بأي اذن ستسمع العرب تصريحات ترامب؟
د. هاني الروسان
ليس مهما ان نضع ما يقوله ترامب في خانة الجنون او الاحلام او في دائرة رفع وتيرة التهديدات والمخاطر التي سترفع من منسوب مستويات توسيع نطاق الفوضى والاطاحة بخطوط خرائط التحالفات الاقليمية التي لم تتغير منذ الحرب العالمية الثانية وحافظت على هدوئها النسبي باستثناء بعض التغيرات الجزئية هنا وهناك، لان الاهم من كل ذلك هو بأي اذن ستسمع العرب هذه الاقوال، والتي عليها تتوقف امكانية وضع هذه الاقوال في خانة الدلالات الرمزية للمثل الشعبي الذي يقول ” على بال مين يلي بترقصي بالعتمة “.
واي قول خارج نطاق قول ان السعودية وقطر والامارات العربية المتحدة او ما يسمى بدراسات العلوم السياسية بدول قلب قيادة النظام العربي، هي وبالدرجة الاولى والاساسية تتحمل المسؤولية التاريخية عن تشكيل الخارطة السياسية للاقليم الى 500 عام قادمة، فانه قول يدخل ان لم يكن قولا متواطئا فانه منافق ومتردد ورهاناته ساقطة من الان حيث كل تردد يؤدي دائما للهزيمة ولنا الى ما آل اليه نظام البعث السوري وما سيؤل له محور المقاومة وايران في مقدمته، عبرة لا زال لهيبها يتوسع، وكانت تصريحات ترامب الاخيرة احدى شواءاتها المتواصلة والتي لن تتوقف شرق اوسطيا الا ان رغبت بذلك دول القلب تلك.
واي تأخير في المسارعة لدعوة القمة العربية لاجتماع طارئ على جدول اعمالها نقطة واحدة وحيدة وهي الاعلان الجماعي العربي عن قيام دولة فلسطينية مستقلة على الاراضي التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ثم النظر في تطبيق بنود مبادرة قمة بيروت عام 2002، والتهديد بأن تحقيق هذه الخطوة يقع تحت طائلة اعادة النظر بالعلاقات العربية مع دول النظام الدولي، واعادة ترتيبها بما يوفر السلام الاقليمي الدائم والمستقر، اي تأخير خارج هذا السياق سيكون ضرورة هو التعبيرات المادية عن الاذن العربية التي سمعت ترامب وهي اذن العادة اذن السمع والطاعة، وعندها على كل الاطراف ان تتحمل مسؤولية النتائج التي سيكون عليها مستقبل امن الاقليم الذي لن يتحقق وجوده ولا يتوقف البدء به على ترحيل الفلسطينيين الى القطب المتجمد الشمالي ولا على القضاء على السلطة الفلسطينية واستبدالها بحفنة من العملاء ولا بسحق حماس والجهاد وغيرهما من الفصائل المسلحة لان كل ذلك لم يكن اكثر من تجسيدات متغيرة وعوارض لنفس المرض المسمى باسرائيل التوسعية العدوانية وعدم انصياعها لرغبة الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في السلام وتطوير المنافسة العادلة بين الشعوب.
وهنا نعود لنكرر ان الشعب الفلسطيني منفردا لن يكون بوسعه ان يحقق اكثر من تطوير صور صموده وان يبدع في اجتراح سبل التعايش مع المستحيل وان يقاوم شروط الامحاء والابادة الوحشية التي شهد العالم اخر فصولها بغزة، ويعيشها الان في مخيمات الضفة الغربية، غير انه وحيدا لا يستطيع ان يحقق النصر لا عسكريا ولا حتى سياسيا رغم الانجازات الضخمة التي تحققت في هذا السياق ونجاحها في كسب معركة الشرعية الدولية التي بقيت حبرا على ورق، الا اذا تحركت الارادة العربية واتخذ قرارا بالانتصار، عندها فقط يمكن للشعب الفلسطيني ان يستكمل شروط هذا الانتصار الاخرى.
وايضا نعود لنكرر ان الواقعية في رفض الدول العربية خارج دول قيادة النظام ستبقى محدودة التأثير وانها لا تكفي لارغام الولايات المتحدة على القبول وتنفيذ حل الدولتين، الا ان ذلك لا يعني ان هذه الدولة لا تمتلك من بعض اوراق القوة التي تمكنها من مقعد فاعل على طاولة المفاوضات، فالتهديدين الاردني والمصري بالغاء معاهدات السلام مع اسرائيل والعودة لاحتمالات استئناف الصراع سيكون لها اثرها البالغ جدا كما سيكون لقرار الامارت والبحرين التهديد بالغاء ما يسمى بالسلام الابراهيمي نفس الاثر.
لقد بات مؤكدا ان النهج القديم في التعامل العربي مع الافعال والنوايا الامريكية والاسرائيلية لن يجدي نفعا، كما انه لن يوفر لخطط التنمية الاقليمية التي يجري الاعداد لها الان اي مناخ آمن للاستمرار، لان الامن شرطه ورديفه العدل، وانه للمحافظة على امن الاقليم وتأمين شروط تطوره فانه لا بد من ازالة كل عوامل التوتير والتفجير والتي تشكل الحقوق الوطنية الفلسطينية لبها وقلبها، وان التذرع ببعض فوضى البيت الفلسطيني الداخلي للاحجام عن اتخاذ القرارات التاريخية الضرورية سيؤدي الى تفاقم ازمة الاقليم وتوسيع نطاقها، هذا بالاضافة الى ان احد الاسباب الرئيسية لهذه الفوضى هي السياسات الاسرائيلية المتعمدة ضد السلطة الوطنية الفلسطينية باستمرار محاولات اضعافها وعدم تمكينها من اي انجاز يمكن ان تقدمه للشعب الفلسطيني وتسحب من خلاله البساط تحت اقدام القوى والاطراف التى تؤكد ليلا ونهارا على عبثية المفاوضات التي تضاعف في ظلها الاستيطان الاسرائيلي عدة اضعاف وصار بناء الدولة المستقلة من قبيل المستحيل، ثم ان حالة البيت الفلسطيني لا تختلف عن حالة البيت الاسرائيلي ولا حالة اي بيت في اي دولة في العالم حيث تتعدد وجهات النظر والمواقف الاحزاب والتنظيمات وغيرها من اشكال التنظم التي تعكس حيوية اي مجتمع.
وباختصار وبدون ادنى شك فان الكرة الان في شباك دول قيادة النظام العربي حيث ان الوقت ينفذ امامها في ظل تسارع خطوات توسيع جغرافية اسرائيل الذي يجد في الصلف الامريكي والصمت العربي ارضية مناسبة للمضي الى الامام، وان هذا التوسع بالقدر الذي سيكون فيه خطرا على مصير القضية الفلسطينية، فانه سيكون خطرا اشد على امن الاقليم بكل دوله وانه سيكون تمهيدا لجولة اخرى من العنف والفوضى الي ستعيق كل مشاريع واحلام التنمية الاقليمية.
استاذ الاعلام في جامعة منوبة
2025-02-10