين ادعت الشركة أنها قد فصلتهما من العمل.
باستخدام مشروع تم تفصيله من قبل فريق شلوتر، أسس رايلي في أواخر عام 2024 شركة سيف ريتش سولوشنز كمنظم أمني لجهود نظام المساعدات الجديدة. وبشكل منفصل، تم إنشاء مؤسسة جي أتش إف كواجهة لجمع التمويل للعملية من الحكومات المتعاطفة. ومن ثم تولى فريق بوسطن للاستشارات المكون من حوالي ستة موظفين على الأقل تقديم تخطيط أعمال أكثر تفصيلاً لكل من الشركتين سيف ريتش، وحي أتش إف.
بالطبع لا يمكن النظر إلى الحقائق التي كشف عنها تقرير فاينانشال تايمز بمعزل عن سياقها الأعم، حيث تندرج ضمن نمط أوسع من الانتقادات الموجهة ضد شركات الاستشارات الكبرى والتي يرى البعض أنها تلعب دوراً كبيراً، وإن كان غالباً غامضاً ومن وراء الكواليس، في إدامة الأنظمة التي تخدم الإمبريالية الحديثة وإسقاط الأنظمة المعادية للهيمنة الغربيّة. وفي حين أن بوسطن للاستشارات وأخواتها من الشركات المماثلة عادةً ما تؤطر عملها على أنه يهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية والكفاءة، لكن خبراء يقولون إن تدخلاتهم تزيد من ترسيخ اختلال المجتمعات، وتسهيل استنزاف الموارد، وتدعم الأنظمة الإشكالية، وبالتالي تعزز مصالح الدول والشركات الغربيّة على حساب السكان المحليين وسيادتهم دولهم.
وقد شاركت بوسطن للاستشارات مثلاً في تقديم المشورة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في كيفية توطيد سلطته الديكتاتوريّة وتطوير مشروعه “رؤية 2030” ما أثار انتقادات بسبب سجل المملكة العربية السعودية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك معاملتها للصحفيين والنشطاء والأقليات، وتورطها في الصراعات المدمرة في اليمن وسوريا.
وبخلاف المشاركة الحالية لبوسطن للاستشارات في مشروع (المساعدات) المزعومة لسكان غزة، انتقدت “مجموعة (The Mapping Project) ” الشركة لاحتفاظها بمكتب لها في إسرائيل وتقديم خدمات استشارية للشركات الإسرائيلية، قائلة إن ذلك يدعم احتلال الجيش الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واعتبرت تركيزها على تلميع الشركات التكنولوجية الإسرائيلية كجزء من جهد لرسم صورة إسرائيل” كـ “أمة للشركات الناشئة” تبييضاً لحكمها الاستعماري البغيض.
ومن المعلوم بأن مجموعة بوسطن لديها قسم خاص معني بتقديم استشارات وبناء استراتيجيات الطيران والدفاع لمطوري الأسلحة الأمريكية. ويعمل القسم مباشرة مع وزارة الدفاع الأمريكية، واستفاد بحسب التحقيقات استقصائية بمئات الملايين من الدولارات في عقود مع مختلف فروع القوات المسلحة الأمريكية. وتحدث ناشطون أمريكيون عن ظاهرة “الباب الدوار” بين وزارة الدفاع والشركة، حيث ينتقل مسؤولون دفاعيون سابقون إلى مناصب عليا في الشركة، ما يثير مخاوف بشأن تضارب المصالح وإدامة السياسات العسكرية – على سبيل المثال، ميشيل فلورنوي، وكيلة وزارة الدفاع للسياسة سابقاً، انضمت بعد تركها العمل الحكومي إلى بوسطن للاستشارات، وزادت عقود البنتاغون للشركة بعد ذلك بشكل ملحوظ -.
– لندن
2025-07-09