اميركا تغازل أعضاء البعث المنحل فهل تعيد رموز حقبة صدام للواجهة السياسية؟
سعد الفاعور* أسقطت أميركا وأنظمة الخليج، حليفهم السابق صدام حسين، وظنوا أنهم قادرون على استبداله بأداة أخرى، طيعة، وطوع اليد، ولا تعصي لهم أمراً، فخيب شيعة العراق ظنهم، وحال شيعة العراق وحشدهم الشعبي ومن خلفهم إيران دون تحويل العراق إلى مستعمرة أميركية. فتباكت أميركا على خطئها الفادح بغزو العراق، وعبرت عن ندمها باسقاط نظام صدام حسين! أدركت واشنطن ومعها أنظمة الخليج أن أقصى ما استطاعت انتزاعه في العراق، هو ولاء الكرد والسنة، فحاولوا إيهام مسعود البرزاني أن لحظة الحقيقة لبناء وطن قومي قد حانت وشجعوه على اعلان الانفصال وعدم الاكتفاء بالحكم الذاتي بدعم صهيوني إسرائيلي، لتجزئة العراق وتحويله إلى دويلات، وفشلوا. مرة أخرى، حاولت واشنطن ومعها أنظمة الخليج تأسيس (الصحوات) جماعات مسلحة سنية موالية لأميركا وأنظمة الخليج وفشلوا. تبنت واشنطن وأنظمة الخليج حارث الضاري زعيم السنة ورتبوا له اجتماعات مع المخابرات الأميركية في فنادق إسطنبول وعمّان ودبي والدوحة ليصنعوا منه “رجل كرسي” أميركي جديد في العراق وفشلوا. أرسلت الأنظمة الخليجية إرهابيين وتكفيريين وانتحاريين إلى العراق ودمروا ونسفوا وفجروا المساجد والحسينيات والمراقد والأسواق التجارية وحتى المدارس، فتوحد الشارع العراقي ضدهم، وفشلوا. إيران وحدها هي من صنعت المقاومة في العراق وأجبرت المحتل الأميركي على الانسحاب. إيران سلحت ومولت المقاومة وأرسلت العبوات الناسفة والقذائف الصاروخية وأسلحة القناصة، والأميركيون يتهمون الإيرانيون بالمسؤولية عن قتل الآلاف من جنودهم في العراق. إيران وشيعة العراق والحشد الشعبي هم من هزموا جرذان “النيتو” والدواعش وأدوات أميركا ومشروعهم في العراق وسورية لتفتيت المنطقة وبناء الشرق الأوسط الجديد، ولولا إيران وشيعة العراق والحشد الشعبي، لمال الكرد وسنة العراق إلى أميركا ولارتموا بحضنها وبحضن حلفائها الخليجيين وبنوا ممالكهم الصغيرة في أربيل وداهوك والسليمانية ويعقوبة والخالدية ولرأينا في العراق ثلاث حكومات وثلاثة أقاليم وثلاث دول وربما في داخل كل إقليم أو دولة رأينا إمارة وهابية وأخرى إخوانية وثالثة داعشية، وفي الشمال ربما رأينا إمارة للتركمان برافعة من نظام رجب إردوغان وأخرى للملا مسعود البرزاني وأخرى لشقيقه وربما ثالثة لنجله وبدعم إسرائيلي! اليوم، أميركا المراوغة وصاحبة النفس الطويل، تعيد الكرة، وتصر على الاحتفاظ بموطئ قدم في العمق العراقي، ولو من وراء ستار، فهي أدركت استحالة الاحتفاظ بقواعد عسكرية في العراق وللأبد، فسعت لعقد صفقة سياسية تستعيض بها عن الوجود العسكري المباشر بنفوذ سياسي مباشر، فهي أشعرت الإيرانيين أنها سترحل عسكرياً عن العراق، وستبدأ مطلع حزيران المقبل في لملمة أطراف الهزيمة ومغادرة القواعد العراقية، لكنها ستحتفظ بنفوذ سياسي لا يسمح بأن تستأثر إيران وحلفائها العراقيين بإدارة دفة السياسة والنفط والاقتصاد والتجارة في العراق. فواشنطن تختار رجلها في بغداد، وفي مقابل ذلك تعترف أيضاً بالثقل الإيراني في الشارع العراقي، وترفع العقوبات عن ايران وتسمح لطهران بتزويد بغداد بالكهرباء وإقامة المشاريع المشتركة بما يخفف من احتقان الشارع ووقف المظاهرات التي هي مصلحة مشتركة لإيران وحلفائها العراقيين ولأميركا ولرجلها الكاظامي الذي سيدير دفة الحكم فيبدو كما لو أنه من استطاع وقف المظاهرات والافراج عن المعتقلين ومحاسبة الفاسدين. الصفقة سمحت بتصعيد واشنطن مصطفى الكاظمي، رجلها المطيع، إلى سدة المشهد السياسي في العراق، وهي لا تكتفي بذلك بل تحاول الانفتاح على رفاق صدام ورموز حقبته السابقة، من البعث المنحل، معلنة ومعترفة بذلك فشل مشروعها في العراق، ومعلنة أنها لم تستطع أن تطوع البيت الشيعي، كما طوعت البيت السني والكردي، ومعلنة فشل قانون “بول بريمر” وأنها ستعيد رموز البعث للواجهة السياسية. مرة أخرى، شيعة العراق ومن خلفهم إيران كانوا سبباً في هزيمة مشروع “بول بريمر”، رغم أن من استفاد من هزيمة مشروع بريمر هم أعضاء البعث المنحلين المسكونين بثارات الطائفية والمذهبية، لكنها ثارات غير موجهة ضد معتقلات الاحتلال الأميركي التي سامتهم الهوان والذل بل موجهة ضد جارتهم إيران الشيعية التي طهرت بلادهم من العدو الأميركي الذي احتل بلادهم، ولاحقاً طهرت بلادهم من جرذان “النيتو” والدواعش الذين استباحوا الأرض والعرض خدمة للصهيوني والأميركي، وإيغالاً في مشروع التفتيت والتقسيم. في إطار اللعبة الأميركية لمغازلة أعضاء حزب البعث المنحل، أرسلت سفارة واشنطن في المنطقة الخضراء وقبل التصويت بالثقة على مصطفى الكاظمي، طائرة خاصة إلى قطر، وأحضرت عدنان درجال، صديق عدي صدام حسين، ليصار إلى تعيينه وزيرا للرياضة والشباب بحكومة الكاظمي، ثم سرعان ما أعلن الكاظمي عن إعادة البعثي عبدالوهاب السعدي لرئاسة جهاز مكافحة الإرهاب. وقد سبق اللحظات الأخيرة من التصويت على منح الثقة للكاظمي، منح 6 مقاعد وزارية لكتل سنية في البرلمان العراقي. إنها ببساطة حقبة الغزل الأميركي بالبعث العراقي، في محاولة يائسة لإعادة مصالحة بعثيي العراق وإعادة إحياء حقبة صدام حسين المعادية بالفطرة والآيديولوجيا لإيران الشيعية، في استغلال وضيع وجديد للمناخ الإقليمي، بهدف استعداء الشيعة وإيران لا خدمة للعراقيين بل خدمة للمشاريع الأميركية والصهيونية وأدواتهما. التاريخ القريب، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن صدام حسين كان أكبر من خدم المشروع الأميركي في المنطقة خاصة فيما يتعلق بتنفيذ الأجندة الأميركية والإسرائيلية في استعداء الثورة الإسلامية الإيرانية الوليدة ومحاولة إجهاضها، وأميركا تعبر علانية اليوم عن ندمها للإطاحة بصدام، وهي تحاول اليوم إعادة رموز حقبة صدام للواجهة، فهل يصبح العراق رأس حربة أميركية في حرب عدوانية جديدة ضد إيران؟