بزنس الرياضة…!
الطاهر المعز
نهائي كرة السلة الأمريكية

تزامن نهائي دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين ( NBA ) لسنة 2020 بين نادِيَيْ “لوس أنجلوس ليكرز” و “ميامي هيت” مع جائحة كوفيد – 19 وشاهده نحو 7,69 مليون شخصًا على شاشات التلفزيون، وبلغ عدد مشاهدي نهائي دوري موسم 2021 بين فينيكس صنز و ميلووكي باكس، على شاشات التلفزيون نحو 8,7 ملايين شخصأ، وبلغ عدد المشاهدين لنهائي 2022 بين غولدن ستيت واوروروز ونادي بوستون سلتيكس للمحترفين نحو 11,9 مليون مُشاهد على شاشات التلفزيون، و وانتهت المباراة الأولى لنهائي 2023، (يوم 13 حزيران/يونيو 2023) بين “ميامي هيت” و دنفر ناغتس”، بفوز دنفر ناغتس بنتيجة (104-93) وشاهدها على قناتَيْ التلفزيون (ABC وESPN 2) نحو 11,58 مليون مشاهد، وفاز ميامي هيت في المباراة الثانية بالنهائي بنتيجة 111-108، ويستضيف ميامي هيت منافسه ناغتس، يومي الأربعاء 14 والجمعة 16 حزيران 2023، آملاً استغلال عاملي الأرض والجمهور للفوز بلقب NBA، للمرة الرابعة في تاريخه
المال العام في خدمة الرياضة المحترفة والشركات الخاصة التي تديرها:
درجت وسائل الإعلام الرئيسية على المبالغة في الإبلاغ عن الحدث، وتعداد المكاسب الإفتراضية التي يمكن أن تنجر عن نهائيات الدوري الاميركي للمحترفين ومنها “النّعمة الإقتصادية” المُفترضة للمدينَتَيْن، دنفر وميامي، وينطبق نفس الأمر على أي بطولة وأي منافسات رياضية هامة في أي بلد من العالم…
تثير نهائيات الدوري الاميركي للمحترفين بكرة السّلّة أحاديث مستفيضة عن فُرص النمو وزيادة عدد الزائرين وإنفاقهم في قطاعات الفنادق والمطاعم والمتاجر والمتاحف وما إلى ذلك، وتتوقع صحيفة “فوربس” الأمريكية المهتمة بالثروة والأثرياء، أن دنفر وميامي “يتوقعان أن تجلب نهائيات الدوري الاميركي للمحترفين عشرات الملايين من الدولارات لاقتصاداتهما المحلية”.
هناك تناقُض صارخ بين الدراسات التي أجراها الاقتصاديون الأكاديميون من جهة وإصرار وسائل الإعلام السائدة، من جهة أخرى، على أن البطولات الرياضية المحترفة تُشكّل نعمةً للاقتصادات المحلية، فقد صمّم الباحثون العديدَ من النماذج المختلفة لتقدير تأثير استضافة هذه الأحداث على اقتصاديات المدن المضيفة وتأثيرها على نمو الوظائف، وعلى المبيعات الخاضعة للضريبة أو على متوسط الدخل الفردي، وتكشف جميع الدراسات تقريبًا أن تأهل فريق محلي للدور الأخير من بطولة كرة السلة للمحترفين الأمريكية (NBA) لا يؤثر بشكل إيجابي على هذه المتغيرات، فيما تشير بعض التحليلات إلى أن التأثير قد يكون في الواقع سلبيًا، وفقَ موقع الصحافي سين دينس ( seandines )
قدم الاقتصاديون عدة تفسيرات منطقية. يمكن أن تحفز الأحداث الرياضية التي تنظمها البطولات على استهلاك المتعصبين الرياضيين المحليين ولكن يمكنها أيضًا، في نفس الوقت دفع السكان المحليين إلى مغادرة المدينة مؤقتا لتجنب الإزدحام والضوضاء والعربدة في المقاهي والفضاء العام، أو إلى البقاء في المنزل لتجنب المضايقات والمتاعب، مما يلغي الأثر الإيجابي المُفْتَرَض لجمهور الرياضة وللمشاركين بشكل مباشر في الاحتفالات.
يمكن أن تحفز مِثْلُ هذه الأحداث الرياضية النشاط الاقتصادي في الجوار المباشر للملاعب، لكن هذا لا يُترجم عادةً إلى تحسن النمو في المدينة أو المنطقة ككل، لأن قواعد الإقتصاد تفترض مَيْل المستهلكين إلى الحدّ من إنفاقهم الإجمالي في حالة عدم وجود زيادة في دخلهم، وعادة ما يتم اتخاذ قرار الإنفاق على حدث رياضي كبير منظم محليًا على حساب الإنفاق في مكان آخر في المدينة، أو في قطاعات أخرى، وهو ما يسميه الاقتصاديون “تأثير الاستبدال”.
عندما تجتذب الألعاب الرياضية عددًا كبيرًا من المشجعين من خارج المنطقة، فقد يعني ذلك احتمال تحقيق مكاسب صافية للاقتصادات المحلية، لكنها مكاسب محدودة المَوْقِع والزمان، ولم تُظْهر الدّراسات أي حُجَّةٍ تدعم فكرة حشود الناس الذين يسافرون بقصد مشاهدة نهائي الكأس أو البطولة الرياضية، وينفقون مبالغ طائلة، لأن هناك وكالات تُنظّم هذه الرحلات الخاطفة، من مكان انطلاقها، ولكن من مكان وصولها، وتحتكر إيراداتها، ولذا يمكن لحدث رياضي قاري (كأس أوروبا، على سبيل المثال) أو حدث رياضي دولي (الألعاب الأولمبية أو كأس العالم) أن يجذب عددًا كبيرًا من الزوار من خارج المدينة ومن خارج البلاد ويمكن أن يكون له تأثير اقتصادي إيجابي، ولكنه غالبًا ما يكون هامشيا ومؤقتا، وعادة ما تكون النتيجة أقل من الوعد الذي تم تسويقه من قبل السلطات المحلية أو الوطنية…
بالإضافة إلى “الاستبعاد” و “تأثير الاستبدال” ، يشير الخبراء إلى ظاهرة اقتصادية أخرى، تُسمّى “التّسرّب”، تساعد في تفسير سبب فشل البطولات الرياضية في تحفيز النمو المحلي، إذ من النادر أن يُنفق اللاعبون المحترفون ومالكو النوادي داخل المُدُن التي تنتمي إليها هذه النوادي، فهم يسكنون عادة خارجها ويستثمرون خارجها أو يُهربون إيراداتهم وأرباحهم إلى الملاذات الضّريبية، فالنوادي مملوكة لشركات تختار مقر إقامتها الرسمية في مدينة أو بلد تكون فيه البنية التحتية جيدة النوعية، مع ضرائب منخفضة، وينطبق هذا الأمر على مالكي نوادي كرة القدم الأمريكية أو كرة السلة أو كرة القدم الأوروبية أو الأندية الرياضية الأخرى.
لذا ما الذي يجعل وسائل الإعلام الرئيسية تواصل ترويج الادعاءات الكاذبة حول التأثير الإيجابي على الإقتصاد المحلي لنهائيات الدوري الاميركي للمحترفين؟ السبب هو أن المراسلين الذين يغطون الحَدَث يريدون إرضاء الجمعيات التجارية المحلية، وأصحاب الأعمال المجاورة للملاعب والساحات، والسلطات البلدية، ويتم تصميم المقالات والتحقيقات والبرامج التلفزيونية بهدف اكتساب صداقة السلطات المحلية والحصول على عقود الإشهار، مقابل بث الأوهام لدى عموم المواطنين، وسبق أن أثارت المجموعات الأوروبية غير الرِّبْحِيّة وشجبت الآثار السلبية للألعاب الأولمبية في برشلونة أو أثينا أو لندن، والتي لم تجْنِ منها الشعوب سوى الديون وتدمير الأحياء الشعبية وعمليات إخلاء السكان الفقراء من المناطق القريبة للملاعب الجديدة والبنية التحتية الضرورية لمثل هذه الأحداث الرياضية، التي تُمجّد التقارير الصحفية الفوائد الاقتصادية الخيالية لمثل هذه الأحداث بشكل حصري، وتقتصر التقارير على مساهمات الأشخاص الذين لديهم مصلحة مباشرة في إبراز التأثير الإيجابي الوهمي، مثل أعضاء المجلس البلدي أو الغرفة التجارية، الذين يحاولون جذب المستثمرين والسائحين، وتتجنب مقالات وسائل الإعلام المحلية نشر آراء الباحثين الأكاديميين المستقلين أو الاقتصاديين أو خبراء التخطيط الحضري، لأن للصحف المحلية تاريخ طويل من التقارب المشكوك فيه مع السلطات السياسية والاقتصادية المحلية…
هناك أيضًا تكاليف عامة “خفية” ( غير ظاهرة للوهلة الأولى) مثل البنية التحتية العامة الإضافية، والإعفاءات الضريبية لحيازة الأراضي ولبناء ملاعب جديدة، والإعفاء من تسديد الرّسُوم، فضلا عن خدمات الدعم التي تقدمها المجالس البلدية، وتمثل هذه التكاليف (غير المعترف بها) ما بين 30% و 56% من إجمالي النفقات الرأسمالية المتكبدة لبناء مرفق رياضي.
تساهم التقارير التي تبيع الأحداث الرياضية المحلية كحدث ذي مردود اقتصادي إيجابي، في إقناع جمهور المواطنين المحليين بقبول الطلبات المستمرة لزيادة مبالغ المنح والامتيازات للرياضة المحترفة، من المال العام، انطلاقًا من تلك الفَرَضِيّة الخاطئة التي تدّعي إن البطولات وتنظيم الأحداث الرياضية “نعمة اقتصادية”، ولذا يتقبل الجمهور دعم النوادي (وهي شركات خاصة تخضع لقوانين المنظومة الرأسمالية) لزيادة إيراداتها وتمتين عودها، ومع ذلك، إذا أدركنا التّأثير الإيجابي المحدود للغاية، وربما السلبي، لهذه البطولات على الاقتصادات المحلية، وجب طَرْحُ السؤال التالي: لماذا تنفق أموال دافعي الضرائب على الرياضات الاحترافية بدلاً من التعليم العام أو الصحة العامة أو النقل العام أو الإسكان؟
نهائي دوري نوادي أوروبا لكرة القدم :
أقيم نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم يوم السبت 10 حزيران/يونيو 2023، في مدينة اسطنبول التركية، بين نادي مانشستر سيتي (Manchester City ) الإنغليزي الذي تمتلكه منذ 2008 هيئة حكومية إماراتية، ونادي إنتر ميلان (Inter Milan ) الإيطالي الذي تمتلكه منذ 2016 شركة توزيع الإلكترونيات الصينية “Suning” المقربة من الحكومة الصينية، ما يجعل من كل من الناديَيْن جزءًا من خطَّتَيْنِ جيوستراتيجيّتَيْن، تحول بموجبهما الناديان إلى لوحات إعلانية لدولتَيْن، وليس لشركَتَيْن، وتتم رعاية مانشستر سيتي من قبل شركات أبوظبي مثل شركة الطيران “الإتحاد” المملوكة للدولة والتي تم تسمية ملعب النادي على اسمها، أما الرعاة الرئيسيون لإنتر ميلان فهي شركات صينية مثل Lenovo أو Hisense أو Volvo التي اشترتها شركة Geely الصينية.
استثمرت الإمارات في 12 نادٍ رياضي آخر في أوروبا (كرة القدم) والأمريكتين (كرة السلة) لتشكل هذه الاستثمارات أداة سياسية وجيوستراتيجية، ومنذ سنة 2015 تقاربت مصالح الصين مع مصالح الإمارات في عدّة مجالات، بما في ذلك الاستثمار المشترك في الأندية الرياضية، بالتوازي مع تطور المشروع الصيني “طرق الحرير الجديدة” الهادف إلى تعزيز البنية التحتية الدولية وتطوير التجارة، ما أتاح إطلاق صندوق التعاون المشترك سنة 2015.
اتفقت الدولتان على التعاون (بدلاً من التنافس) في مجال إدارة الموانئ في جنوب أوروبا أو في القرن الأفريقي أو في أماكن أُخْرَى، وحصل نفس الشيء في مجال كرة القدم، كوسيلة لتحقيق الأهداف الأساسية الأخرى لكل من أبو ظبي وللصين.
حظيت مباراة الدّور النهائي للأندية الأوروبية لكرة القدم، يوم العاشر من حزيران 2023 بإشهار كبير وتغطية إعلامية هامة لكن الفائزيْن الأكبر في المباراة بين مانشستر سيتي وإنتر ميلان، هما الإمارات والصّين…
ضخت الإمارات مبالغ كبيرة مَكَّنَتْ نادي مانشستر سيتي من شراء لاعبين جدد واختيار مدرب وطاقم إداري وفني قادر على تحويل النادي إلى منافس جِدِّي على جميع الألقاب، بإشراف المُدرّب الإسباني “بيب غوارديولا” (مُدرّب نادي برشلونة السابق) وفاز مانشستر سيتي ببطولة الدّوري الإنغليزي بنهاية موسم 2022/2023، وبلغت إيراداته، خلال الموسم الرياضي الماضي 613 مليون جنيه استرليني، أو نحو 717 مليون يورو، وارتفعت القيمة الإجمالية لنادي مانشستر سيتي إلى 4,073 مليارات يورو لتصبح أعلى من قيمة ريال مدريد المُقدّرة ب4,006 مليار يورو…
يُتوقّع أن يتحسّن الوضع المالي لنادي مانشستر سيتي بعد الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا، ليتصدّرَ أندية كرة القدم العالمية على مستوى الإيرادات سنة 2022، بنحو 800 مليون دولارا، بعد أن كان في المرتبة العشرين، وأدّت هذه الشُّهْرَة إلى ارتفاع العائدات التجارية التي فاقت حصّتها 51% من إجمالي إيرادات النادي، بفضل عدد من الرعاة في مقدمتهم شركة «طيران الاتحاد» التي تدفع ل«مانشستر سيتي» أكثر من ثمانين مليون دولارا سنوياً لوضع شعارها على قمصان اللاعبين، بحسب موقع «فوتبول بينش مارك» التابع لشركة «كي بي إم جي» للاستشارات المالية، وهي القيمة الأعلى لإعلان على صدر القميص بين أندية كرة القدم، وأصبح نادي مانشستر سيتي علامة تجارية تفوق قيمتها “ريال مدريد”، الذي كان إسمُهُ أعلى العلامات التجارية لأندية كرة القدم خلال السنوات الأربع الماضية، وفقاً لتقييم موقع «براند فاينانس»، الذي قدّر قيمة العلامة التجارية لنادي مانشستر سيتي بنحو 1,56 مليار يورو، بزيادة تتجاوز 50 مليون يورو عن ريال مدريد الذي حلّ بالمرتبة الثانية للأندية الأعلى قيمة في أوروبا، بحسب تقرير نُشر يوم الخميس 08 حزيران/يونيو 2023، قبل نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، حيث يحصل الناديان على نحو ستين مليون جنيه استرليني، إضافةً إلى إيرادات البث التلفزيوني التي تقدر بنحو 260 مليون جنيه إسترليني، ويَحْصل الفائز على مبلغ إضافي تفوق قيمته ثمانين مليون جنيه إسترليني، وفق صحيفة «تليغراف» البريطانية.
بلغت إيرادات نادي مانشستر سيتي، خلال الموسم الرياضي الماضي 613 مليون جنيه استرليني، أو نحو 717 مليون يورو، وتُقدّر القيمة الإجمالية لنادي مانشستر سيتي ب4,073 مليارات يورو وقيمة ريال مدريد ب4,006 مليار يورو…
2023-06-18