هل الدولة الوطنية في عالمنا المعاصر ملزمة بالتكيف مع النظام الدولي الراهن الذي تغلب عليه الان عولمة الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي في نموذجها الامريكي؟
كظرف وجودي فأن العولمة ستتحكم فينا وفي احوالنا شئنا ام ابينا، ناسبنا ذلك ام لم يناسبنا، فان ذلك يعني اننا طرف في نشاطات العولمة ومتأثرون بنتائجها حتما حتى وان لم نساهم في صنع مقدماتها الا بسلبيتنا وعدم قدرتنا على المشاركة فيها او معها. وعلى هذا الاساس يبدو من غير الممكن “ان نفكر في موضوع العولمة على انه شيء خارج عنا، لنا الخيار في قبوله او رفضه كأن نضع امامنا خيارين، اما الاستسلام للخسارة او الانسحاب من اللعبة، الاستسلام في لعبة الوجود يعني الانحلال والانقراض، اما الانسحاب فيعني العدم”. لذلك، فأن السؤال المطروح ليس سؤال هل نقبل او نرفض؟ هل نشارك او نعتزل؟ وانما السؤال هو “كيف يمكننا ضمن معطيات وحدود الوضع الراهن تغيير مجرى احداث اللعبة لصالحنا؟” ومن يرغب في تبني خيار التغيير لا بد له من توفير المتطلبات التي تؤهله لتطبيقه والتصدي من خلاله لاشتراطات العولمة ومواجهة ارغاماته، وتتمثل هذه المتطلبات في:
1- استخدام خيار التغيير ايجابيا للتصدي لاشتراطات عولمة النظام الرأسمالي العالمي الجديد، ومواجهة ضغوطها وارغاماتها بالتفاعل وليس بالعزلة والانغلاق
2- استخدام خيار التغيير في اطار العولمة وضمن سياقاتها، لان العولمة الراهنة لكل اشكال النشاط الانساني الفكري والعملي، تضر والى حد التلف والدمار بكل تفكير وعمل يصر على البقاء على محليته ومحدوديته.
3-استخدام خيار التغيير، في ظل امتلاك مقومات الاقتدار اللازم لتبنيه وتطبيقه، ان لم يكن بهدف تحقيق الانتصار وتغيير واقع النظام الدولي وتعديل مساراته وتصحيح توجهاته بشكل كلي وشامل، فعلى الاقل بهدف الخروج من المواجهة دون هزيمة تطيح بالرافضين بشكل نهائي.
وحيث ان اول مقومات اقتدار الدولة واهمها هو (النمو الاقتصادي)، واول واهم ركائز هذا النمو ومستلزماته هو (الاستقرار السياسي)، لأن “انعدام الاستقرار السياسي يمكن ان يخنق عملية النمو”، فهذا يجعل من الاستقرار السياسي اول واهم مقومات اقتدار الدولة. ولكن الاستقرار السياسي هو الاخر له مقوماته التي من اولها واهمها (الشرعية السياسية) شرعية الدولة والسلطة الحاكمة فيها، لتكون الشرعية السياسية بذلك هي اول واهم مقومات الاستقرار السياسي الذي هو اهم مقومات النمو الاقتصادي الذي هو اول واهم مقومات اقتدار الدولة. وبتطبيق قانون الاستعاضة الرياضي على هذه المعادلة ستكون الشرعية السياسية هي اول واهم مقومات قوة الدولة وقدرتها على تبني خيار التغيير وتنفيذه بشكل ناجح وناجع، اذ تستمد الدولة من هذه الشرعية شروط استقرارها واستمرارها، ومقومات نموها وقدرتها على تحديد اهدافها ووضع خططها وصنع سياستها واتخاذ قراراتها وتنفيذها، ولما كانت الشرعية في صورها وتجلياتها الحديثة كلها، قد غدت نتاجا انسانيا اجتماعيا، فلا هي بالمنحة الالهية ولا بالنتاج الطبيعي او الصناعي الذي يمكن الحصول عليه عند الطلب، فانها وكأي نتاج انساني اخر تستلزم عمليات دائمة ومستمرة لأنتاجها واعادة انتاجها بأستمرار، ولهذه العمليات اشتراطاتها الاساسية التاريخية المحكومة بالارادة الانسانية، واول هذه الاشتراطات والمرتكزات واهمها “العولمة وما يقترن بها من تحولات في الحياة اليومية هي يقينا الاساس الذي ترتكز عليه الضغوط من اجل تحقيق المقرطة في فترتنا الراهنة”، لأن سياقات هذه العولمة لا تستدعي الاخذ بالديمقراطية فحسب، بل وتستدعي ايضا تعديلها وتحسينها عبر “مقرطة الديمقراطية داخل نطاق الحكم الديمقراطي الليبرالي”. فأن ذلك ينتهي بنا الى الاستنتاج بأن اول اشتراطات ومرتكزات قدرة الدولة على مواجهة ضغوط العولمة واشتراطاتها وارغاماتها لتغييرها، ليس فقط الاخذ بالديمقراطية بمعنى المبادئ والقواعد والاليات والمؤسسات الضامنة لمشاركة المواطنين في العملية السياسية، بل وايضا تبني اشكال معدلة او مبتكرة من هذه الديمقراطية بما يضمن ويحقق مشاركة اجتماعية اكثر فاعلية وتأثيرا في الشأن السياسي بعد ان ولدت العولمة ومازالت تولد دواع مستجدة للأخذ بالديمقراطية وتعديل ما هو قائم منها او ابتكار اشكال جديدة لها.