انعكاس قرارات ترامب على الاقتصاد العالمي!
اضحوي جفال محمد*
من مميزات الاقتصاد أنه أكثر قابلية للوضوح والفهم من السياسة. في السياسة يأخذ الرأي مساحة واسعة بينما في الاقتصاد تتسع المساحة للارقام. فتقييم قرار سياسي مثلاً لا تدخل فيه الارقام.. على سبيل المثال قررت دولة تحسين علاقاتها السياسية مع دولة اخرى.. يجد المتتبعون انفسهم يناقشون آراءً واجتهادات غير قابلة للاثبات اليقيني. اما اذا قررت تحسين علاقاتها الاقتصادية فإن الارقام اول ما يطفو على السطح من تبادل تجاري ومبالغ استثمارية.. الى آخره.
والقرارات التي اتخذها ترامب اقتصادية اي ان الحديث عنها يتعلق بأرقام، والارقام تقول بوضوح ان الاقتصاد العالمي يواجه خطر الركود وربما الانكماش. خذ مثلاً ان العراق يستورد 100 الف سيارة سنوياً وفقاً للاسعار الحالية، فهل يبقى الرقم على حاله اذا ارتفعت اسعار السيارات بنسبة %50 مثلاً؟ طبعاً لا، وانما ينخفض الاستيراد بمعدل معين. تلك مسألة علمية لا مكان فيها للآراء. والذي فعله ترامب وبمنتهى الوضوح أنه رفع أسعار كل السلع عالمياً.. فقد فرض رسوماً وردت الدول الاخرى بفرض رسوم، وهذه الرسوم يتحملها المستهلك لأن الشركة المصنّعة غير مستعدة للبيع بخسارة. وحتى السلع غير المشمولة ظاهرياً بالرسوم فإن الرسوم تتسرب اليها من خلال المواد الاولية للانتاج. مثلاً شركة هندية تنتج سيارات للسوق المحلية فقط، يفترض للوهلة الاولى انها غير معنية بهذه الضجة وبذلك تبقى اسعار سياراتها كما هي! وهذا غير صحيح لأن كثيراً من المعادن الداخلة في الانتاج مستوردة وقد تغيرت اسعارها بسبب الحرب التجارية فتضطر الشركة الهندية لرفع اسعار سياراتها على المستهلك الهندي كي لا تخسر. اذن ومن خلال النظر الى هذا الارتفاع الحتمي للاسعار الناتج عن حرب الرسوم سيتقلص الاستهلاك العالمي. فاذا كان السوق العالمي يستهلك 100 مليون سيارة سنوياً وفقاً للاسعار السابقة ينخفض استهلاكه الى 70 مليون بعد فرض الرسوم. وبذلك تخفض الشركات انتاجها، وطبعاً التخفيض يلحقه تخفيض استيراد المواد الاولية الداخلة في الصناعة، ويلحقه ايضاً تسريح لملايين العمال. وملايين العمال المسرّحون تنقطع اجورهم فتخسرهم السوق كمستهلكين لأنهم يتوقفون عن شراء اشياء كثيرة كانوا يشترونها اثناء تشغيلهم. فتتضرر المصانع التي خسرتهم كمستهلكين وتقوم ايضاً بخفض الانتاج… هكذا هي الدورة الاقتصادية التي تضرب العالم لسنوات قبل ان يبدأ الانتعاش من جديد وترتفع معدلات النمو. وحين يستعيد الاقتصاد عافيته بعد سنوات لا يعود كل شيء الى ما كان عليه لأن شركات كبرى قد افلست وانتهت، ودولاً عديدة سحقتها الازمة فلا يبقى التسلسل الاقتصادي للدول كما هو وانما تتغير مراتب الدول بين قفز الى أمام او تراجع الى الخلف.
وعليه فإن قرارات ترامب أدت وستؤدي الى تراجع خطير في عموم الاقتصاد العالمي يستمر لسنوات، تخرج منه بعض الدول مضعضعة ودول اخرى مستفيدة. وتلخيص ذلك بعبارة واحدة ان النظام الدولي انتهى ونحن الان في بداية نظام دولي جديد.
( اضحوي _ 2102 )
2025-04-08
