اين الخلل في قراءة بطاطو؟
علي عباس.
هل وقع قرّاء بطاطو في خطأ حينما ظنوا أنه انصف تاريخ العراق المعاصر؟
الخطأ يأتي من خلل في القراءة تحت هيمنة الاعجاب او هالة التقديس التي يصنعها التسويق عادة، ويصنعها أيضاً الرأي الشعبي.. وفي حالة بطاطو الامر شديد الوضوح فهو المصنّف أنه باحث حيادي. فضلاً عن غياب النقد الموضوعي والتاريخي للكتاب، بسبب من اهمال المتابعة التاريخية لتأريخنا إلا لماماً، خصوصا إهمال ذوي الاختصاص.
يتحدث “حنا بطاطو” في كتابه الشهير (العراق) في اكثر من مكان، عن “ثورة العشرين”، عندما يمر ذكرها من عفو خاطر ربما ، لكنه بالتأكيد بلا دقة علمية تأريخية. فهو يكرر ما أشيع عنها؛ “إنها كانت ثورة عشائر وسادة”.
في الحقيقة انه في هذا الاستنتاج “العفوي ربما”، إنما يصب ماء ناعوره في الفذلكة الاستعمارية والصهيونية التي حاولت وتحاول دائماً ان تشكك بالعراق بوصفه وطناً.. وهذه واحدة من مئات من المآخذ على كتاب بطاطو (العراق..).
السؤال هنا موجه لكتاب بطاطو “العراق”: هل كانت ثورة العشرين ثورة شيوخ عشائر وسادة؟
لنقرأ التاريخ بعيداً عن بطاطو..
كان لثوار ثورة العشرين جريدتان هما (الفرات ) و (الاستقلال) اللتان صدرتا بعد انطلاق الثورة بأكثر من شهر، واللتان بدتا كما لو أنهما كانتا إعلاناً عن موقف وعن تشخيص القوى والناس الذين كانوا يعملون في تنظيم وعي الثورة وتنظيم قرارها الوطني والاقتصادي، ومطالب التحرر. والجريدتان أيضاً تكشفان عن أهم اسباب انطلاق الثورة.
فقد تناولت الجريدتان مواضيع اقتصادية ومعيشية تتعلق بتحويل الزراعة نحو الانتاج من اجل التصدير لا من أجل سد الحاجات المحلية. ونددتا بالسياسة الضريبية التي استنها المحتلون وارهقت ابناء الشعب قاطبة نتيجة خفض الاجور وارتفاع معدلات الغلاء، وأنارتا الوعي حينما تناولتا حجم الاستغلال البشع ونددتا بالقوانين، رغم قصر حكم المحتلين آنذاك.
اضف الى ذلك تنديد الصحيفتين بالتعتيم الاعلامي وخنق الحرية الصحفية والفكرية وامور اخرى.
لكن من الواضح أنّ السبب الاقتصادي كان هو السبب الأول في انبثاق الثورة، وأحتل المركز من اهتمام الثوار.
وسيجد من رغب في الوقوع على الحقيقة؛ أصدق صورة لهمِّ الثورة ومطالب الثوار ما جاء في العدد الأول من جريدة (الفرات) الذي صدر في 7 آب 1920، جريدة الثائرين الصادرة في النجف التي حررها الثوار آنذاك.
فقد كتبت الفرات كاشفة عن الاستغلال وما يتعرض له الناس بسبب القوانين الاستعمارية الاقتصادية. موجهة خطابها الغاضب الى وكيل الحاكم العام البريطاني “ارنولد ويلسون” قائلة باسلوب فصيح وواضح:-
(“لقد هدمتم هذا الركن (ركن الأمن المعيشي) بمقالع السياسة.. فتراب كل منطقة يشهد بأنكم سلبتم الحب من منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم، وضاعفتم الخراب اضعافاً للزراع فأصبحوا يسألون الناس الحافاً وانتم تسألونهم فوق الجهد، وتكلفون نفوسهم فوق الوسع، أهذا عدلكم؟”).
هذا الصورة النقدية للنظام الاستعماري تكشف بوضوح طبيعة ثورة العشرين وأسباب الصراع. وهي ليست كما وصفها بطاطو بشكل عابر، ومن دون ان يسميها او يذكر تاريخها بانها “نزاعات وتدفقات للمشاعر المضطربة… وحوادث التفاني والتضحية… التي لا تمحى على حساسية الكثير من العراقيين” ج2- ص40-41
2020-07-28