النقود بوابة الوهم!
أضحوي جفال محمد*
المرحلة التي بدأت خلالها البشرية تتعامل بالذهب وغيره من المعادن النفيسة هي المرحلة الانتقالية بين المقايضة والنقود. فتلك المعادن لم تكن مجرد عملات لتسهيل التجارة وانما هي ايضاً شكل من أشكال المقايضة لأنها تمتلك قيمة ذاتية. التطور الذي احدثته أن شراءها لم يعد مرتبطاً فقط بحاجة الانسان لها وانما لغرض آخر كوسيلة لشراء أشياء اخرى يحتاجها. وحتى عندما شرعت الدول اللاحقة بسك النقود كانت في البداية تسكها على معادن ذات قيمة، اي ان سقوط الدولة لا يفقدها قيمتها مثلما تفقد النقود الورقية قيمتها إذا انهارت الدولة.
النقود الورقية لا قيمة ذاتية لها، وكل قيمتها نابعة من التعارف على استعمالها في التجارة. لذلك فإن طباعتها محكومة بقوانين اقتصادية تحدد كم المطبوع منها والفئات النقدية المختلفة وكيفية حمايتها من التقلبات. الاساس العلمي في الطباعة ان يكون هناك تناسب بين كمية النقود في البلد وكمية الناتج من السلع والخدمات، فاذا زادت كمية النقود حصل التضخم، واذا زادت السلع حصل الانكماش الاقتصادي (الكساد).
بهذا الوصف تعتبر النقود حالة افتراضية، وقد شهد التاريخ القريب حالات ألقى فيها الناس اموالهم في الأزبال لأنها باتت بلا قيمة. إلا ان تطور المسألة لم يتوقف عند هذا الحد، فانتقل إلى ظهور الشيكات والسندات والأسهم والأوراق النقدية وبطاقات الائتمان. وهذي ليست العملة العادية التي نتداولها وانما هي اقرب للافتراضات.. إذا اردنا تقريبها للذهن نقول انها تشبه دفتر الدين عند صاحب الدكان، تلك الأرقام المكتوبة في سجل البقال ليست مالاً فعلياً بل ضمانة للحصول على المال المحدد عند كل زبون.
هل نقول ان ذلك كل شيء؟ لا، فقد ظهرت العملات المشفرة كتطور مصرفي شديد الخطورة وقابل للتوسع بلا حدود، ولن اتحدث عنها في هذا المنشور كي لا أشوش على الفكرة الرئيسية التي اريد إيضاحها.
والسؤال هل يمكن ان تتحول النقود إلى وهم لا وجود له؟ نعم، وما زلنا نذكر عام 2003 حيث رأينا أكوام الدنانير ملقاة في شوارع العراق يطأها الناس ولا يلتفتون اليها. تلك الحالة الشاذة والاستثنائية ليست غاية المقال الذي أكرسه للحالة الأعم، وهي النقد العالمي بصورة شمولية..
الفكرة الأصلية للنقود (ان تكون مساوية للسلع والخدمات المنتجة) متحققة عملياً بكل ما في أسواق العالم من نقود يتعامل بها الناس العاديون، فإذا قلنا ان الناتج العالمي من السلع والخدمات هو الضمانة المادية لقيمة النقود المتداولة.. ما هي الضمانة المادية للأوراق النقدية المصرفية من صكوك وسندات وغيرها؟ وحجمها يفوق حجم كل ما في الارض من نقود أضعافاً مضاعفة.. يكفينا علماً بذلك أننا كأفراد نحدد قيمة بعضها كما نشاء، فأنت حين تحرر شيكاََ لشخص آخر انما تحدد بنفسك قيمته! كان قبل توقيعك عليه مجرد ورقة عديمة القيمة، وبتوقيعك يكتسب القيمة التي تقررها انت، قد تكون بملايين الدولارات.
العملات العادية تمثل الوجه الاعتباري للاقتصاد، لها أثمان معروفة لا نستطيع تغييرها بارادتنا الفردية، اما البناء الذي نشأ فوقها من صكوك وسندات وبطاقات ائتمان فتشبه ورماََ متضخماََ لا بد أن ينفجر ويتقيّح. انها وهمٌ شديد الخطورة استسلمت له البشرية ردحاً من الزمن وهو الان مثل بركان يعتمل واقترب من قشرة الارض.
تساوقت البشرية منذ قرنين على التعايش مع هذا الورم (او الوهم) كما يستمتع المرء بقراءة قصة خيالية، فالجميع بحاجة إلى استمرار هذه الكذبة، غير أنها لن تستمر إلى ما لا نهاية. فحسب تقارير صندوق النقد الدولي يبلغ حجم الديون في العالم 250 تريليون دولار، وهذا اكثر بـ %235 من مجموع الناتج الإجمالي العالمي!!. فماذا يحصل لو استلم جميع الدائنين ديونهم؟ وهل يمكن بالفعل تسديد هذا الرقم المرعب؟.
لا يوجد بنك في العالم تحتفظ خزنته بأموال تعادل الاموال المودعة فيه، والسبب معروف وهو انه لم يستقبل ودائع الناس ليحجر عليها وانما ليستخدمها خارج جدرانه. لديه تحت اليد فقط ما يعادل نسبة منها تغطي في الظروف الاعتيادية سحوبات المودعين. ولنفترض ان جميع المودعين وقفوا طابوراً وطلبوا سحب اموالهم! ماذا يحدث؟ هذا بالضبط ما حصل مع البنوك اللبنانية عام 2019 عندما استشعر الناس الخطر على ودائعهم فذهبوا إلى البنوك جماعياً فعجزت عن الدفع لهم وما زالت عاجزة حتى الان.
هي ذاتها فكرة التأمين، فشركات التأمين تسدد لك كامل ثمن السلعة المؤمّن عليها إذا تعرضت للتلف، وربما يحصل ذلك وانت لم تدفع إلا القسط الاول، اذن ما الفائدة التي تجنيها الشركة من تأمينها على أشياء الناس؟ المسألة في منتهى البساطة، وهي أن واحداً او اثنين تقع لديهم مثل هذه الحالة ويقابلهم عشرات لا تتعرض حاجياتهم لسوء فتكون دفعاتهم ربحاََ صافياََ للشركة.. اكثر من ذلك ليس كل من تعرض لضرر تتغرمه الشركة، فالمؤمّن على سيارته لا تعوضه الشركة بعد الحادث الذي يكون هو المخطىء فيه، اما الحادث الذي لا يكون فيه هو المخطىء فإن الشركة تستخرج خسارتها التأمين من جيب الطرف الثاني الذي تسبب بالحادث.
نظرياً يمكن ان يتعرض جميع المؤمّنين عند الشركة لأضرار تلزم الشركة بالدفع لهم، كأن يحدث زلزال او فيضان يدمر جميع السيارات في المدينة، اما عملياََ فمثل هذا الاحتمال غير وارد. يقابله ان يقرر جميع المودعين في بنك من البنوك استرداد جميع اموالهم في نفس الوقت. هذا لا يحصل في ظروف طبيعية بل في حال اهتزاز الثقة بالبنك والتخوف من افلاسه. فهل العالم اليوم في ظرف طبيعي والثقة بالأنظمة المصرفية مستقرة؟ لا أبداً، العالم يمر الان بأسوأ حالات انعدام الثقة، ولا يحتاج إلا عود ثقاب لاشعال الجنون النقدي وانهيار أسواق المال ومعها نظام دولي كامل مبني على وهم المال الافتراضي.
( اضحوي _ 2297 )
2025-12-13