اعلن رسميا نهاية خرافة معاصرة في اهم مركز لها، بتحرير جامع النوري الكبير، في مدينة الموصل الحدباء، ام الربيعين، الذي اعلن “الخليفة” وهمه او من وظفه له فيه منتصف حزيران / يونيو 2014 ، والذي لم يجد تنظيمه وسيلة اخرى للتعبير عن هزيمته وهروبه غير تفجيره وتدميره، وهو فضلا عن حرمته كبيت للعبادة تراث ديني ومعلم تاريخي وكنز حضاري معترف به عالميا، ليثبت هذا التنظيم بذلك او ليكرس تطرفه وغلوه واهدافه واستخدامه لاجلها.
دخلت قوات الامن العراقية بكل صنوفها وتشكيلاتها واسمائها اطلاله وانقاضه واثاره محررة له، موقعا ومكانة ورمزا معبرا عن نهاية فترة وبداية مرحلة. ساعة التحرير بيان نصر لكل من اشترك في عملية التحرير، واعلان هزيمة لكل فلول الخرافة منذ اعلان عام 2014، وحتى لمن سبقه. وفي التحرير هذا انتهت تلك الخرافة في المدينة اولا، ولكن المعارك مستمرة والحرب لها ابواب وصفحات، قد تكون بعد النصر اصعب من دوي المدافع وصواريخ الطائرات.
صحيح طالت المدة، اكثر من ثلاث سنوات، تحكم تنظيم ما سماه الاعلام “داعش” في هذه المدينة، وغيرها، واختلطت الاوراق في الاسباب والعوامل والدعم والاسناد، من البيئة الحاضنة والنصرة لبقائه، وتوظيف الاعلام بكل وسائله وبقدرات متميزة وطاقات متنوعة، وتقبل الوقائع الاجرامية ابتداءا، الى ما دار خلال الفترة وما مد بها ولها، وما حملته من اثر ومن مساهمات خيالية من اطراف متعددة، محلية وخليجية واقليمية وتخادم على مختلف الاصعدة. ينبغي الا تنسى ولا تمر دون حساب. بعد يوم من اعلان دخول داعش المدينة (2014/6/10) وتمكنه من السيطرة عليها، هاتفني صديق عربي اكاديمي مختص بالجماعات الارهابية متسائلا عن الظروف والامكانات والكيفية التي تمت بها الجريمة وهو اعرف بتجارب مثلها في اماكن ومناطق وحجج اخرى. اتذكر قلت له ان ما جرى يمكن وصفه بفقاعة كبيرة متقنة الصنع ولكن لا يمكن ان تعيش طويلا رغم كل الظروف والانحيازات والاستقطابات او الاستغلال لجرائم التنظيم والاستثمار فيها لتنفيذ مخططات ابعد منه. ولعل ما حصل هو جزء من مشروع كبير تقوده دول وتعمل عليه قوى وتصرف له مليارات من الدولارات.. ومهما استمر زمنيا فالنتيجة واضحة عندي، ستكون في يوم ما، قريب بارادة الشعب وخيار القوى الوطنية والخيرة وعزيمة التحرير والتغيير… وجاء هذا اليوم، نهاية شهر حزيران/ يونيو 2017. انتهى تنظيم داعش عسكريا ومعنويا، ولكن خلال الفترة الماضية وما سبقها صنّع التنظيم بشكل او اخر تعبيرا عن مشروع سياسي وفكري واهداف، وشُكّل له، علنا وسرا، مناورة ومواربة، تشكيلات موالية وموازية وعاملة على موروثه لانتهاز مواقع لها في الابتزاز والانقسام، تهديدا او تضمينا… وهو ما ينبغي الانتباه له والحذر منه، فالخطر لم ينته بعد، بل قد ياخذ اشكالا اخرى له.
انتهت الفقاعة بجهود دماء الشهداء والكثير من التضحيات البشرية والمادية، بحجوم كبيرة، عددا وكمية وتركت وشوما متنوعة. وهذا يتطلب الا تذهب هباء، يتطلب اعادة التفكير في كل ما سبق، في الاساسيات، في المواقف، في المسيرة، في النتائج، والتداعيات. بمعنى ان مهمات الانتصار لما تزل كبيرة ايضا. في عمران الارض والانسان، والحاضر والمستقبل.
لماذا حصل ما حصل؟ وكيف ظل سائدا طيلة السنوات من عمره في العراق؟!. اسئلة كثيرة وتفتح ابوابا من التساؤلات؟!. الجواب عليها سيسجله التاريخ، ويضع امام الجميع مهمات صعبة متوالية مما حدث وماذا بعد، ولكنها تبدأ من الانطلاق من الان وما بعده، من فعل التحرير الى صنع التغيير، والعمل على عدم تكرار ما حدث، او استنساخه بالوان اخرى، وهذا اختبار حقيقي لمعدن الوطنية الحقيقية، والموقف الوطني الصادق والمخلص، وصعود روح الاشتراك والنضال سوية، كتفا الى كتف، يدا بيد، بنزاهة النوايا وشجاعة الوفاء، لعراق موحد، حر، مستقل، وديمقراطي تقدمي.