المُعادلات الإقليمية والدولية في ملفي إدلب وشرق الفرات.. وخيارات الدولة السورية.
بقلم .. أمجد إسماعيل الآغا
ضمن المُدركات السياسية لجُزئيات الحرب على سوريا، بات واضحاً أن تركيا لا تخرج عن السياق الاستراتيجي الناظم للسياسية الأمريكية في سوريا، خاصة تلك المُعطيات التي تؤكد بأن الولايات المتحدة استأنفت تدريب بعض الفصائل الإرهابية في قاعدة التنف، وهذا يشي بتفاصيله بأن واشنطن تحاول هندسة الميدان السوري من جديد، فضلا عن جملة من الأهداف التي تبدأ باحتواء النفوذ الإيراني في سوريا، ولا تنتهي بمنع روسيا من الانفراد بأي معادلة سياسية تُؤسس لإقصاء واشنطن عن مضامين الحل في سوريا، ضمن هذه المُتغيرات، برزت في الآونة الأخيرة مُستجدات قد تُغير العديد من المعادلات في سياق الحرب على سوريا، حيث أن الصواريخ الروسية S-400 والتي باتت في يد تركيا، قد أضافت بُعداً جديداً في العلاقة الروسية التركية، هو بعداً قد لا يُبنى عليه في الترتيبات النهائية للملف السوري، لكن روسيا تحاول استثمار هذه الصفقة سياسياً، وتوظيف نتائجها جُزئياً في ملفي إدلب وشرق الفرات، فتركيا كانت ولا زالت تعتمد مبدأ التعامل بالمتناقضات السياسية، ولا تزال أطلسية الهوى أمريكية التوجهات، فالسياسة التركية تُجاه سوريا تختلف في المضمون والأهداف عن روسيا وإيران، وتتوافق جُزئياً مع التوجهات الأمريكية، وبالتالي باتت تركيا على طرفي نقيض، وضمن ذلك باتت العلاقة الروسية التركية في إطار التوجس لكلا الطرفين، ما يعني أن أي اتفاق أو تفاهم قد لا يُوثّق واقعاً على الأرض، ما لم يتم تحديد المسار والاتجاه الناظم صراحة للعلاقة بين البلدين، وتحديداً الجُزئيات المتعلقة بإدلب وتفاهمات شرق الفرات.
الإشكالية الكبرى بين روسيا وتركيا باتت تتمحور حول صيغ اتفاقي استانا وسوتشي، وبالتالي يحاول البلدين بناء علاقتهما على مبدأ فصل الملفات ما أمكن، بُغية منع الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات، مع استمرارية البحث عن مؤشرات النجاح في مضامين العلاقة بينهما، فالثابت أن روسيا لن تتخلى عن سوريا للعديد من الاسباب الاستراتيجية، وبشكل أولي هناك ضرورة ظرفية لاحتواء التطلعات التركية في إدلب وشرق الفرات، وتبديد أي هواجس قد تُشكل خطراً على النتائج السياسية والعسكرية التي حُققت سورياً وروسياً وإيرانياً.
جاء اجتماع أستانا الأخير في وقف مفصلي ودقيق، حيث أن معركة إدلب وتجلياتها تعكس حالة من الصراع الحاصل بين القوى الإقليمية والدولية؛ هذا الصراع يُعد ترجمة حقيقية لجملة من المتغيرات الطارئة في أدوار الفاعلين المؤثرين في الملف السوري، فالإعلان الأمريكي لجهة الانسحاب من سوريا جاء ضاغطاً لكافة الأطراف، ولا يمكن الحد من التأثير السياسي والعسكري للقرار الأمريكي، إلا ضمن نظريات النفوذ التي تحاول كافة الأطراف ترجمتها واقعاً على الأرض، وهذا ما جعل تركيا مندفعة ضمن خيارات المناورة السياسية ذات الأبعاد العسكرية التصعيدية، وبالتالي فإن مراكمة البيانات السياسية والعسكرية في الملف السوري تُوحي لنا بأن نسخة استانا الأخيرة تحمل بعدين هامين:
الأول – اجتماع استانا لا يملك القدرة الكافية للدخول في خيارات الحسم السياسي أو العسكري في سوريا، ولا يُمكنه تأسيس صيغ توافقية تُؤسس لحلول نهائية.
الثاني – اجتماع أستانا لا يملك القدرة الكافية على المناورة المباشرة بين المحاور الإقليمية والدولية، بما يُفضي إلى نتائج تُرضي كافة الأطراف الفاعلة في الشأن السوري.
ضمن هذين البُعدين تقوم تُركيا بالمناورة لدراسة كافة الخيارات الممكنة للحصول على مكاسب سياسية، من جهة أخرى تحاول واشنطن فرض واقع تواجدها وتأثيراته السياسية الضاغطة، إضافة إلى رغبتها أن تكون أحد أعمدة الحل السياسي في سوريا، لكن ضمن رؤيتها الاستراتيجية، خاصة أن واشنطن أعلنت نفسها طرفاً أصيلاً في المشهد السوري، ورغبتها في تغيير المعطيات الحالية، لكن في المقابل ومن وجهة نظر القيادة السورية، فإن ملف إدلب بات من الضرورة بمكان إغلاقه سياسياً أو عسكرياً، بُغية منع بقاء إدلب رهينة الخيارات الإقليمية والدولية، وكذا ملف شرق الفرات وضرورة التوجه إليه بكافة المسارات السياسية والعسكرية، بُغية إعادته للسيادة السورية، فيُضاف إلى ذلك هدفٌ سوريٌ بعيد المدى يتضمن إقصاء تركيا نهائياً عن مشهد الشمال السوري، فالنظرة الاستراتيجية للدولة السورية تُدرك بأن تركيا تُصر على تعقيد الحل السوري عبر جُملة من المتناقضات في السياسة الاردوغانية، والواضح أن تركيا لا تُطبق ما تُصرح به، ولديها قدرة على التنصل من أي اتفاق، حيث أن تركيا لم تتمكن عملياً من تنفيذ بنود اتفاق سوتشي الخاص بمناطق منزوعة السلاح، و بذات التوقيت لا يمكن لتركيا أن تبتعد عن التوجهات الأمريكية في سوريا، وتحديدا في جُزئية الكرد، وهي بذلك تحاول جذب واشنطن إلى مشهد يُراد منه عقد صفقة تُمرر من تحت الطاولة، فـ المنطق التركي يدرك بأن روسيا لن تخرج من صيغة التفاهمات الاستراتيجية مع سوريا، ولن تكون هناك حلول دون موافقة سورية كاملة، بينما الطرف الأمريكي يملك هامشا غير محدود في معايير الصفقات، ومن الممكن أن تبيع واشنطن ورقة الكرد في مقابل تفاهمات حول إدلب.
ملف إدلب مُرتبط عضوياً بشرق الفرات، فالعوائق والتعقيدات لا زالت تفرض بُعداً استراتيجياً لابد من البناء عليه سورياً وروسياً وإيرانياً، وبمعنى أخر لابد من ترتيب أوراق الشمال السوري ضمن المساريين السياسي والعسكري، خاصة أن الحلف السوري الروسي الإيراني يُدرك بأن تركيا لا تُفصح عن حقيقية نواياها السياسية والعسكرية تُجاه الحل السياسي السوري، كما أن تُركيا لا تزال تُحابي واشنطن وتحاول جذبها إلى المسرح التركي لجهة المخاوف المتعلقة بالملف الكردي، وضمن هذا تقوم الدولة السورية بدراسة كافة السيناريوهات الممكنة للالتفاف على المناورات الأمريكية التركية في سوريا، لذلك وبصرف النظر عن مناورات النظام التركي وإمكانية استدارته مُجدداً نحو الغرب، أو البقاء ضمن نظريات تعطيل الحل السياسي في سوريا، من الممكن أن يكون تعويل دمشق على التفاهمات الروسية التركية كبيراً لجهة الحل السياسي، لكن قوة المنجزات السورية بشقيها السياسي والعسكري، ستفرض نمطاً ناظماً يُجبر تركيا على الالتفاف بشكل ايجابي، وعليه الاسراع في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي، مع إغلاقً كاملاً للحدود، وقطع خطوط إمداد الفصائل الإرهابية، وبالتالي فإن القيادة السورية تقوم ببناء معادلة تحرير الشمال السوري بناءً على نظرية الحكمة السياسية والخبرة العسكرية.
في النتيجة، سيكون الجيش السوري عراباً لأي معادلات إقليمية ودولية متعلقة بملفي إدلب وشرق الفرات، فأي طموح غربي او تركي في سوريا سيصطدم بمعادلة التحالف القوي السوري الروسي الايراني، ولن يكون بالنتيجة لأي قمة أو اتفاق تحديد خيارات الدولة السورية إن لم تكن متطابقة مع رؤية دمشق لجملة الحلول في سوريا.
2019-08-04