امبريالية القرن الواحد والعشرين وضرورة مقاومتها!
الطاهر المعز
ساهمت المُنتَديات الإجتماعية العالمية والمنظمات “غير الحكومية” وبعض النقابات – منذ منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، ومباشرة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي – في ترويج مصطلح “العولمة” أو “الرّأسمالية المتوحشة”، وكأنها حقبة جديدة من تطور الرّأسمالية، وكأن الرأسمالية كانت غير مُتوحّشة في يومٍ مَا، والواقع إن العولمة إحدى حلقات سلسلة تطور الرأسمالية، فالشركات التي تتمكّن من السيطرة على الأسواق الدّاخلية تبحث عن المواد الأولية خارج بلدانها الأصلية والبحث عن أسواق جديدة لتوسيع نطاق ترويج إنتاجها وقد أشار كارل ماركس وفريدريك إنغلس إلى هذه المسألة منذ سنة 1848 في الصفحة الأولى من كراس “البيان الشيوعي، وأدّى انْتِشار مُصْطَلَح “العَوْلَمَة” بهذا المفهوم الذي روّجته المنظمات “غير الحكومية”، إلى تهميش النقاش حول جَوْهر الإمبريالية، وارتكز أساسا حول نقد النيوليبرالية التي أدّت إلى احتداد التنافس بين الشركات الإحتكارية الكُبْرى وزيادة تركيز رأس المال بين أيدي قلة من الرأسماليين، حيث فاقت ثروة ثلاثة من كبار أثرياء العالم حجم الناتج الداخلي الخام لثماني وأربعين دولة، فيما يموت مواطن من الأطراف كل أربعة ثواني جوعا، بفعل تعميق الفجْوَة بين البلدان وزيادة علاقات الاضطهاد، وأدّت كذلك إلى تفاقم الأزمة الإقتصادية والإجتماعية في بلدان الأطراف، بفعل تعزيز علاقات السيطرة التي فرضتها رأسمالية دُوَل “المركز” على بلدان وشعوب “الأطراف” التي تم نهْبُها وتحويل ثرواتها إلى “المَرْكز”، فضلا عن احتداد الصراعات بين القوى الإمبريالية الكبرى…
ضيّقت “العَوْلمة” النيوليبرالية هامش “التنمية السريعة” الذي سمح خلال القرن التاسع عشر لألمانيا واليابان ببلوغ مرحلة القوى العظمى، ومنافسة الإمبرياليّتَيْن الفرنسية والبريطانية، وهو ما لم يتوفّر للبرازيل أو الهند أو كوريا الجنوبية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين بفعل زيادة التّدخّل العسكري الأمريكي والأطلسي، وبفعل تحويل القيمة المحدثة في الأطراف لصالح رأسماليي المركز، وتدهور المبادلات وانخفاض العائدات المالية والأرباح الصناعية لبلدان الأطراف وفقدان استقلالية القرار الإقتصادي والسياسي، كما تضرّرت معظم بلدان الأطراف من هروب الثروة ورأس المال ومن شروط الدّائنين كتخفيض قيمة العملة الذي يُؤدّي إلى ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض قيمة الدّخل الحقيقي للمواطنين، وتسببت مثل هذه الإجراءات في انهيار اقتصاد ضخم مثل الأرجنتين، في بداية القرن الواحد والعشرين، وتأثرت معظم البلدان التي تعتمد إيراداتها على تصدير المواد الأوّلية التي انهارت أسعارها، فضلا عن تخصّص هذه البلدان في إنتاج سِلَع وخدمات ذات القيمة المضافة المنخفضة، وبذلك تَدَهْوَرَ الميزان التجاري، وتفاقمت المديونية العمومية، وفرض الدّائنون وفي مقدّمتهم صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي خصخصة مؤسسات القطاع العام وبَيْع أُصُول الدّولة…
أدوات الهيمنة “النّاعمة”
فرضت الإمبريالية الأمريكية على دول أمريكا الجنوبية اتفاقيات أدّت إلى إنشاء منطقة التبادل الحر للأمريكيتين (ZLEA) وهو مشروع الاستراتيجي يهدف توسيع الصادرات الأمريكية إلى أمريكا الجنوبية، والحَد من الصادرات الأوروبية، والإستحواذ على المؤسسات الإقتصادية التي تتم خصخصتها، مما يجعل من اتفاق ZLEA معاهدة استعمارية جديدة تفرض فَتْح أسواق أمريكا الجنوبية مع عدم السّماح بإنتاج أمريكا الجنوبية بدخول سوق الولايات المتحدة، وعرقلة دخول حوالي ثلاثمائة منتوج من أمريكا الجنوبية إلى أسواق الولايات المتحدة من خلال رفع الرسوم الجمركية على النحاس والحديد والإنتاج الفلاحي والمنسوجات وما إلى ذلك، وعدم تحويل التقنيات المتطورة إلى أمريكا الجنوبية، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات حمائية ودعم القطاع الفلاحي في الولايات المتحدة لمنافسة صادرات أمريكا الجنوبية من الصويا والقمح والذرة، وبذلك أدّى اتفاق ZLEA إلى انهيار اقتصاد أكبر بلدان أمريكا الجنوبية كالبرازيل والأرجنتين ومجمل البلدان نصف المُصَنّعة، وإلى انهيار الاتفاقيات الإقليمية مثل “ميركوسور”، وزيادة تَبَعِيّة اقتصاد بُلدان الأطراف والتّبعية المالية وتحويل الموارد من الجنوب إلى الشّمال، في إطار التقسيم الدّولي للعمل الذي يُمثّل شكلا جديدًا من الإستعمار الذي لا يتطلّب بالضرورة الغَزْو العسكري، وإن كانت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية لا تتردّد في استخدام القُوّة العسكرية وفي تكديس الأسلحة وتعزيز الصناعات الحربية وميزانية الجيش…
تمَكَّن صندوق النقد الدولي، الذّراع الإقتصادية والمالية للإمبريالية، من التّحكّم بشكل مباشر في القرار السياسي والإقتصادي لبلدان الجنوب بفعل ففقدانها السيطرة على اقتصادها، مما عَمّق التّبعية، مع تعزيز دور البرجوازية الكُمبرادورية التي تدعمها وسائل الإعلام و”المثقفون العضويون” للرأسمالية الذي يُروّجون “شَرْعِيّة هذه التبعية” وارتباط الإقتصاد بالشركات الأجنبية العابرة للقارات وإعادة الإستعمار بأشكال جديدة، ويُباركون تنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي “كحلّ لا بديل له”.
عادت الدبلوماسية الأمريكية منذ العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين إلى سياسة “العصا الغليظة” أمريكا الجنوبية (كولومبيا وهايتي وفنزويلا والأرجنتين…) وفي يوغوسلافيا ورواندا وأفغانستان والصومال وسيراليون، وتنصيب حكام عُملاء لها في هذه البلدان وغيرها، وتشديد شروط النهب الإمبريالي لمواردها، بموازاة توسيع حلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا، وتحديث القواعد العسكرية الأمريكية وإعادة توزيع القوات العسكرية وتنويع ولامركزة هيئات القيادة، وتكثيف تمرينات الجيوش الأمريكية بهدف إنجاز الإنتشار المتزامن لعشرات الآلاف من الجنود في عشرات البلدان واجتياح أي بلد تريد الإمبريالية الأمريكية الإطاحة بحكومته…
منعرج أيلول/سبتمبر 2001
تُراهن الإمبريالية الأمريكية على إعادة تنشيط اقتصادها – خصوصًا بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 – بإطلاق برنامج ضخم لإعادة التسلح بهدف توسيع العدوان على العراق وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وليبيا، فالولايات المتحدة لا تمثل سوى 5% من سكان العالم، وتنفق أكثر من 40 % من مجموع الميزانيات العسكرية العالمية، وتبرز هيمنة الإمبريالية الأمريكية من خلال بعض الأرقام، حيث تَعُود مِلْكِيّة ال500 شركة الأكثر أهمية إلى رأسماليين أمريكيين بنسبة 48% و30 % لرأسماليين أوروبيين و 10 % لرأسماليين يابانيين، وأصبح صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والمنتدى الإقتصادي العالمي مراكز للتفاوض بين مختلف الشركات التي يدافع ممثلوها الحكوميون عن حصتها من الإتفاقيات التجارية والعقود الإستثمارية، وإدارة الصراع مع منافسيها، كما تبرز هيمنة الإمبريالية الأمريكية من خلال تحديث أسلحتها النّوَوِيّة وغواصاتها وتصنيع نوع جديد من الطائرات، مع فَرْض تمويل برنامج التّسلّح الأمريكي من قِبَل الدّول الأوروبية وأعضاء حلف شمال الأطلسي، ويتم اختبار التطبيقات الجديدة لتكنولوجيا الإتصال، من خلال “نسخة معدلة” من “حرب النجوم”، ويُؤدّي هذا الإندفاع العسكري الأمريكي إلى مزيد من تفكك دول واقتصاديات ومجتمعات الأطراف والسيطرة عليها، باسم “الحرب الشاملة على الإرهاب”، كنُسخة مُحْدَثَة من الحملات الاستعمارية القديمة، ومن شيطنة العدو لتبرير العدوان الذي يؤدّي إلى قتل المدَنِيِّين وإلى تقليص هامش الحُريات والحقوق الديمقراطية، وإلى التفكّك وعدم الإستقرار السّياسي والإجتماعي للمُجتمعات المُستَهْدَفَة، وإلى النهب الاقتصادي وتفتيت بلدان الأطراف وتدميرها الإجتماعي، مثلما حصل ويَحْصل في أمريكا الجنوبية والمشرق العربي والمناطق الإستراتيجية التي تختزن المحروقات وتُمثل أسواقًا هامة تتنافس عليها الإمبرياليات الأمريكية والأوروبية واليابانية، ولذا وضعت الولايات هاتين المنطقتيْن الإستراتيجيتيْن في قلب السيطرة الإمبريالية، وأصبحتا تعانيان من مسلسل متشابه من تفكك المؤسسات والضُّعف الإقتصادي وإفْقار المواطنين…
مزجت الإمبريالية الأمريكية، خلال فترة النيوليبرالية ، بيْنَ ثلاثة محاور: الاستحواذ الاقتصادي وإعادة الاستعمار السياسي والتدخلات العسكرية، وتُؤَدِّي جميعها إلى تشديد الطّوق على البلدان التي تراهن على جذب الرساميل الأجنبية، وعلى إغراء الشركات الكبرى بالإستثمار في اقتصادها، وعلى الإقتراض الخارجي “للخروج من دائرة التّخَلّف”، فمنحت أنظمة هذه الدول تسهيلات واسعة للرأسمال الأجنبي الإمبريالي ورفعت الحواجز التي كانت تحد من نهب مواردها الطبيعية، فانهارت قطاعات الفلاحة والصناعات الناشئة، وأصبحت المبادلات التجارية أكثر حَيْفًا وازداد عدم الإستقرار المالي والعجز في ميزان التجارة والمالية العامة، مما يُؤَكّد عدم جدوى هذه الوَصفَات، بل ضَرَرُها المُؤَكّد، بعد تغيير الإمبريالية شكل وأسلوب تدخّلها، مع المحافظة على جوهرها، بتواطؤ من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمات الأمم المتحدة ومجموعة الثمانية والمنظمة العالمية للتجارة بهدف خلق سيادة إمبريالية تربط بين الأقسام المسيطرة، في المركز وعملائها في الأطراف على حساب الشّعوب التي تُعاني الإستغلال والإضطهاد والإستعمار الجديد، والتّدخّل العسكري أحيانا…
تُؤَكِّدُ جميع المعطيات المتعلقة بالاستثمار والإدخار والإستهلاك على توسيع الفوارق بين اقتصاديات المركز و الأطراف، وتؤشر على أن عملية التراكم والأزمة مُتلازمتان، مما أدّى إلى تفاقم أزمة دُوَل الأطراف، وابتعادها عن الوعود التي أطلقتها الإمبريالية بشأن “الأُفُق المُشترَك للإقتصاد العالمي من خلال إعادة إنتاج رأس المال على صعيد الكوكب”، وخلافًا لهذه الوُعُود، لم “يُقْلِعْ” أي بلد ولم يتحوَّلْ أي بلد تابع إلى بلد ينتمي إلى المركز، بل تعمّقت الهوة التاريخية والتَّقَاطُب بيْن “المركز” و “المُحيط”، فأصبحت نحو 20 دولة تتحكم في مصير الدّول الأخرى وفي السّوق العالمية، وتمارس الدّول العشرون هيمنتها من خلال صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة (التي هَمَّشَتْها الإمبريالية الأمريكية خلال السنوات الماضية)، ومن خلال الأًطُر غير الرّسمية مثل مجموعة السّبع ومجموعة العشرين ومنتدى دافوس وبيلدربيرغ وغيرها من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تُصمّم خطط إعادة استعمار الأطراف، وسيطرة الإمبريالية والدّول الرأسمالية الصناعية على القطاعات الإستراتيجية والمواد الأولية في بلدان “الأَطْراف”
البدائل
سبق أن طرحت اللجنة الاقتصادية لأمريكا الجنوبية والكارايبي ( CEPAL ) “مشروعًا اقتصاديًّا وطنيا مستقلاًّ ومُتمحْوِرًا حول تعويض الواردات وخفض درجة التبعية للأسواق الإمبريالية، السبب المركزي للتخلف”، كما طرحت بعض الأطراف “تجاوز التّبعية ببناء رأسمالية مغايرة”، من خلال بناء نموذج إقليمي يتلاءم مع الأسواق المحلية، ويُمثل هذا الطرح نسخة مُحْدَثَة من الكينزية، من أجل بناء “دولة رعاية في الأطراف”، مدعومة بتغييرات قانونية ومؤسساتية (اقتلاع الرشوة وإعادة تركيب المشروعية) وبتغييرات تجارية كبرى (وقف الانفتاح) ومالية (التقليص من دفع الديون) وصناعية (إعادة توجيه الإنتاج نحو احتياجات السوق المحلية )، لكن هذا الطّرح يتجاهل ( أو يُقلّل من) عِبْء الهيمنة والنّهب المُمَنْهَج ومن غياب المجموعات التي ستتبنى هذا النظام الذي يجمع بين المعايير الاجتماعية وتحقيق الحد الأقصى من الأرباح، في ظل تقليص الهوامش وتعميق التّبعية للمَرْكز مما يُراكم العوائق أمام التراكم الداخلي، بفعل هروب الرساميل والثروة مما يجعل من الصعب تطبيق سياسات ترمي إلى تنشيط الطلب المحلي في ظل هيمنة المؤسسات المالية الدّولية، مثل صندوق النّقد الدّولي على القرار الإقتصادي والسياسي…
لا تكفي الخطابات المعادية للإمبريالية للخروج من التخلف، بل يجب إحداث قطيعة مع النظام الرّأسمالي وبناء مجتمع اشتراكي، وفق مجموعة “مدرسة التّبَعِيّة”، ولا يمكن إنجاز القطيعة بقرار فَوْقِي، بل يتطلّب ذلك إفساح المجال للمُقاومة الشعبية ولفئات العاملين الذين يُعانون الإستغلال والإضطهاد، لكي يُساهموا في صياغة مجتمع المُستقبل وحمايته، بالتحالف مع القوى التّقدّميّة العالمية التي تناضل من أجل إلغاء الديون الخارجية وتأميم الموارد الطاقية، والحماية الجمركية للإنتاج المحلي، وإعادة توزيع الثّروات، وخلق أسواق إقليمية، بين البلدان المتجاورة وبين البلدان الفقيرة، كأساس لجبهة اقتصادية في مواجهة هيمنة الشركات العابرة للقارات والقُوى الإمبريالية التي تحميها…
2026-05-11