بوتين رفض إنذار الرّباعي الأوروبي، واقترح مفاوضات مباشرة مع أوكرانيا!
سعيد محمد*
رفض الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إنذاراً نهائياً من زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا بالموافقة على وقف إطلاق نار غير مشروط مع أوكرانيا أو مواجهة عقوبات متزايدة، لكنه اقترح إجراء محادثات مباشرة مع النظام الأوكراني في 15 مايو في اسطنبول لتحقيق ما يمكن أن يكون “استعادة لسلام دائم طويل الأمد إذا تم استيفاء شروط معينة”.
وقال بوتين في مؤتمر صحفي إنه يريد لهذه المحادثات إن عقدت معالجة ما أسماه ب”الأسباب الجذرية للصراع”.
وكان رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومستشار ألمانيا الجديد فريدريك ميرز قد وصلوا إلى العاصمة الأوكرانية (صباح السبت) على متن ذات القطار، والتقاهم هناك رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الذي وصل في قطار منفصل، حيث التقى الجميع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأصدروا بياناً مشتركاً من هناك طالبوا فيه الرئيس الروسيّ بقبول قبول وقف إطلاق النار غير المشروط لمدة 30 يوماً بحلول اليوم (الاثنين)، وإلا فستواجه روسيا عقوبات إضافيّة ونقل أسلحة إضافيّة إلى أوكرانيا.
وقال ستارمر في مؤتمر صحفي مشترك للقادة الخمسة في كييف “كلنا هنا، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، ندعو بوتين إلى القبول فيما إذا كان جاداً بشأن تحقيق السلام، فلديه فرصة الآن”، وأشار إلى أنه والزعماء الأوروبيين يطالبون “بوقف إطلاق نار غير مشروط”، لكنّه هدد بأنه إذا أدار الرئيس الروسي ظهره للسلام، “فسوف نرد، بالعمل مع الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب، ومع جميع شركائنا، وسنكثف العقوبات، ونزيد مساعداتنا العسكرية للدفاع عن أوكرانيا للضغط على روسيا كي تأتي صاغرة إلى طاولة المفاوضات “.
وزعمت مصادر متقاطعة أن أوكرانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وضعت قائمة بالتفاصيل حول تنفيذ وقف إطلاق النار وجوانب تسوية محتملة تضمنت 22 نقطة، وسيتم تسليمها إلى الكرملين من قبل المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، في وقت قريب. ووفقا لتلك المصادر التي تحدثت لصحف غربيّة فإن القائمة تلبي اشتراط موسكو بأن لا تدعم الولايات المتحدة طلباً لعضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ولم يعلّق ويتكوف من جهته على هذه المزاعم بعد.
ونشر وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، عبر صفحته على موقع إكس، صورة للقادة الخمسة وهم يتحلقون حول هاتف محمول وكتب أنّهم أجروا من كييف مكالمة (مثمرة) مع الرئيس الأمريكيّ “تركزت حول جهود تحقيق السلام”.
وأضاف الوزير: “أوكرانيا وجميع الحلفاء مستعدون لوقف كامل غير مشروط لإطلاق النار في البر والجو والبحر لمدة 30 يوماً على الأقل بدءاً من يوم الاثنين. وإذا وافقت روسيا وتم ضمان مراقبة فعالة، فإن وقفاً دائماً لإطلاق النار وتدابير بناء الثقة يمكن أن تمهد الطريق لمفاوضات سلام”.
ومع أن الجنرال كيث كيلوغ مبعوث ممثل الرئيس ترامب لأوكرانيا غرّد عبر إكس: “كما قال الرئيس ترامب مرارا وتكراراً، أوقفوا القتل! وقف إطلاق النار غير المشروط لمدة 30 يوماً أولا، والانتقال خلاله إلى مناقشات سلام شاملة. ليس العكس”، إلا أن تأكيداً لم يصدر بعد من البيت الأبيض سواء بشأن المكالمة أو ما إذا كان الرئيس ترامب قد قدم بالفعل التزامات محددة في حال رفض بوتين الدعوة إلى وقف إطلاق النار غير المشروط، لكن الإدارة الامريكيّة – التي تنخرط في مفاوضات ثنائية الجانب الروسيّ بغرض التوصل إلى تسوية حول النزاع في أوكرانيا – كانت سابقاً اعتبرت أن وقف إطلاق النار لمدة 30 يوما قد يكون خطوة أولى على طريق التوصل إلى اتفاق سلام مستدام، وقال نظام كييف حينها إنه مستعد لتنفيذ ذلك، فيما اشترطت روسيا من جانبها أن تتوقف جميع شحنات الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا.
وكان الرئيس ترامب قد قال لصحافيين سألوه في مكتبه بالبيت الأبيض (الجمعة) عما إذا كانت لديه رسالة للرئيس بوتين: “لدي رسالة لكلا الطرفين: أنهوا هذه الحرب”، مضيفاً: “أنهوا هذه الحرب الغبية. هذه هي رسالتي لكليهما”. وقد كتب على صفحته بموقع تروث سوشال بعد بيان القادة الأوروبيّين: “يوم عظيم محتمل لروسيا وأوكرانيا! فكّروا في مئات الآلاف من الأرواح التي سيتم إنقاذها حيث نأمل أن ينتهي حمام الدم هذا الذي وكأنه لا ينتهي. وسيكون ثمة عالم جديد تماماً، وأفضل بكثير”.
أول تعليق من الجانب الروسي على الإنذار لم يكن رسمياً، وكتب الرئيس السابق، ديمتري ميدفيديف، على موقع إكس: “كان من المفترض أن يناقش ماكرون وميرز وستارمر وتوسك السلام في كييف. وها هم بدلاً من ذلك، يوجهون تهديدات ضد روسيا. هل تعتقدون بأن ذلك بالأمر الحصيف؟ فلتضعوا خططكم للسلام في مؤخراتكم “. على أن وسائل الإعلام الروسية وشبكات التلفزيون الغربية اُستدعيت بعد ذلك إلى الكرملين، وبعد سبع ساعات من الانتظار هناك أطل الرئيس الروسيّ – حوالي الساعة 2 صباحاً بالتوقيت المحلي صباح الأحد -، فرفض بشكل قاطع الدّعوات لوقف إطلاق نار غير مشروط، لكنه قال إن بلاده مستعدة لإجراء مفاوضات مباشرة مع أوكرانيا، وأن وفدي البلدين يمكن أن يجتمعا في اسطنبول (بتركيا) يوم الخميس المقبل لبدء المحادثات، “حيث نحن لا نستبعد أن نكون قادرين خلالها على التوصل إلى اتفاق بشأن وقف لإطلاق النار”، مؤكداً على أن “روسيا مستعدة لإجراء محادثات جادة مع أوكرانيا وتريد حل الأسباب الجذرية للصراع”.
وغادر الرئيس بوتين المؤتمر الصحفي بعد إلقاء كلمته دون الإجابة على أي أسئلة، لكن مراقبين قالوا إن لهجة الزعيم الروسي بدت مدروسة بعناية في طريقة رفضه لمطالب القادة الأوروبيين كي تبدو موسكو في نظر الرئيس ترامب وكأنها تناور بشكل بناء ولا تضع عقبات أمام فرص التوصل إلى تسوية.
وقد أعلنت تركيا، عبر ما صرح به مكتب الرئيس طيب رجب أردوغان، عن استعدادها لاستضافة المحادثات بين روسيا وأوكرانيا. وكانت إسطنبول قد استضافت محادثات سابقة بين الطرفين.
وقد وصف ماكرون (أمس الأحد) اقتراح بوتين بإجراء مفاوضات روسية-أوكرانية مباشرة ب”خطوة أولى لكنها ليست كافية”، وقال إن “وقف إطلاق النار غير المشروط يجب أن يكون سابقاً للمفاوضات، لا لاحقاً لها”، وأن “الرئيس زيلينسكي التزم بتنفيذ وقف لإطلاق النار دون وضع أي شرط. ونتوقع الآن رداً واضحا بنفس القدر من روسيا، إذ لا يمكن أن تعقد مفاوضات بينما تتكلم الأسلحة. لا يمكن أن يكون هناك حوار إذا تم قصف المدنيين في الوقت نفسه”، مضيفاً أن الزعيم الروسي “يبحث بالتأكيد عن مخرج لكنه لا يزال يريد كسب مزيد من الوقت”. وكرر ميرز موقف الرئيس الفرنسي قائلاً إن عرض الرئيس بوتين بإجراء محادثات مع أوكرانيا “إشارة جيّدة”، “لكنّه بعيد كل البعد عن أن يكون كافياً”، وأكد على أن القادة الأوروبيين يتوقعون أن توافق موسكو على وقف إطلاق النار، “إذ يجب أن تصمت البنادق قبل أن تبدأ المحادثات.” وحذا حذوه تاسك، الذي كتب عبر إكس، “استجابة لندائنا، اقترح الروس محادثات سلام تبدأ في 15 مايو/ أيّار الجاري. ومع ذلك، فإن العالم ينتظر قراراً بشأن وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار. أوكرانيا جاهزة. لا نريد مزيداً من الضحايا”.
ولاحقاً أعلن زيلينسكي، عبر صفحته على موقع إكس، (صباح الأحد) عن إن بلاده منفتحة على مبدأ إجراء محادثات مباشرة مع روسيا في وقت لاحق من هذا الأسبوع، ولكن فقط إذا التزمت موسكو بوقف إطلاق النار غير المشروط أولاً، وكتب يقول: “لا جدوى من مواصلة القتل، ولو ليوم واحد. نتوقع أن تؤكد روسيا وقف إطلاق النار – الكامل والدائم والموثوق به – بدءا من الغد (أي الإثنين)، 12 مايو/ أيّار، وستكون أوكرانيا حينها مستعدة للاجتماع”، على أن رئيس أركان الجيش الأوكراني، أندريه يرماك، كان أكثر صرامة في تغريدة له على عبر تلغرام فكتب: “أولا وقف إطلاق نار (غير مشروط) لمدة 30 يوماً، ثم كل شيء آخر”.
على أن الرئيس الأوكرانيّ غيّر موقفه لاحقاً بعدما كتب الرئيس ترامب على تروث سوشال: “لا يريد الرئيس الروسي بوتين التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع أوكرانيا، بل يريد الاجتماع يوم الخميس، في تركيا، للتفاوض على إنهاء محتمل لحمام الدم. يجب أن توافق أوكرانيا على هذا على الفور، على الأقل سيكونون عندئذ قادرين على تحديد ما إذا كان الاتفاق ممكناً أم لا، وإذا لم يكن كذلك، فإن القادة الأوروبيين، والولايات المتحدة، سيعرفون أين يقف كل شيء، ويمكنهم المضي قدما وفقاً لذلك!”. وأعلن زيلنسكي أنه مستعد للقاء فلاديمير بوتين في تركيا يوم الخميس. ومع ذلك، فليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان الرئيس بوتين سيحضر شخصياً.
وفي تلك الأثناء استأنف الجيش الروسي عملياته الحربيّة وأطلق هجوماً بأكثر من 100 طائرة بدون طيار على العاصمة الأوكرانية لحظات بعد انتهاء وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس بوتين واستمر لثلاثة أيام من جانب واحد بمناسبة الاحتفالات بالذكرى الثمانين لسقوط برلين بيد الجيش السوفياتي وحسم الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازيّة.
لندن
2025-05-12