المناضل صــــــلاح جـــــــديد… (غيمة محملة بالخير، لكنها لم تمطر)!
محمد محسن
التاريخ، والوطن، والوفاء، ثلاث موجعات تضغط على مشاعري، تلزمني بالحديث عن هذه الشخصية الوطنية المتفردة، التي عاصرتها، وعرفتها عن قرب؟؟؟
رافقته منذ عام / 1963 / تاريخ انعقاد المؤتمر القطري الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكنت العضو الأصغر سناً فيه، وحتى المؤتمر العاشر الأخير، الذي انعقد في عام /1970 /.
بكل أمانة، وصدق، وبكل مسؤولية: منذ لقائي الأول بالقائد (صلاح جديد)، أكد لي أنه شخصية متفردة، بوعيه العقلاني الشامل، وبالقيم التي يحملها، بدقة إحساسه بالمسؤولية، بتواضعه الجميل، وكان يدهشني بحسن استقباله، ووداعه، ببسمته التي تظهر مدى ثباته، وعزيمته.
عربي الهوى والهوية، اشتراكي التوجه، يعتبر القضية الفلسطينية قضيته المركزية، ويعتبر صراعنا مع أمريكا وقطبها، وذراعها إسرائيل، هو صراعنا الرئيسي، بل المصيري. ولقد حدث أن اختارني لأكون أميناً لسر مكتبه في القيادة، عندما كنت مديراً لتحرير جريدة البعث عام / 969 /. أنشأ حركة مقاومة ضد العدو الإسرائيلي، تحت اسم (الصاعقة)، ووضع شرطاً أساسياً، لكل جادٍ للحصول على العضوية العاملة في حزب البعث، أن يقوم بعملية فدائية داخل الأراضي المحتلة، كما احتضنت سورية في عصره، جميع حركات المقاومة ضد إسرائيل، وضد الأنظمة الملكية. وسأذكر واقعة واحدة عن هذه الشخصية المقاومة. في عام 1969 كنت في (قاعدة شبعا اللبنانية)، عندما استشهد (الأخضر العربي) في بركة النقار، على كتف جبل الشيخ هو ورفاقه الأربعة، ولقد صعدت الجبل مع المسعفين، وشاهدت بركة دمه، وعدت أحمل (بقية قذيفة الهاون الإسرائيلية القاتلة) التي احتفظت بها في بيتي عشرات السنين.
وعندما عدت إلى القاعدة، شاهدت فيها المناضل المقاوم صلاح جديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فسألته متسرعاً ومندهشاً، لماذا جئت إلى هنا؟ تحت كل هذه المخاطر، فأجابني وأنت لماذا جئت؟
هذه الشخصية المتفردة، غادرتنا بدون أن تعطي لوطنها، لأمتها، كل طاقاتها القيمية والمعرفية، والنضالية، ولقد شبهه أحد الشعراء الفلسطينيين وأجاد، حيث قال:
[كان غيمة محملة بالخير، ولكنها لم تمطر].
والآن وصلت إلى الغاية التي دفعتني لكتابة ما كتبته الآن، عن هذه الشخصية:
لقد قضى المرحوم حياته في السجن كما تعلمون.
ولكن أجزم وأقسم بكل قيم الأرض، بأن سجايا هذه الشخصية النادرة، ووعيه وصدق انتمائه لأمته، ومعرفتي اللصيقة به، كلها تؤكد لي.
لو كان الآن هذا القائد المتفرد، على قيد الحياة، رغم معاناته المريرة، كان سيقف مع الوطن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هنا أستغرب كل الغرابة من غالبية الذين كانوا محسوبين على خطه، كيف يقفون ضد وطنهم؟
لأن من يقف الآن ضد وطنه في زمن حرب الموت والدمار، بل حرب الوجود، بماذا نصفه؟؟؟.
ولكن أستثني البعض، وعلى رأسهم المرحومين كامل حسين، وعادل نعيسه، ومجلي نصراوين، وحاكم الفايز ، وضافي الجمعاني …
ورغم أنهم سجنوا(فقط) / 23 / عاماً، ومع ذلك قال عادل نعيسه، قولته الشهيرة،
[لدينا بقية عمر سنبذله لصالح الوطن]!!!!!!!!
ولن أنسى المناضل أستاذي أسعد صقر.
وأنا سجنت، وجلدت، وسرحت، وجوعت، لأنني كنت أقود تنظيم (صلاح جديد المعارض)، بعد الحركة (التصحيحية.
ولكن عندما هاجم المتوحشون وطني، بقيادة أمريكا، وإسرائيل، وقفت مع وطني، وبدون تردد، معلناً استعدادي للدفاع عن وطني الآن وفي غدٍ، لا بالكلمة فحسب، بل بالبندقية، وليس لي منة على أحد.
كتبت هذا للتاريخ. وأعدكم سأكتب عن هذه الشخصية المتفردة، الكثير في المستقبل.
2024-08-30