النقطة الحرجة-١!
عادل علي
مضتْ ثلاثة سنوات على عملي كمهندس صيد في الاسطول البحري العراقي. كنتُ عائداً من دورة تأهيل في بولندا، وهناك سمعتُ بإن ” الجبهة الوطنية” قد “حققت” اهدافها بكشف قواعد الحزب الشيوعي. وعلى أثرها أعدم ما يناهز على عشرين شيوعياً، والتهمة جاهزة: محاولة انقلاب. بدء العنف ضد الشيوعيين من المحافظات الجنوبية. وحين عدتُ لدائرتي في مدينة البصرة لم أُسلم جواز سفري الى الدائرة(وهذا أسلوب كان معمولاً به). الاخبار اليومية لا تبشر بخير. فلان اعتقل، فلان لم يصمد، فلان استشهد، تشعر وكأنك في اسبانيا ايام حكم الدكتاتور فرانكو. وجاء دور دائرتنا. أعتقل المهندس الشاب قاسم. طارق عماره ، رغم انه غير شيوعي، لكنه لم يصمد امام التهديد بالاعتقال، وبعثَ برسالة لأصدقائه الغير بعثيين ان لا تلتقوا معي بعد الان. الضغوط مستمرة ضدي لكوني غير بعثي، خاصة وان هناك قرار رقم ٢٠٠ باعدام من يثبت لديه انتماء لحزب غير حزب البعث.
كان من المفترض ان أُنسب على أحدى البواخر، وذلك يضمن لي مخصصات بحرية مقطوعة بقدر ١٢٠ ديناراً أضافة الى راتبي الشهري. لم أُنسب كأسلوب للضغط الأقتصادي. أما ان توقع بأنك غير منتمي او ان تدخل في حزب البعث. (وجيب يا عمي ويخلصني من هذه الورطة). أنتبهتْ الدائرة بعدم تسليمي جواز السفر، وفسروها بعدم الألتزام بسياسة الدائرة. اذاً وجدوا نقطة ضعف سوف يستغلونها ضدي. وبنفس الوقت لو أُسلمهم جواز سفري فهذا يعني بالنسبة لي، أنعدام حرية الحركة والمناورة. المعركة تحتدم يومياً وكأننا على رقعة شطرنج. غير ان قطعهم تهاجم وقطعي تراوح في مكانها. نحن الان في شهر كانون الاول عام ١٩٧٨، أُخبرتُ بأن رجل أمن الدائرة يود رؤيتي. قلتُ في نفسي
(أجاك الموت يا تارك الصلاة). ذهبتُ اليه وعلى لساني اغنية عبدالحليم حافظ: وأبتدا أبتدا المشوار أه يا ليلي من أخر المشوار..
بعد تحية الصباح والمجاملات المعروفة، قال لي : أسمع عادل، أنت أنسان طيب ومهندس قدير والجميع يحترمُك لكنك غير بعثي وانت تعرف الاوضاع في المدينة. هناك حلان ، أما ان تنتمي لحزب البعث وهذا أسهل وافضل ، او توقع على هذه الورقة. أخذتُ الورقة واذا بها بيان رقم ۲۰۰. يجب ان اقول ان رجل الامن، وهو موظف في دائرتنا، كان معي لطيفاً، وأكد لي بأن أمن البصرة جاءوا لأعتقالي وانه طلبَ منهم التريث حتى يتكلم معي اولاً.
شددتُ على يده قائلا: بيان رقم ۲۰۰ لا يشملني، اما الانتماء فأعطني وقتاً كافياً لكي أُفكر.
كان هذا اللقاء على رصيف البواخر، وبناية الدائرة تبعد خمسة عشر دقيقة مشياً. الصور تتلاطم في ذهني وأحسستُ كأن مياه شط العرب تغلي. توقفتُ برهة عند نصب صاحب قصيدة( عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السحر
او شُرفتان ينأى عنهم القمر )*.. القمر! هل سيُغيب قمري؟ مر بجانبي قارب اعرف صاحبه، فرفع يده محيّاً . لبرهة نسيتُ ما انا فيه. تقدمتُ بتوئدةِ نحو الدائرة وكنتُ أتمنى لو أضحى الطريق ممتداً بلا نهاية.
عند مدخل الدائرة غُريفةٌ خشبيةٌ بأسةٌ تُليقُ بمن فيها. انها لرجل الاستعلامات- المخابرات، وهذا كان يُتابعنا حتى في المقاهي مساءً.
عند المنعطفات تقل الرؤيا وتتشوه الصور ويختلط الثانوي بالرئيسي، والذاتي بالعام. تتكون امامك مسألة رياضية مُركبة من ثلاثة – اربعة أبعاد .
فوزي احد أصدقائي المقربين وزميلي في العمل. أفضيتُ له سري وسألتهُ النصيحة . بعد تفكير قصير قال ( القضية لاگفه طين) بمعنى القضية عويصة. سألتهُ: هل من الافضل ان اخرج الى البحر حتى تهدأ الاوضاع؟ قال: ربك ما راح يُصفيها. لقد كشفوا التنظيم وسيطيحون بنا فرداً فرداً. وقال، بأمكانك الابحار( الرحلة عادةً تطول ٤٠ يوماً على الاقل) ولكن عند العودةِ اما ان ترمي نفسك في شط العرب او ستجد أمن البصرة في انتظارك عند مدرج الباخرة. لقد زادني هماً وغماً. لا اتذكر بأني غفوت تلك الليلة او التي بعدها، ولكني أهتديتُ الى حلٍ قد يكون هو الافضل.
كانت باخرة “دجلة” على استعداد للإبحار رغم ان عيد الاضحى كان قريباً، وهذا كان من صالحي حيث ان المهندسين من أهالي البصرة لا يرغبون في الأبحار قُبيل العيد. فأعطيتُ موافقتي للأبحار ورجوتهم طبع كتاب لدائرة جوازات البصرة لكي أحصل على فيزة خروج.
خابرتُ أخي في بغداد بأن أرسل لي جواز سفري. أرسل أخي الجواز مع طالب فلسطيني يدرس في جامعة البصرة.
صباح اليوم التالي كنتُ سأدخل الدائرة عندما أستوقفني شاب طويل القامة وسألني: هل تعرف المهندس عادل علي؟ قلتُ: هو أنا ذا. قال: يا لطيف أجدك بهذه السهولة! قلتُ: ما وراءك أيها الاخ؟ قال : تفضل هذا جوازك.
لا تتصورون الفرحة التي غمرتني، لأن الخطوات تجري كما لو ان يداً تحركها لصالحي. أخفيتُ وصول الجواز عن الدائرة ولكني أخذتُ الكتاب اللازم لدائرة الجوازات والتي تُحاذي مرفأ البواخر. خرجتُ من الدائرة زاعماً اني ذاهب الى المرفأ لتهيئة الباخرة للإبحار. عرجتُ على دائرة الجوازات وحصلتُ على التأشيرة. جوازي جاهز للخروج. ذهبتُ الى مصرف الرافدين وسحبتُ رصيدي البنكي آلا خمسة دنانير للتوميه. عرجتُ على “دار الضيافة” جامعاً حاجياتي القليلة منتهزاً عدم وجود احد في الدار. عجلتُ أمري وذهبتُ مباشرة الى موقف الباصات المغادرة الى بغداد.
وعند المغرب كنتُ في دار أهلي. وتنفستُ الصعداء. ولكن! آه من “لكن”، دائماً تعمل بالضد، ولو كنت سيبويه لألغيتها من القاموس.
والى الغد..
* للشاعر بدر شاكر السياب.
2023-03-03