المقاومة في مواجهة تهويد القدس!
الباحث محمد محفوظ جابر
قال ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية : “إذا حصلنا يوما على مدينة القدس وكنت ما أزال حيا وقادرا على القيام بأي عمل، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسا لدى اليهود فيها، وسوف أحرق جميع الآثار الموجودة ولو مرت عليها قرون”. لذلك هي مهددة بالدمار والتغيير، حتى يتم طمس تراثها وتاريخها، والصراع هو صراع وجود عليها.
أشار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2621 في الدورة 52 بتاريخ 12/10/1970، في الفقرة الثانية الى:
“حق الشعوب المستعمرة الأصيل، في الكفاح بكل الطرق الضرورية التي في متناولها، ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال.
كما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 2672ج في 8/12/1970 بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. والتأكيد على حقه في استخدام كافة الوسائل التي تكفل ممارسته لحقه في تحقيق مصيره.
وعليه بدأت المقاومة في القدس المحتلة عام 1967من ارضية ثابتة ان القدس هي تحت الاحتلال الصهيوني، وان مهمة الشعب في مواجهة الاحتلال هو طريق المقاومة المسلحة اولا، واي اشكال اخرى تكون دعما لطريق المقاومة من اجل التحرير وما زالت مستمرة.
تم استغلال عملية طوفان الأقصى والحرب العدوانية على غزة للتغطية على الممارسات التهويدية في القدس والضغط على المقدسيين، فقد حملت العملية اسم الأقصى وبالتالي أصبح الاسم عالميا، فاشتدت عملية التهويد ضمن المخططات الجديدة القديمة للأقصى، واحياء المدينة والتجمعات السكانية، والضغط على السكان العرب.
ان البرنامج الإسرائيلي للقدس واضح جدا وبدأ سنة ١٩٦٧( أن القدس غربها وشرقها) عاصمة للكيان الصهيوني أي لا تنازل عنها. ويضم البرنامج:
١) الاستيطان الصهيوني في القدس ويشمل بناء المستوطنات العنصرية لليهود بالإضافة إلى بؤر استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية وفي البلدة القديمة، أقيمت أول مستوطنة إسرائيلية داخل البلدة القديمة في القدس عقب حرب حزيران 1967 عندما دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 700 مبنى فلسطيني في حارة المغاربة وحارة الشرف، لإنشاء مستوطنة الحي اليهودي، ثم قامت السلطات ببناء 27 مستوطنة، وشرعت المنظمات الاستيطانية المتعددة بإقامة وتطوير نوى لبؤر استيطانية إسرائيلية داخل الأحياء الفلسطينية في مدينة القدس، مثل: الشيخ جراح، وحول كرم المفتي، وسلوان، ورأس العمود، والطور وغيرها، والآن بالرجوع إلى المشاريع المخزنة لدى الكيان من توسعة للمستوطنات أو بناء مستوطنات وبؤر جديدة ازدادت الهجمة.
2) تهجير العرب من القدس
إن ممارسات الاحتلال الصهيوني من اغتيال واعتقال وما يقوم به من ضغط لتهجير أهل القدس من اجل تهويدها تتم من خلال عملية تهجير صامت للسكان كما يلي:
*سحب الهويات: تم سحب الهويات من 14,643 حتى عام 2022 واتخذ قرار بتجديد الهوية كل عشر سنوات لإعادة النظر فيها. وان عدم ترخيص البناء العربي، يضطر العربي الى العيش في الضفة، فتسحب الهوية ويستأجر غالبا بيتا في القدس.
* هدم المباني وتشريد السكان بسبب عدم الترخيص او لأسباب امنية. وقد هدمت سلطات الاحتلال ” أكثر من 183 مبنى في شرقي القدس منذ بداية 2024، بينها 33 مبنى في بلدة سلوان، يعني ان “عمليات الهدم ارتفعت بصورة ملحوظة” منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية بقطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023.
* ضرائب باهظة تفرض عليهم، ليضطر الى بيع محله او بيته، بعد مصادرة محتوياته وسجنه احيانا.
* الاستيلاء على المباني والاراضي، لأسباب امنية او تحت حجة اراضي خضراء، او كمحمية طبيعية، واحيانا حسب قانون املاك الغائبين وعادت قضية تهجير سكان الخان الأحمر شرقي القدس المحتلة إلى الواجهة من جديد، وكان السكان قد قاوموا عملية الترحيل ونجحوا في وقفها.
انها معركة الصمود اليومية التي يخوضها اهالي القدس ضد الاحتلال، وقد لمسنا ذلك في الصراع على مباني الشيخ جراح وما زلنا ومنازل واراضي سلوان وتشكل كلاهما مناطق ساخنة يوميا في النضال ضد الاحتلال من اشتباكات يومية وبيانات وشكاوى في المحاكم، ونجحت بعض القضايا فقد أصدرت “محكمة الصلح الإسرائيلية قرارًا يقضي بإخلاء المستوطنين منظمة “عطيرت كوهنيم” من محل للصرافة ومخزنين لناصر سعيد في فندق البتراء الصغير في باب الخليل، واعتبرت العائلات المقدسية في وثيقة لها كل من يبيع منزله “خائنا ولا مكان له في صفوف الشعب الفلسطيني، ولن يدفن في مقابر القدس ولن يصلى عليه في مساجدها ولا عزاء فيه”، وطبقت ذلك. والمباني العربية التي جرى تسريبها في القدس الشرقية بعد سنة 1967، تشير بعض المصادر إلى تسريب أكثر من 80 عقاراً وبيتاً في القدس القديمة وحدها منذ سنة 1967.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد اتخذت بتاريخ 13 أيار 2018، القرار رقم 3790، وأحد أهم بنود القرار هو “تخطيط الأراضي وتسجيلها”، والذي ستقوم السلطات بموجبه، من خلال لجنة تشرف عليها وزارة العدل الإسرائيلية، بتسوية كل أراضي شرقي القدس، بحيث تنتهي أعمالها مع نهاية العام 2025. هناك قلق بالغ من أن هذه الإجراءات سوف تُستغل لنزع ملكية الفلسطينيين من أراضيهم، خاصة اذا استخدمت قانون املاك الغائبين.
3- الأقصى بؤرة الصراع اليومي
لا زالت طبول تقسيم الحرم القدسي تقرع ولكن ليس هناك من يسمع !
اعد عضو “الكنيست” عميت هليفي عن حزب “الليكود” في حزيران 2023 خطة لتقسيم المسجد الأقصى مكانيًا بين المسلمين واليهود، بحيث يخصّص محيط المصلى القبلي جنوبًا للمسلمين في حين تخصّص قبة الصخرة حتى الحدّ الشمالي للمسجد لليهود.
وهذا هو المخطط الثالث لمحاولة تقسيم الأقصى مكانيا، الأول في 2008 ويركز على الجهة الجنوبية الغربية، والثاني 2013 ويركز على الجهة الشرقية من المسجد.
وقد فشل مخطط اقتطاع الساحة الجنوبية الغربية في 2008 بفضل الرباط المنظم ومصاطب العلم، فيما فشل مشروع اقتطاع الساحة الشرقية ومصلى باب الرحمة أمام الإرادة الشعبية في هبّة باب الرحمة في 2019، والهدف الرسمي الآن هو بناء كنيس من قبل إيتمار بن غفير في هذا المصلى. اما الليكود لديه مخطط تقسيم للحرم القدسي يشمل ٧٠٪ لليهود و٣٠٪ للجميع، من ١٤٤ دونم مساحة الحرم القدسي.
وهناك غارات يومية يشنها مئات من المستوطنين على الحرم القدسي من قبل جماعات صهيونية تدعو لإعادة بناء الهيكل، وهي تنتشر بين اليهود المستوطنين منهم والذين يحيطون بالقدس وأصبح عددهم لا يقل عن مائتي ألف مستوطن. وتلقى أعمالهم دعماً من قطاع واسع من المجتمع الصهيوني، كما يتلقون دعماً رسمياً يشمل ما يلي:
1_ منع الشباب الفلسطيني المسلم من الصلاة في المسجد الأقصى، واعتقالهم احيانا، وهو ما يتناقض مع الدعوة الصهيونية الرجعية العربية لزيارة القدس والأقصى من قبل العرب والمسلمين لتطبيق التطبيع معه.
2_ اعتقال حراس الأقصى العرب حتى لا يتعرضوا للمستوطنين ويمنعونهم من الدخول إليه. وعادة يصطدم الحراس مع المستوطنين ومع رجال الامن الصهيوني.
3_ إبعاد المرابطين والمرابطات الذين يتصدون للمستوطنين ويطاردونهم داخل باحات الأقصى ويشتبكون معهم. وفي مقابل ذلك، يقدم رجال الأمن الصهيوني الدعم في حالة الاشتباك باستخدام القنابل والرصاص ضد المرابطين والمصلين. كما يسهل رجال الأمن عمليات دخول المستوطنين إلى الأقصى لإثبات وجودهم وحقهم فيه إضافة إلى إعطاء الدروس التوراتية. وتنطلق الأيديولوجيا الصهيونية من مقولة بن غوريون ” لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل “.
وفي العام 2017 جرى تركيب بوّابات إلكترونيّة عند مدخل المسجد الأقصى، لكنّهم أزالوها لأنّ اهل القدس جميعا خرجوا، يساندهم الآلاف من فلسطينيي الدّاخل 1948 دفاعا عن مسجدهم.
وكلنا نذكر آرييه شارون عام (2000) وعملية اقتحامه لباحات الأقصى لينقل عملية البحث عن الهيكل من تحت الأرض إلى فوق الأرض، فكانت انتفاضة الأقصى التي أحبطت الاقتحام الرسمي والشعبي الصهيوني للأقصى. إن تجدد الاقتحامات الآن هو تطبيق للفكر الصهيوني في ظل الأوضاع المزرية الفلسطينية الناجمة عن الانقسام والتي تشكل عائقاً كبيراً في انطلاق انتفاضة جديدة ضد الاحتلال الصهيوني، وكذلك استغلال الوضع العربي السيء الذي أعطى الفرصة لتلك الجماعات الصهيونية لاستباحة الأقصى دون موقف عربي رادع لها.
4) تهويد التعليم
بعد أن قام العدو الصهيوني باحتلال الجزء الشرقي من القدس عام 1967، قررت سلطات الاحتلال إلغاء البرامج التعليمية الأردنية التي كانت سائدة في القدس وإبدالها بالبرامج التعليمية المطبقة في المدارس العربية في الأراضي المحتلة عام 1948، هذا طبعا۫ بالنسبة للمدارس الرسمية الحكومية. وعلى أثر ذلك نفذ الطلاب والمدرسون اضرابا۫ قاطعوا فيه التدريس معلنون مقاومتهم لتدريس المناهج الإسرائيلية وقد صدرت البيانات الوطنية باسم المعلمين احيانا وباسم الطلاب احيانا اخرى تطالب باستمرار الاضراب وعدم الاستجابة للنداءات التي تدعو الى العودة الى صفوف الدراسة وتطالب البيانات ايضا بعدم تغيير المناهج وتحذر من تدخل العدو الصهيوني في صناعة مناهج التدريس في القدس لما في ذلك من خطورة على وعي الطالب العربي المقدسي. وقد اختارت اعداد كبيرة من الطلاب الدراسة في المدارس الخاصة ومدارس الوكالة والمدارس التابعة للأوقاف الاسلامية والاديرة المسيحية في خطوة متقدمة في مواجهة المناهج الإسرائيلية . ولأن الصراع مستمر فقد أصدرت سلطات الاحتلال قانونا۫ جديدا۫ في عام 1969 حمل الرقم 5729 وشمل الاشراف الكامل على جميع المدارس بما فيها الأهلية الخاصة وفرضت على جميع المدارس الحصول على تراخيص تجيز لها الاستمرار في التعليم وكذلك الاشراف على برامج التعليم ومصادر تمويلها، وفرضت التغيير على مادة التاريخ والدين والأدب العربي فدخلت الأساطير التوراتية في الكتب الدينية كما أدخل ” التاريخ العبري ” في كتب التاريخ العربي وتم ادخال القصص والروايات الاسرائيلية وإلغاء الشعر العربي المقاوم. وهكذا تتالت القوانين والقرارات التربوية بالشطب أحيانا۫ والاضافة أحيانا۫ أخرى وبشكل تدريجي حتى تصل سلطات الاحتلال إلى هدفها بتهويد التعليم كجزء من عملية تهويد مدينة القدس تهويدا۫ كاملا۫.
وفي إطار سياسة انتهاك حق التعليم في القدس المحتلة أصدرت وزارة المعارف الإسرائيلية، في 28/7/2022 قرارا يقضي بسحب تراخيص 6 مدارس فلسطينية في مدينة القدس، بحجة “التحريض عبر المناهج الدراسية.
وقد لعبت الحركة الطلابية دورا۫ كبيرا۫ في مقاومة الاحتلال والتحق الطلاب بفصائل المقاومة الفلسطينية ،وقدمت الشهداء والجرحى والأسرى وكانت الحركة الطلابية دائما۫ في مقدمة الهبات الجماهيرية ولذلك فإن العدو الصهيوني يخشى من دورها وكثيرا۫ ما يحاصر المدارس ويغلقها أحيانا۫ فهي مراكز تجمع جماهيري فعال، إن أغلب الذين يقومون بعمليات بطولية باستخدام السكاكين هم في سن الدراسة الثانوية بينما الأشبال من التلاميذ الصغار يستخدمون الحجارة لضرب الجنود والمستوطنين.
حصاد المقاومة (القدس) خلال طوفان الاقصى
81إطلاق نار
47عبوات ناسفة
9عمليات دهس
29عمليات طعن
160 قتلى الاحتلال
67 شهيد
1068جريح
2942اعتقال
وهناك مواجهات مع قوات الاحتلال في احياء القدس وقراها شبه يومية.
محاضرتي في مؤتمر ثقافة المقاومة في مواجهة التحديات في رابطة الكتّاب الأردنيين
21/6/2025
⸻
