المُثقف المُشتبك!
رنا علوان
في ذكرى عروج البطل ، [ لكم جنان الخُلد ولنا ما دون ، فأنتم واللهِ “المُقربون” ]
ست سنوات مضت ، وباسل لا زال حيًا في وجدان كل حُرٍ وكل ذي لُبٍ عاقلٍ
[ “حرّر عقلك واهدم صنماً” ، تنتهي الحرب عندما يُهزم العقل]
بمثل هذه العبارات يُشدّد القمر المُثقف على [ أهمية إستحضار الفكر الذي لا يقبل التنازُل ] ، فلا يرضَ أن يصل به الحال لقبول “الوضع القائم” ، أي الظلم والإحتلال والجور
ولعل أهم ما أوصى به ، أن [ “لا تعتد رؤية الصهيوني حتى لا تألفها عينُكَ قبل عقلِّكَ ]
ويا لها من وصية تُثقل بالذهب ، لشدة جمالها وحقيقتها
وفي نبذة عن الشهيد القمر باسل الأعرج ( وهو بكل تأكيد الغني عن التعريف ) ، فهو مُقاوم وثائر فلسطيني جمع بين القلم والبُندقية ، حيث شكّل النموذج الشبابي الجامع بين العِلم والفكر الى جانب المقاومة
خريج اختصاص (صيدلة) ترك الكثير من الكتابات التي عبّرت عن رؤيته للصراع مع الكيان الإسرائيلي المُؤقت والغاصب ، كما أهمية مواجهة الشعوب العربية ، لكافة أشكال الإحتلال والعمل على مُقاطعته
ومن أهم ما ورد في كتاباته :
[“من المفروض أن يكون العسكري في أيّ ثورة يحمل حمولة أيديولوجية وإنخراطًا بالشأن السياسي ، قادرًا على تعويض الفرق في القوة بينه وبين عدوه”] . فقد هدف الشهيد الأعرج الى بناء الشخصية الواعية ، وحث المُثقّف على أن يتجاوز شغفه صفحات الكتب نحو رصاصات البندقية
أما أكثر ما عكس شخصية البطل كباحث ومُؤرّخ ، كان مقالة بعنوان “عش نيصاً… وقاتل كالبرغوث”
ولطالما حرص البطل على تنظيم ندوات تثقيفية في عدد من مُحافظات الضفة الغربية ، كما نشط في “دائرة سليمان الحلبي” التي كانت تُنظم محاضرات وطنية وتاريخية ، وتُناقش موضوعات تخُصّ الفِكر المُقاوم
أما وصيّة البطل فكانت : [“لَكَم من الصّعب أن تكتُب وصيّتك ، ومنذ سنين إنقضت وأنا أتأمّل كُلّ وصايا الشهداء التي كتبوها ، ولطالما حيّرتني تلك الوصايا ، مُختصرة ، سريعة ، مُختزلة ، فاقِدة للبلاغة ، ولا تشفِ غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة ، وأنا الآن أسيرُ إلى حتفي راضيًا مُقتنعًا ، وجدت أجوبتي ، يا ويلي ما أحمقني ! وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد “]
وكان من المفروض أن أكتُب هذا قبل شهورٍ طويلة ، إلّا أنّ ما أقعدني عن هذا هو أنّ هذا سؤالكم أنتم الأحياء ، فلماذا أجيب أنا عنكم ، فلتبحثوا أنتم ، أمّا نحن أهل القبور فلا نبحث إلّا عن رحمة الله”
في مثل هذا اليوم ، السادس من مارس/آذار ، استُشهد المدوّن والناشط الفلسطيني باسل الأعرج ، ذلك الكاتب “المثقف ”الذي ولد عام 1986 ، وينحدر من قرية الولجة في بيت لحم جنوبي الضفة الغربية المُحتلة
عمِلَ في مجال الصيدلة قرب مدينة القدس المحتلة ، كما عُرف بثقافته الواسعة التي كرّسها لمقاومة الاحتلال ، بالتدوينات والمقالات الداعمة للمقاومة ضد الاحتلال ، كما تصدّر المُظاهرات الشعبية الداعمة لمقاطعة “إسرائيل” والمنددة بالاستيطان
منذ ثلاثينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني ، وصولًا إلى الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين ، والبطل المُثقف يعمل على توثيق أهم مراحل الثورة الفلسطينية شفويًا ضمن مشروع ، أقل ما يُقال عنه بأنه مُميز ، فقد كان البطل
باسل ، يُنظم رحلات للشباب أثناء التوثيق ، يقوم خلالها بسرد كامل لتاريخ المنطقة التي يزورها والمعارك الواقعة فيها والشهداء ، حتى وصفه صديقه الصحفي حسين شجاعية بأنه الشخص المثقف “بتاريخ الأرض والمقاومة”
البطل الأعرج تعرض للإعتقال من طرف السُلطة الفلسطينية مع خمسة معتقلين سياسيين عام 2016 بتهمة التخطيط لعمليات مسلحة ضد “إسرائيل” ، فأعلن باسل ورفاقه الإضراب المفتوح عن الطعام في سجن بيتونيا التابع للسلطة للمطالبة بحريتهم ، بسبب مماطلة المحكمة والأجهزة الأمنية في الإفراج عنهم
خلال فترة إضرابه أرسل البطل باسل جملة واحدة عبر محاميه [ ألا إن الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ، بين السّلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة]
وبعد الإفراج عن باسل ورفاقه من سجون السلطة ، اعتقلت قوات الاحتلال بعضهم ، وبعد إطلاق سراحه بدأت سلطات الاحتلال في مطاردته
وبحسب ما وصفه جهاز المخابرات الإسرائيلي عام 2016 بأنه [أحد أبرز قادة الحراك الشبابي الفلسطيني] بعدما صُنّف هذا الحراك “تنظيمًا إرهابيًا”، وفي 6 مارس 2017 قامت قوات الاحتلال باقتحام منزل عائلته مراراً وتكراراً بحثاً عنه ، وهدّدت عائلته لإجباره على تسليم نفسه ، إلا أنه لم يفعل ، إلى أن حاصرته قوات الاحتلال فجرًا في 6/مارس ، أذار /2016 ، داخل منزل بمحيط مخيّم قدورة واشتبك معهم زُهاء ساعتين ، وأطلقوا على المنزل قذيفة من نوعه «أنيرجا» أدت إلى تدمير أجزاء من المنزل ، من ثم اقتحموا المنزل ليطلقوا عليه وابلاً من الرصاص عن قرب
رفض الإحتلال تسليم جثمان الشهيد ، وذكرت مصادر أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة أبلغت العائلة بأن سلطات الاحتلال تشترط للإفراج عن جثمانه ، أن تقوم العائلة بنقل بيت عزائه من مكانه في قرية الولجة حيث تقطن عائلته إلى منطقة أخرى ، كون الولجة تقع قرب المستوطنات
قام الأهالي برفع الأعلام الفلسطينية في منطقة بيت عزاء الشهيد في الولجة ، رفضًا لما طلبه الإحتلال بمنع رفع الأعلام والرايات وتضامنًا مع الشهيد باسل
وكان قد تحدّث الضابط الصهيوني لوالد الشهيد قائلاً [قبل ما تشوف صورة الجثة عشان تتعرّف عليها لازم تكون فاهم إنها بتختلف حالياً عن صورته دائماً وممكن تكون مشوهة بفعل الرصاص والشظايا] ، قال أبو السعيد للضابط بعد المعاينة [الله يرضى عليه ، عمري ما شفته أحلى من اليوم]
عندها تداولت مواقع التواصل الإجتماعي كلمة تركها الشهيد داخل البيت الذي تحصن فيه ، قال فيها : “تحية العروبة والوطن والتحرير ، أما بعد فإن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أني قد مِتُّ ، وقد صعدت الروح إلى خالقها ، وأدعو الله أن ألاقيه بقلب سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء”
وفي الختام ، لله در بطل أوصى بأن
[ لا تمُت قبل أن تكون ندًا ]
فخذوا من عمق هذه الكلمات يا أولي الألباب ، لعلكم تعقِلون ، وسلام عليك أيها المُثقف الحُر يوم ولدت ، ويوم استُشهدت ، ويوم احتضنتك أرض الطُهر مُقاومًا حُرًا شريفًا ، ويوم تبعثُ حيًا
2023-03-06
