إن اجتياز المسافة من إدراك وجود الاستبداد والفساد إلى الفاعلية السياسية لتحديه ومواجهته، مهمة يتم إنجازها بتقديم إجابات على أسئلة الخيارات العملية. إذ تتشكل إرادة الشعب المستقلة عن الملك وعائلته في لحظة بدء مناقشة الخيارات العملية، واستعادة المبادرة من المستبد الفاسد ليصبح هو من عليه أن يستجيب لحركة المجتمع ويلبي المطالب الشعبية او يصطدم معها.
وهذه أيضاً ضرورة للتخلص من المصيدة التي وقع فيها الشعب الأردني، والمتمثلة بقبول “تكييف” اجندة الإصلاح ومطالبه مع أولويات المستبد الفاسد. فبدلاً من أن يكون الشعب “هوية الوطن”، والمطالب الشعبية هي بوصلة النظام الذي عليه ضبط وتطوير خياراته للتكيف معها، تم اعتبار الملك وعائلته “ثابت أزلي” وعلى الشعب التكيف مع ما يفرضونه بالكثير من السادية والتعالي وتجاهل آلام الناس وآمالهم.
صحيح أن الانتقال من الاحتجاج إلى التحدي والمواجهة يتحقق ويبدأ بإعلان الوعي بأهمية هذه النقلة، ولكن لا بد من خارطة طريق لاجتياز المسافة من الإرادة إلى الفاعلية. وستبقى الإرادة الشعبية مشلولة ومعلقة بالأماني ومعزولة عن الفعل، إذا لم تتطور برامج عمل وطنية (مراكب حشد القوى الشعبية) للعبور بقوى الإصلاح نحو التحدي والمواجهة.
وبالعودة إلى أن السياسة تطورت في سياق المنهجيات العلمية مع الحفاظ على طبيعتها العملية، فإن تكوين النظرية السياسية ومهماتها في السياق الأردني 1- وصف وتوضيح (محنة الشعب الأردني)، 2- تفسير وتوضيح (مسؤولية الملك وعائلته عن محنة الشعب الأردني)، 3- توقع (نتائج المحنة وما سينبثق عنها)، 4- وبعد ذلك تبرر نفسها بأن توصي بفعل أو خيار محدد. وأي تصور سياسي لا يقدم توصيفاً يساعد على اشتقاق خيارات وأفعال هو تصور ناقص لا يساعد على تطوير الخطاب التعبوي وانضاجه لتهيئة الشعب لمواجهة التحولات الممكنة، ويخدم المستبد الفاسد الذي يريد حرمان شعبه من خيارات فعالة تمكنهم من استعادة دولتهم سلطة وموارد.
فالوصف والتفسير بعوامل لا يمكن التأثير بها تضليل يحرم الشعب من الفاعلية. إذ يجب أن يرتبط الوصف والتفسير -مهما اكتسب من صفات الترفع العلمي والفلسفي أو الشعبية والبساطة المفرطة- بعوامل يمكن التأثير بها، حتى يساعد على اشتقاق فعل أو فاعلية محددة، ويتجنب رد المعضلة وتفسيرها بعوامل لا يمكن التأثير بها، مثل الكثيرين الذين أصّلوا وفلسفوا العبث وطوروا بهلوانية لغوية لتحميل شعبنا وميراثه وثقافته المسؤولية عن وجود الاستبداد والفساد. إذ أن أي خطاب يمنح الجدوى “لعدم الفعل”، ويمجد اليأس وعدم الفاعلية، ولا يساعد على اشتقاق خيارات عملية، هو خطاب عقيم يخدم الاستبداد.
وعليه فإن نقطة البداية، لربط النظرية السياسية بالفاعلية، أن يتم توصيف معضلة الشعب الأردني بعاملين: الأول ربط شرعية السلطة بـ 1- إنفاذ قواعد معيارية تضبط ممارستها الآن وفي المستقبل، 2- تفويض ظرفي ومؤقت من الشعب. والثاني متعلق بمرجعيات أداء المؤسسات، مما يستدعي تطوير نموذج عمل معياري يضمن استقلال المؤسسات وحماية “ضميرها المهني” من هيمنة (الأوامر العليا)، ويقيم أداء إداراتها بتحقيق نتائج واضحة قابلة للقياس والتحقق.
المطلوب الآن تصورات عملية تضع الملك وعائلته في مواجهة الإرادة الشعبية، التي يجب تعريفها على صيغة (مطلب وطني) يتركز على تغيير قواعد ممارسة السلطة، وضمان استقلال مؤسسات الدولة عن تدخل السلطة العليا بتفاصيل عملها. فالنتائج التنموية والاقتصادية والحريات السياسية هي نتيجة لتغيير قواعد ممارسة السلطة، التي تجعل الشعب هو السيد في دولته، وتلغي أي إرادة تعلو على إرادته في وطنه، وتضمن أن تكون مؤسسات دولته في خدمته، دون التخلي عن الخطاب التعبوي والاحتجاجي الذي يعري الاستبداد والفساد ويكشف أثرهما على حياة المواطنين.
إن تحديد إرادة الشعب بتصورات تطبيقية واضحة سوف تسهل عملية التعبئة ضد ممارسات الملك وعائلته، وتدفعهم للتخلي عن سياسة الإنكار والمكابرة والتسويف لتأجيل الإصلاحات الديمقراطية بحجة أن شعبنا غير جاهز للديمقراطية، وتمكن من تجاوز تكتيكات النظام في إعاقة التحول النوعي للنضال الشعبي ومنع بروز كتلة عمل شعبي، لديها برنامج واضح لتعبئة وتحريك الحجم الحرج والضروري لإنجاز الإصلاح والتغير برضى الملك ومشاركته أو بدونها.
من جهة أخرى فإن امتلاك القوى الشعبية للقدرة على تعبئة وتحريك الحجم الحرج من شعبنا، ضرورة لتتويج المسيرة النضالية باسترداد شعبنا لدولته سلطة وموارد، وتمتعه بالقدرة على منع أي مستبد فاسد جديد من سرقة الدولة مرة أخرى مستثمراً حالة عدم اليقين المرافقة للمرحلة الانتقالية.
بقي أن نشير إلى أن الحديث عن قواعد ممارسة السلطة، قد لا يكون كافياً، ولا بد من تطوير برامج قطاعية تكشف عن الممكنات في القطاعات المختلفة، وتصوغ قواعد الممارسة لاستثمار الموارد وتعظيمها وتطوير منظومة الخدمات التي تقدمها الدولة، بحيث تصبح معالم المستقبل ووعوده محددة وموصوفة فيما يمكن تحقيقه للمواطنين كنتيجة لتطوير قواعد ممارسة السلطة، ولتحرير الضمير المهني لمؤسسات الدولة.
أخيراً، إن تطوير الخطاب التعبوي في ضوء تصور سياسي واضح، ومطلب وطني متعلق بقواعد ممارسة السلطة وتحرير مؤسسات الدولة التي تخدم شعبنا من التبعية “للأوامر العليا”، مكسب تاريخي لشعبنا، بغض النظر عن نتائج الموجة القادمة من أمواج الربيع العربي الذي لن ينتهي قبل أن تسترد المجتمعات العربية دولها سلطة وموارد.