الورقة العاشرة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء السادس!
بقلم أعلية العلاني*
يُعتبر الولاء والبراء (موالاة المسلمين والتبرّؤ من الكفار) مبدأ أساسيا لدى تيارات التطرف العنيف لأن مضمونَه هام في تشكيل العقل الجهادي. وتتفق القاعدة وداعش حول إلزامية هذا المبدأ من أجل إقامة دولة الخلافة الإسلامية. ومَنْ يُخالف ذلك يُنْعت بالكفر. فما هي تداعيات هذا المبدأ على الوضع الأمني محليا وإقليميا ودوليا؟
1) التداعيات الأمنية لمفهوم الولاء والبراء ومبدأ التكفير
منذ حرب أفغانستان في الثمانينات وما بعدها كانت أدبيات التيارات الجهادية تَعُجّ بفتاوى مُنَظّرين قدامى وجُدُد يستسهلون تكفير خصومهم ويعتبرون أن الولاء والبراء أحد أركان الإسلام. ووجد هؤلاء في التراث القديم والحديث سَنَدا لهم، زادوا عليه ووَظّفُوه بطريقتهم الخاصة. فقد اعتبر محمد بن عبد الوهاب (توفي في 1792) الولاء والبراء أحد نواقض الإسلام وتحديدا الناقض الثامن ويتمثل في “مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين” (انظر محمد بن عبد الوهاب، مجموعة التوحيد، 38). وذهب عبد العزيز بن باز (توفي في 1999) إلى أنّ مَنْ ساعد الكفار على المسلمين فهو كافر: “أجْمع علماء الإسلام على أنّ مَنْ ظاهَرَ الكفار على المسلمين وساعدهم بأيّ نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم” (ورد في كتاب زهير الذوادي، نقد العقل الجهادي، دار آفاق تونس، 2016). وتَوَسَّعَ تيار التطرف العنيف مثل القاعدة وداعش في تفصيل مبدأ الولاء والبراء. فأيمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة حاليا والذي تتحدث عن وفاته بعض وكالات الأنباء منذ شهر في أفغانستان) يرى أن عقيدة الولاء والبراء تنقسم إلى قسمين: ما أوْجَبَه الشرع، وما نهى عنه الشرع (المصدر السابق، ص 132). ويذكر الباحث الذوادي، أنّ ما أَوْجَبَه الشرع حسب الظواهري ثلاثةُ أشياء: بُغْضُ الكفار، وجهادُهُمْ، ومُناصرةُ المُسلمين على الكفار، أمّا مَا نَهَى عنه الشرع فيتمثل في ستَّة أشياء: اتّخاذُ الكفار أولياء أو بطانة، أو توليتُهم مناصب هامة في الدولة، أو اتّباعُ معتقداتهم وآرائهم، أو إعانتُهم على المسلمين، أو عُذرُ المنافقين بأنهم يُوالون الكفار خوفا (المصدر السابق، ص132). ويُعلق الباحث الذوادي على قراءة الظواهري لعقيدة الولاء والبراء بأنها امتداد متشدد لنظرية الجاهلية الجديدة (المودودي ومحمد قطب) والحاكمية (المودودي وسيد قطب) وتكفير المجتمع والدولة (المصدر نفسه ص133). أما الباحث بسام سفر فيقول:”إذا كانت نظرية الحاكمية تُكفّر الدولة فإن مفهوم المجتمع الجاهلي يُكفّر الأمة نافيا إسلامها. ولعل اندفاع سيد قطب جاء لتخطّي حدود تكفير “الدولة التي تغتصب حق الله في الحاكمية” إلى تكفير “الأمة التي تُطيع الدولة وتخضع لها” وإنكار وجودها كمجتمع” (انظر مقال بسام سفر في مينا ستاديز بتاريخ 10 أكتوبر 2019). Mena studies
وبالإضافة إلى ذلك فإن التكفير يصادر حق الإنسان في قراءة مُغايرة للنص الديني يمكن أن نتفق أو نختلف حولها. وبالتالي يصبح التساهل في استعمال مصطلح التكفير مدخلا للتصفية الجسدية، وهو ما حصل في عديد العمليات الإرهابية خلال العشرية الأخيرة.
ونشير أيضا إلى أن تداعيات خطاب التكفير عديدة، فهو يضرب مبدأ التعايش السلمي ويدفع إلى التعسّف في تأويل النص الديني ويساهم في نشر خطاب الكراهية. وقد شدّد الإمام أبو حامد الغزالي (توفي في 1111م) على خطورة التكفير استنادا للحديث النبوي:”إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحَدُهُما” لأن التكفير نوع من قذْف الناس، المُحَرَّم دينيا يمكن أن يُؤدي به إلى القتل. وفي الواقع فإن “الكفر والإيمان مسألة عقدية مدارها علاقة الفرد بربه …وادّعاءُ تمثيل الله في هذا الشأن أمر جلل” (أنور الجمعاوي، عن ثقافة التكفير، العربي الجديد، 9 أغسطس 2019). كما أن التكفير يقتل الإبداع في كل المجالات، في الثقافة والعلوم، ويضرب الاستقرار الأمني محليا ودوليا.
البطاقة القادمة: الورقة الحادية عشر في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. ج 7
أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة- تونس
2020-11-28