قبيل غزو العراق قامت إدارة “بوش الابن” بتنظيم لقاءات مكثفة مع شركات النفط الكبرى مثل “هاليبرتون وبيكر هيوز” وغيرهما. كذلك فعلت ادارة “بلير” في بريطانيا مع شركة “برتش بتروليوم” ومثيلاتها. ولم تتخلف دول التحالف الأخرى في ايقاظ شهية شركاتها.. هذه لسيت تكهنات بل هو ما كتبته الصحافة الغربية بشكل واسعٍ قبيل غزو العراق.
لايمكن القول ان غزو العراق كان لنهب النفط العراقي فحسب، بل كانت هناك مرامٍ أخرى للامبرياليين داخل العراق وفي منطقة الشرق الأوسط. وكانت أمريكا قد قادة عملية غزو العراق بذرائع جرى كشف زيفها في السنوات القليلة الماضية على لسان المسؤولين الغربيين وساستهم ومعارضيهم. وهو ما أشيع عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، إضافة إلى الادعاء بوجود التنسيق فيما بين العراقيين وأسامة بن لادن. غير إننا هنا سنتناول قضية النفط فقط لأنها الأبرز في الهيمنة الأجنية على مقدرات العراق، وانتهاك، بل محو سيادة الوطنية على ثرواته كلها.
منذ الأيام الأولى حاول المحتلون إصدار قانونٍ للنفط يمنحهم الفرصة لدخول شركاتهم النفطية بثقلها الاستعماري إلى العراق. إضافة الى ذلك شكلت امريكا منفردة 15 لجنة نفطية قبيل الغزو كل لجنة يرأسها مدير أمريكي يعاونه مسؤول نفطي عراقي سابق من الانتهازيين الخونة. وفي هذا الموضوع هنالك وثائق لدى الادارتين الأمريكية والبريطانية وتفاصيل عن السيطرة على حقول النفط وطرق ووسائل التصدير، مثل مشروع إعادة فتح “خط إنبوب كركوك – حيفا” الذي عمل عليه خبراء أمريكان وبريطانيين في الأيام الأولى للاحتلال، لكن المشروع باء بالفشل بسبب قدم “خط كركوك – حيفا” وتهالك الانبوب بشكل لايمكن معالجته، فأهمل المشروع، وخسر الصهـ… اينة هذه اللعبة.
وفي الحقيقة أن العراق استعاد قدرته على الاستخراج النفطي في بداية صيف العام 2003. مع أن العمل كان يجري بالاجهزة والمعدات االقديمة التي ورثها القطاع النفطي من النظام السابق والتي تعرض اغلبها للاندثار أثناء فترة الحصار المدمر. فقد رفعت شركة نفط الجنوب الوطنية الانتاج من 2.100 مليون إلى 2.800 مليون برميل يومياً خلال الأشهر الأخيرة من عام 2003 وبداية عام 2004، من حقول نفط البصرة وميسان فحسب.
وقد تعرضت العائدات النفطية أيضاً أبان هذه الفترة إلى النهب، لأن العمليات النفطية، استخراجاً وتصديراً، كانت تجري تحت يد جيش الاحتلال وسيطرته الميدانية، يضاف إليها سيطرة إدارة “لجنة إعمار العراق” الأمريكية بالكامل التي شكلتها الأمم المتحدة وتسلمها مقاولو “قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي”.
وإمعاناً بفرض سياسة نهب النفط العراقي الاستعمارية اشترطت الإدارة الأمريكية في واشنطن على الحكومة العراقية تشريع “قانون النفط والغاز” وبلمسة استعمارية واضحة أطلقت عليه “قانون عدالة تقسيم الثروة النفطية في العراق”، وهو القانون الذي جرت كتابته لاحقاً في أروقة البيت الأبيض على الرغم من أنه لم يرَ النور. ولقد سخر السناتور (جون سنونو) فيما بعد من (كونداليزا رايس) قائلاً: ” تقولين إن قانون النفط العراقي جيد ومعتبر، إنه حقاً قانون جيد لأنه لم يره أحد!!).
من الملاحظ أن القانون هذا المسمى”قانون عدالة تقسيم الثورة النفطية في العراق” يكشف عنوانه أنه عملية مكشوفة لنزع السيادة الوطنية على الثروة النفطية، ورفع يد الحكومة العراقية بالكامل عن ثرواته، وإنهاء سيادة العراق على ارضه وخيراتها.
وحقيقة ماجرى أن حكومة نوري المالكي قدمت القانون إلى البرلمان وهو يتضمن عقود المشاركة في إنتاج اللنفط، وهي العقود التي تمنعها وتحرمها القوانين والأنظمة العراقية المتعلقة بالثروة النفطية. وحينما صدر القانون بمسوداته المختلفة والمسودات التي جرى التلاعب فيها، فيما بين البرلمان والحكومة، وتبادلوه مثل لعبة كرة المنضدة “البينغ بونغ”، واجه القانون رفضاً واعتراضات شعبية وتقنية، شارك فيها الخبراء النفطيون العراقيون عبر العالم، ونظمت النقابات النفطية العراقية اعتراضات وتوضيحات تدين القانون وتسفهه وتكشف خطورته وعدم قانونيته.
لكن المحتل الأمريكي لم يترك الأمر عند هذه النتائج التي لم تسره، خصوصاً بعد أن خاطبت “كونداليزا رايس” وزيرة الخارجية الأمريكية رئيس الوزراء العراقي الأسبق “نوري المالكي” وهي غاضبة، كما وصفتها صحيفة “واشنطن بوست” في 18/2/2007، قائلة:-
“لقد نفذ صبر أمريكا،.. أين قانون النفط؟ يجب إنجازه اليوم أو غداً”.
لقد لجأت واشنطن إلى طرق ملتوية للالتفاف على القوانين والانظمة العراقية الأربعة التي تحرّم عقود المشاركة. فكان منذ ذلك أن صدرت قرارات وزير النفط العراقي “حسين الشهرستاني” المجحفة، التي شرّعت “جولات عقود التراخيص النفطية”. وهي الطريقة الأخرى لتشريع عقود المشاركة تحت عنوان “عقود الخدمة االمعيارية” التي لا تشبه عقود الخدمة لا من حيث مدتها ولا من حيث طريقة الحصول على الاستحقاقات المالية للشركات النهابة التي حصلت على تلك العقود. مع الإصرار على استبعاد شركة “النفط الوطنية العراقية” عن هذه العقود، تحت لافتة الخصصة واستبعاد القطاع العام الذي طالما نجح في المنافسة العالمية.
لقد منحت عقود التراخيص هذه امتيازات للشركات مدتها 25 سنة، تضمن فيها الحصول على نسبة مقطوعة من سعر كل برميل نفط يجري استخراجه من دون ربط هذا المبلغ بإمكانية تصدير النفط. أي أن الشركات الأجنبية هذه تأخذ أرباحها المقطوعة من البرميل عند فم البئر قطعاً حسب سعر يوم الاستخراج.
ولقد كتبت الصحافة العالمية الغربية خصوصاً عن تلك الفترة وماسبقها بشكل فريد وفضحت الأطماع الاستعمارية والجشع الرأسمالي وممثليه السياسيين، ووثقت ما قاله ساسة الغرب عن نهب النفط العراقي وفضائحه.