انسحاب الناتو من العراق: نهاية المهمة أم بداية العمل في الظل؟
زهراء نعيم
تضغط الولايات المتحدة على حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإنهاء مهمته في العراق خلال الأشهر المقبلة، في خطوة تُقدَّم رسميًا على أنها جزء من “تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الدفاع الأوروبي”. غير أن هذه الرواية تبدو بعيدة عن تفسير حقيقة ما يجري على الأرض، خاصة في ظل التصعيد المتزايد مع إيران، وفي منطقة لا تزال تُعد إحدى أهم ساحات النفوذ الأميركي في العالم.
مهمة الناتو في العراق، التي أُنشئت عام 2018، والتي وصفت بأنها “بعثة تدريب واستشارة لدعم المؤسسات الأمنية ومنع عودة تنظيم داعش”. لم تكن يومًا مقنعة لشريحة واسعة من العراقيين التي لطالما اعتبرت وجود قوات أجنبية مسلحة على الأراضي العراقية منذ عام 2003 احتلالًا صريحاً.
كما كان هناك رفض شعبي وسياسي دائم في العراق للوجود الأجنبي، سواء كان تحت راية الناتو أو تحت العلم الأميركي أو أي مسمى آخر. فالقوات الأجنبية لم تدخل بطلب شعبي، ولم ترتبط بجدول زمني واضح للمغادرة، بل بقيت جزءًا من منظومة نفوذ تتحكم في المجالين الأمني والاستخباراتي وتنتهك السيادة العراقية باستمرار.
كما أن الادعاء بأن مهمة الناتو تقتصر على “التدريب ومكافحة الإرهاب” يتناقض مع طبيعة الانتشار العسكري الغربي نفسه. فالقواعد العسكرية المتطورة، وأنظمة المراقبة، والطائرات، وشبكات التنسيق الأمني العميقة، كلها تشير إلى دور يتجاوز بكثير مجرد تأهيل قوات محلية. ومن الصعب تصور أن تحالفًا عسكريًا بهذا الحجم ينشر قواته لأهداف تعليمية بحتة.
الأرجح أن الوجود الأطلسي في العراق شكّل غطاءً دوليًا لنشاط استخباراتي وعسكري يخدم المصالح الأميركية أولًا. فالعراق يقع على تماس مباشر مع إيران، ويجاور سوريا، ويطل على الخليج، ما يجعله نقطة مثالية للرصد وجمع المعلومات والتأثير في توازنات المنطقة. من هذا المنظور، يصبح الحديث عن “محاربة داعش” مجرد عنوان سياسي يسهل تسويقه، لا الهدف الحقيقي للوجود.
لكن إذا كان العراق بهذه الأهمية الاستراتيجية، فلماذا تدفع واشنطن الآن نحو إنهاء مهمة الناتو فيه؟ هنا تحديدًا يبرز التناقض. فالانسحاب الكامل لا يخدم الولايات المتحدة في ظل احتمال المواجهة المفتوحة مع إيران، بل يضعف قدرتها على المراقبة والضغط. لذلك، فإن الاحتمال الأقرب ليس مغادرة حقيقية، بل إعادة تشكيل للحضور.
قد تسعى واشنطن إلى إنهاء الغطاء الأطلسي متعدد الجنسيات واستبداله بوجود أقل وضوحًا وأكثر مرونة، سواء عبر قوات خاصة. بهذه الطريقة، يمكن تقليل الضغوط السياسية الداخلية في العراق، وتخفيف استهداف القواعد الكبيرة، من دون خسارة الموقع الاستراتيجي.
كما أن القواعد الثابتة التي تضم قوات متعددة الجنسيات تصبح أهدافًا سهلة في أي مواجهة واسعة. أما الانتشار المحدود وغير المعلن فيوفر قدرة أكبر على المناورة ويقلل الكلفة البشرية والسياسية. ومن هنا قد يكون “الانسحاب” خطوة وقائية لإعادة التموضع قبل مرحلة أكثر توترًا.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار وجود الناتو يمنح القوى الرافضة للوجود الأجنبي حجة واضحة ومباشرة. وإزالة هذا الوجود -شكلياً فقط- قد تمتص الغضب الشعبي، بينما تبقى أدوات النفوذ الحقيقية قائمة بأشكال أقل وضوحًا. فالنفوذ لا يتطلب دائمًا قواعد ضخمة أو أعدادًا كبيرة من الجنود، بل يكفي أحيانًا التحكم في مفاصل أمنية أو معلوماتية أساسية.
في النهاية، يصعب التعامل مع الخطاب الرسمي حول مهمة الناتو في العراق. فالتجربة الممتدة منذ الغزو الأميركي أظهرت أن الشعارات المعلنة — من نشر الديمقراطية إلى مكافحة الإرهاب — لم تكن سوى أكاذيب ملفقة للتستر على الأهداف الأساسية.
ما يجري لا يبدو نهاية للوجود الغربي في العراق، بل تحولًا في شكله وأدواته. فواشنطن قد تقلص حضورها العلني، لكنها على الأرجح لن تتخلى عن موقع يعد من أهم نقاط الارتكاز في الشرق الأوسط.
2026-02-23