الولايات المتحدة تهبط حضارياً!
ابو زيزوم.
كلمة (حضارة) تطلق على عناصر الحياة الاجتماعية مجتمعة . ان يكون البلد متقدماً عسكرياً ليس ذاك هو الحضارة ، ولا رياضياً او فنياً او علميا او سياسيا . فكل عنصر منفرد من تلك العناصر عرضة للإنتكاس في اي وقت ما لم تعاضده العناصر الاخرى . وعندما تتعاضد العناصر المختلفة يقال ان هذا البلد يمر بنهضة حضارية . ولا يختلف إثنان على ان الولايات المتحدة الامريكية ومنذ عشرات السنين تتربع فوق عرش الحضارة الانسانية ، فهي الاولى عسكرياً واقتصاديا وسياسيا وفي كافة المجالات . ولعل إدارة الحكم في مقدمة المعايير التي يقاس بها مدى تقدم الامم . وكانت لدى الامريكان تقاليد راسخة وصارمة وشفافة في هذا الجانب من شأنها محاكمة الرؤساء المسيئين علناً وعزلهم عندما يستوجب الامر . لكن الخطوة الاخيرة بكشف اسرار وزارة الخارجية فقط من اجل تعزيز فرص ترامب في الفوز لهي مؤشر بالغ الأهمية لمن يعنيه تتبع هذه الأمور .
الملفات التي كشف عنها النقاب تتعلق بمراسلات هيلاري كلنتون عند توليها حقيبة الخارجية، وتفضح قضايا حساسة عن جهود أمريكية رسمية مع قطر لدعم الاخوان المسلمين وإيصالهم للسلطة في بعض البلدان العربية ودور قناة الجزيرة في ذلك !. لقد ضغط ترامب على وزير خارجيته وأرغمه على انتهاك عرف خطير ليقول بالنتيجة ان الديمقراطيين كانوا يفعلون أشياء خاطئة إبان فترة حكمهم .
الديمقراطيون كانوا يعملون لبلدهم ، وكذلك الجمهوريون ، لا نشك في ذلك . ولكن أن يهبط الحاكم الامريكي الى مواصفات حكامنا ويستغل اسرار البلد للتشهير بخصومه حالة جديدة غير معهودة في العالم الغربي . فإذا فاز الديمقراطيون مثلاً وفضحوا مراسلات ترامب وكوشنر مع حكام السعودية والامارات ماذا يبقى من الهالة الحضارية للولايات المتحدة .
ندرك ان ترامب حالة طارئة على التقاليد الحضارية هناك ، ولكنه ما كان ليصل سدة الحكم والبلاد في حالة صعود حضاري . انه المحطة التي تؤرخ لحالة التراجع . وليس من قبيل الصدفة ان يتزامن ذلك مع تراجع المرتبة الاقتصادية للولايات المتحدة فالحضارة كلٌ لا يتجزأ . فالرئيس الذي يعلن صراحة انه لن يتخلى عن السلطة اذا فشل في الانتخابات ويصفق له جمهور عريض من العنصريين البيض قد يرتكب اكثر من ذلك .
اننا نشهد عصراً جديداً من التاريخ الامريكي سيحمل الكثير من الغرائب . وهذه الانتخابات التي بدأ عدّها العكسي حافلة بالمفاجآت ، وسنكتب عنها منشورات عديدة قبل وبعد اجرائها .
( ابو زيزوم _ 899 )
2020-10-14