الوعد الصادق بين الموقف والبصيرة والعزيمة والثبات!
الدكتور سعد محمود المسعودي*
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾
بين ثنايا التاريخ وتقلّبات الزمان، تمرّ على الأمة محطاتٌ من البلاء، تنكشف فيها الوجوه وتسقط الأقنعة، وتُمحص الصفوف في ساحة الصدق والثبات. وليس التاريخ إلا مرآة الحاضر، يدور دورته ويعيد أدواره، وإن تبدلت الأسماء وتغيّرت الميادين.
في ليلة الهرير، حين اشتد الوغى واحتدمت المعركة، وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) شامخًا كجبل لا تهزه العواصف، مرددًا
“اللهم إليك نُقلت الأقدام، وإليك أفضت القلوب، ورفعت الأيدي، ومدّت الأعناق، وشخصت الأبصار… اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين.”
وكان يُكبّر مع كل قتيل يسقط من جيش الباطل، كما يروي التاريخ.
وفي موقف آخر، من ذات الملحمة، يُقال إن مالك الأشتر (رضوان الله عليه) لم يجد فرصة لأداء أربع صلوات، منشغلاً بقتال أعداء الحق، فكان يُكبّر فقط، مؤديًا الفريضة بما يستطيع، في مشهد يُلخص جوهر الإيمان المقرون بالفعل.
إنها ليست روايات تُروى للتسلية، بل دروسٌ تتكرر بأسماء جديدة، ووجوه مألوفة.
لقد قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قولته العميقة حين تبدلت القلوب وضعفت الهمم:
“كنتم تتوجّهون معنا ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، كنّا لكم، وكنتم لنا، فصرتم اليوم علينا…”
وهكذا إلى كربلاء، حيث الثبات هو اللغة، والشهادة هي الرد، والحق هو الزاد. كربلاء لم تكن لحظة عاطفة، بل عقلٌ إلهي تجلّى في شجاعة، وصبر، وبصيرة، وعقيدة لم تَهُن.
اليوم، ونحن نعيش أحداثًا تتشابه في جوهرها مع ما عاشه آل محمد (صلوات الله عليهم)، نُدرك تمامًا أن الحقّ لا يموت، وأن الباطل – مهما طال به الأمد – زائلٌ كظلٍّ إذا أشرقت شموس البصائر.
لقد جسّدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه القيم العلوية الحسنية الحسينية في واقعها، ومواقفها، وسياستها، فكانت الحارس الأمين على خط الإمامة والولاية، ولم تفرّط بساحة الحق ولو لوهلة غفلة، رغم تكالب قوى الظلام، وتهديدات الاستكبار، وتواطؤ المرجفين والمنافقين وناكثي العهود.
الهجوم الغاشم الأخير الذي تعرضت له الجمهورية من قبل راعية الإرهاب العالمي أمريكا الصهيونية لم يكن إلا امتدادًا لتاريخ طويل من العداء للحق وأهله. وكما فعلت قوى الشرّ في الماضي، تكالبت اليوم دول كثيرة لتُجهز على نور الإسلام المقاوم. لكنها، وكما سابقاتها، فشلت وستفشل.
إن الردّ الإيراني لم يكن مجرد ردّ عسكري، بل كان موقفًا أخلاقيًا، وقانونيًا، وإنسانيًا، تمثل في التمسك بحدود الاشتباك، والرد بالمثل، دون تعدٍّ أو تجاوز، مصداقًا لقوله تعالى:﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
هذه ليست حربًا سياسية فحسب، بل معركة عقيدة، فاصلة، واضحة. إنها الفرقان بين من يقف مع محمد وآل محمد، ومن يصطف في صفّ يزيد وأحفاد الطغاة.
إن ما تقوم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم هو امتداد طبيعي لمسيرة الإسلام الأصيل، ونصرةٌ لمذهب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتجسيدٌ عملي لشعار:“أشهد أن عليًا وليّ الله.”
لهذا، فإن كل شريف حر في هذا العالم مدعوٌّ للوقوف مع الحق، وتأييد المظلوم، ونصرة دولة المقاومة، التي تمثل اليوم أمل الأمة، وحصنها المتبقي في وجه الطغيان الأمريكي الإسرائيلي.
ولذلك أقول، شهادةً لله، وأمانة للتاريخ:
اللهم اشهد، أني قد بايعت علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنني وقفت في جبهة الحق المتمثلة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ضد جبهة الباطل والنفاق الصهيوأمريكي، ولم أتوانَ عن نصرتهم، بيدي ولساني وقلبي، وكل ما أملك. اللهم اشهد، اللهم إني قد بلغت.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
العراق
2025-06-18
