اليوم الذي اجتمعت فيه الفصول .ج1!
ابو زيزوم.
يومٌ بدأ في الساعة العاشرة وعشرين دقيقة وانتهت هذه القصة قبل ان ينتهي . فالبطل لابث على كرسيه بعد خلو الصف من الطلبة . لم يحل دون خروجه مطر او برد فهذي طلائع الكورس الثاني التي تتحول فيها شمس بغداد شموساً لا حصر لها كي تغطي كل الساحات . ولم يشده الى المقعد ضيق ذات اليد الذي اعتاد ان يحرجه عند كشك الشاي وأمام بائع أنصاف الساندويتشات ، فقد نسي اليوم هم النقود تحت وطأة همٍ اخضر يلوح في الأفق . كل ما في الامر ان زميلة تدعى ( يسار ) ذكّرته شاكرةً بصنيع أسداه لها قبل أسبوعين وحالت العطلة الربيعية بينها وتقديم واجب العرفان . فأحس ان وقوفها الممتن بين يديه حدث خارق للعادة يستحق التسجيل في سجل حياته المجدب . لذلك استسلم لرحيق احلام أخذ ينثال على روحه بدفء حانٍ كراحة الام . وعكف على احداث تلك المغامرة اللذيذة بقدر صعوبتها ، التي انقذ فيها (يسار ) من محنة مصيرية واستحق بها هذا الثناء المتدفق من عينيها بصدق وسخاء . عكف يستعيدها للمرة المئة مثل كاسيت أغنية احتكت بعاطفة مراهق عاشق فما يكف عن تكرارها . الا ان لها اليوم طعماً جديدا بعد ان ارتقت عروس احلامه المدرج الى مكانه في النهاية كي تخصه بكلمات شكر مفعمة بالرقة والتودد والثناء . لم يفطن لقدومها الا وهي تحييه من مقربة قدم . اربكه حضورها المفاجىء ونهض إكرامًا لكن طول قامته وموقفه على فارق درجتين منها يضاعف المسافة بين وجهيهما أضعافا . فكانت تنظر الى الأعلى وهي تبثه مشاعر امتنانها . كان مأخوذا بتفرس هالة السحر على وجهها الوضاح فلم يقل الا كلمات مجاملة مما يقال لأي شخص عابر . وانصرفت فلاحقتها عيناه حتى اختفت وسط زحام الطلبة عند الباب . وحين لم يعد في القاعة سواه جلس ووضع ساقاً على ساق وأسند ذقنه على يده وغاص في بحر من الألوان الزاهية يموج به الخيال .
قصدته قبل شهر تستنجد به من معضلة مستعصية على الحل . خصته برجائها دون عشرات الطلاب والطالبات ، وكان أملها في مكانه ، فبيده خلاصها من المحنة . ولم يشعر قط بأنه يسدي لها فضلاً وانما شعر أنها المتفضلة بهذا الطلب الجميل . كان لقاؤها إياه في زاوية قصية من حدائق كلية العلوم حدثاً مأثورا لن يُنسى . فهي المرة الاولى التي تلتقيه بها فتاة لأمر فيه خصوصية . رمته بالطلب الثمين على غير توقع ، وعلى غير طبعه المتردد أجاب بغيتها ملبياً دون تفكر . ولم يساوره الندم حتى بعد اختلائه بنفسه ودراسة المخاطر . المهمة غير مأمونة ومع ذلك فاضت مداركه بأن المجازفة لأجل ( يسار ) ليست خسرانا حتى لو حصل المحذور . وعقد العزم على المضي الى النهاية وفي قلبه جلبة الانتصار تقصي احتمالات الفشل المريع . ونجحت الخطة نجاحا باهرا . ودفعه دافع خفي على المغادرة وعدم انتظار سيل مشاعرها الفياضة التي كانت ستغدقها عليه لو تأخر قليلا حتى تجيء . خالجه ان البقاء في المكان أشبه ما يكون بوقوف عامل ينتظر أجره . فانطلق لا يلوي على شيء ثملاً بالظفر الكبير . غير ان عقله يعود ليتخيل بحثها عنه امام قاعة الامتحان لتجزل له الإطراء . يتخيلها تدور وتتلفت يمينا وشمالا وربما سألت عنه بعض الطلاب فلم تحصل على نتيجة .
انطلاقا من طبائع البشر الغريزية يمكن القول ان الارتباط بشخص من الجنس الاخر حلم مقيم لدى كل طالب وطالبة عدا بعض المتزوجات السعيدات بزواجهن . لكن لكل فرد ما يعيق بلوغه الغاية . ولم يكن مهدي ( بطل هذه الرواية ) استثناءً مما يرجو أقرانه . وكان فقره الشديد عائقا أوحد يلجم نزوعه صوب مراودة الأحلام ككل شاب في سنّه . لقد أفقدته الظروف الصعبة ثقته بنفسه فلم يحاول مجرد محاولة كما يفعل الكثيرون من حوله ولا يمنعهم الإخفاق عن محاولات جديدة . ثم وفي لحظة غريبة اكتشف ان الأمنيات تفتش عنه بينما هو منعزل في زاوية مقفرة . وهبطت عليه فتاة مرموقة كما تفد مواعيد الاقدار . اختصرت عليه مرحلة البدايات المقلقة التي تشبه تعلّم الطفل الخطو . وقدمت له بداية سهلة كطموح أُعطي رأس مال كبير فانفتحت أمامه الدنيا . خالجه بعد ذلك اللقاء الواعد بأنه يبدأ الرحلة من أعلى السلّم لا من أسفله . وكانت احداث متلاحقة شكلت فيها العطلة الربيعة فترة حضانة للآمال الوارفة . وأقبل بعدها الى الجامعة بكامل أهبته للإنطلاق . فتأخرت يسار عن الدوام يومين شحناه بالهواجس . وهذا هو اليوم الثالث فحضرت . لم يلحظ وجودها في المحاضرتين الاوليين حتى هطلت على روحه فجأة مثل مزن الربيع . واذا به يتقهقر امام ضراوة حضورها وتنكفىء عواطفه المشبوبة فيلوذ بالبرود ملاذه الأخير والدائم . كانت توشك ان تبذل قلبها بين عبارات الوفاء المتدفقة من وجدان حميم . فخذلته روحه الانهزامية ولم يقوَ على اقتناص الفرصة المتفتحة مثل زهرة على الطريق . ولبث يتأمل الموقف كأنه غير المعني به . وخرج الجميع لساعة مفتوحة يهيمون فيها بين الكافتيريا والحدائق . قليلون الذين يقصدون المكتبة او المرسم او الملعب او غرفة الموسيقى . ثم يعودون وتعود (يسار) وتتخذ مكانها في المقدمة على جهة اليمين فلا يكون متاحا لعينيه منها سوى الإيشارب العسلي الذي اعتادت ان تغطي به شعرها . فهل ستلتفت وترسل اليه نظرة معبرة من بين الرؤوس المحتشدة دونها ؟ ام ان قدومها الشاكر قبل قليل هو كل ما يستحقه منها جزاءً على صنيعه المأثور ؟.
انها فقيرة مثله لكنها تملك ثروة طائلة من الجمال . على عكس حالته كان الفقر سبباً في تألقها حتى أضحت نجمة متلألئة . لولا فقرها لما اضطرت على العمل بعد الدوام في دائرة اخرى ولا تؤوب الى منزلها الا مع المساء . ولأن مدير تلك الدائرة لئيم رفض التغاضي عن تأخرها خمس دقائق في بعض الأيام وهي الدقائق التي تقطع بها المسافة بين الدراسة والعمل . وعندما بحثت عن الحل في الكلية كشف الدكتور جمال عن لؤم اشنع حوّل تلك الدقائق الخمس الى قضية كؤود انتهت بتركها العمل فنالت من زملائها تعاطفا واسعاً . وتعقدت المشكلة بينها وبين الاستاذ حتى تردت في مأزق قاتل استعانت عليه بهذا الشاب الصامت القابع في نهاية القاعة لا يكاد يشعر بوجوده احد … المدعو مهدي .
لم يكن مهدي خلواً من الخصال الإضافية فهو الأكثر تفوقا بين جميع طلاب المرحلة الثانية في قسم الفيزياء . وكان يبني آمالا عراضا على نبوغه ليعلي من شأنه . الا ان التفوق لم يوفر له المنزلة التي وفرها الجمال ليسار . وأيقن بخيبة ان المتفوقين والخاملين سينالون في النهاية ذات الشهادة دون أهمية تذكر لفارق الدرجات . وعلى اعتاب القنوط من جدوى مؤهله الوحيد خطرت له يسار مثل طيف شفيف يخطر في المنام . لم يأت بها طوله المديد ولا ساعداه المفتولان ولا شعره البني الكثيف المتهدل فوق بشرة كانت بيضاء قبل ان تجرد وتصفر . أتى بها تفوقه وحسب . لقد وقفت طويلا امام قائمة النتائج الفصلية المنسية على لوحة الإعلانات منذ اشهر . ولم تصدق ان طالبا يدعى مهدي لديه (47) من (50) في مادة الضوء !! من هذا الـ مهدي ؟! يكفيه بؤسا ان العام الثاني ينتصف وهناك في الصف من لا يعرفه او يسمع به . تباً لدرجات امتحانية لا تمنح صاحبها فضيلة ان يكون اسمه معروفا بين زملائه . لقد وجدت يسار في درجاته الشاهقة ضالتها ، وبقي الجزء الآخر من الطلب وهو ان لا تكون شهامته اقل من درجاته . ووجمت ساعة تداول في ذهنها الوجوه دون ان تحزر شخصه ، فسألت وقيل لها انه ذلك الخامل الساهم في اعلى المدرج . لم تزودها ملامحه الباهتة بقدر من التفاؤل او التشاؤم. وانما قصدته واغترفت براحتيها فكان شبماً قراحاً .
______ يتبع
( ابو زيزوم _ 804 )
2020-03-07