المقاومة بين البقاء والإبادة!
خالد عطيه
النكبة لم تُغلق في العام 1948، بل استمرّت بأشكال متعدّدة: احتلال مباشر، حصار خانق، تقسيم سياسي، تجويع، وتهجير قسري متدرّج. اليوم، ومع حرب الإبادة في غزة، تُعاش النكبة بوجهها الأكثر صراحة: محاولة اقتلاع جيل كامل، وتجفيف الوجود الفلسطيني من البحر إلى النهر، وإعادة تعريف الفلسطيني في المخيال الدولي كـ”مشكلة أمنية” لا كصاحب حق. في هذا السياق، لا تعود المقاومة مجرّد خيار سياسي أو عسكري، بل تصبح آخر خط دفاعٍ أمام مشروع الإلغاء. ولهذا، يجري شيطنتها وتجريمها وتصويرها كسبب الحرب، وكأن فعل السابع من أكتوبر وُلد معزولاً عن 77 عاماً من استعمار استيطاني دموي.
السؤالان اللذان تُعيدهما الوقائع على الطاولة قاسيان: هل صار السلاح المتبقّي مجرد أداةٍ لحماية حكم فقط؟ وهل فقدت ورقة الأسرى معناها بعد أن حوّلتها إسرائيل إلى ذريعةٍ لإدامة الإبادة والتهجير القسري؟ لنواجههما من دون مواربة، لأن أي تحليل يتجاهلهما سيبقى طقساً لغوياً بعيداً عن لحم الحقيقة.
حين يُختزل السلاح في “حماية حكم”، فهذه قراءةٌ تسحب من السلاح معناه قبل أن تنزع من الحكم شرعيته. نعم، لكل قوةٍ مسلّحة مصلحةٌ تنظيمية في البقاء، لكن اختزال الفعل المقاوم إلى غريزة سلطة يُغفل بنية الصراع: نحن أمام استعمارٍ استيطاني لا يترك للفلسطيني خيار “الحياد”. في بيئةٍ يُقصف فيها المدني، تُحاصَر فيها المدن، ويُدار فيها التجويع كسياسة، يصبح السلاح—مهما اختلفنا حول طريقة استخدامه—وظيفة ردعٍ دنيا تمنع اكتمال مشروع الإلغاء. الدليل ليس في “نصرٍ” عسكري مفقود، بل في عجز العدو، رغم تفوقه وضراوته، عن فرض معادلته القصوى: تصفية البنية المقاتلة، خلق إدارة بديلة مطواعة، وإخراج غزة من المعادلة الوطنية. هذا العجز ليس مكسباً سلطوياً بقدر ما هو قيدٌ استراتيجي على المخطط الإبادي.
أما ورقة الأسرى، فليست مجرّد ملف إنساني في ميزانٍ بارد. أهميتها ليست لأن العدو “يحرص عليهم” أخلاقياً—فهو لا يفعل—بل لأنها تكشف عجزه أمام مجتمعه وتخلخل سردية الردع لديه. صحيح أنّ إسرائيل تستثمر الملف ببرودةٍ قاسية: تصعّد لتقول إنها تقاتل “من أجلهم”، وتفاوض لتكسب الوقت، وتلوّح بعملياتٍ استخبارية لإبقاء الضغط الداخلي تحت السيطرة. لكن هذه “المهارة” ليست بلا كلفةٍ داخلية عليها: عجزُها عن استعادتهم بالقوة بعد كل هذا الزمن، وتعرّض جنودها وجبهتها الداخلية لاستنزافٍ نفسي وسياسي، يراكم شقوقاً في عقدها الاجتماعي—حتى إنْ حاولت السلطة هناك ترميمها بالدعاية. ورقة الأسرى إذن لم تفقد معناها، لكنها تفقد فاعليتها عندما تُدار كملفٍ معزول عن معادلةٍ أشمل. قيمتها القصوى تظهر حين تُدمَج في هندسة تفاوضية تُحوِّلها من “ذريعة استمرار” إلى “مفتاح إغلاق”: تبادلٌ مُرحَّل على مراحل، وقفُ نارٍ مُراقَب بآلياتٍ صلبة، فتحُ معابر بأرقامٍ مُلزِمة، وإدارةٌ مدنية مهنية منفصلة عن قرار السلاح—كل ذلك ضمن إطارٍ فلسطيني جامع يوقّع ويضمن ويتحمل المسؤولية أمام الناس.
المعضلة ليست في وجود السلاح أو الورقة، بل في البنية التي تُؤطِّرهما: سلاح بلا وكالة وطنية جامعة ينزلق إلى شبهة السلطة، وورقة أسرى بلا هندسة سياسية–قانونية ستظل حطباً لسردية الإبادة. هنا يصبح الفعل العقلاني ليس في الدعوة إلى نزع السلاح—وهو ما يريده المحتل لينهي القصة—ولا في تقديسه بوصفه بديلاً عن السياسة، بل في ضبطه داخل عقد اجتماعي واضح: من يحكم المدني يحكم بالتفويض والشفافية والمحاسبة، ومن يقاتل يقاتل بولايةٍ محددة ومساءلة لا تلغي السرية العسكرية ولكن تمنع تحويل المخاطر إلى امتيازات. هذا الفصل المؤسسي لا يضعف المقاومة؛ يطهّرها من شبهة التمثيل القسري ويمنحها غطاءً أخلاقياً وسياسياً يصعب على المجتمع الدولي كسره.
لكن أي عقد فلسطيني داخلي لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن البنية الإسرائيلية التي يواجهها. فالحرب الحالية ليست مجرد ردّ على عملية عسكرية، بل هي لحظة تكثيفٍ قصوى لأجندة يمينية متطرفة يقودها نتنياهو ويغذيها وزراء كسموتريتش وبن غفير. هذه حكومة لم تُخفِ يوماً أنها ترى في التهجير القسري “حلاً”، وفي إبادة البنية المدنية–المجتمعية في غزة “شرطاً” لاستكمال مشروع إسرائيل الكبرى. اليمين الإسرائيلي هنا ليس انحرافاً طارئاً، بل تعبير فجّ عن عقيدة استيطانية مستمرة: من بن غوريون إلى اليوم، الهدف واحد—إدارة الصراع حتى تصفية الهوية الفلسطينية، وتجفيف إمكانية نشوء كيان سيادي مستقل.
وفي خلفية ذلك يقف الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ليس بوصفه “وسيطاً” بل كطرف بنيوي في المعادلة. فبينما تُكثّف الإدارات الأمريكية خطاب “حقوق الإنسان” و”القلق” و”الهدنة الإنسانية”، تستمر في تزويد إسرائيل بالقنابل والغطاء الدبلوماسي، وتستخدم الفيتو في مجلس الأمن لشل أي قرار يُلزمها. هذا التواطؤ ليس عجزاً، بل هو جزء من هندسةٍ أعمق: فلسطين هي آخر مسرح يُختبر فيه صدق القيم الغربية، وحين تفشل تلك القيم أمام مشهد الإبادة اليومية، فإن ما ينكشف هو انفصامٌ بنيوي بين “الليبرالية المعلنة” و”الإمبريالية الفعلية”. الغرب لا يدعم إسرائيل بدافع عاطفي، بل لأنه يرى فيها وظيفة استراتيجية: قاعدة متقدمة لردع أي استقلال عربي، وكبح أي مشروع سيادي لا يخضع لمنظومة السوق–الأمن الغربية.
بهذا المعنى، المقاومة لا تواجه “إسرائيل وحدها”، بل مثلثاً متشابكاً: آلة إبادة يمينية متطرفة داخل إسرائيل، شبكة دعم غربية–أمريكية توفر الغطاء والذخيرة، وصمت عربي يراوح بين العجز والتواطؤ. ومع ذلك، ورغم هذا الاختلال الفادح في موازين القوى، فإن ما فشلت إسرائيل في تحقيقه حتى الآن هو ما يعرّف فعل المقاومة: لم تُصفَّ البنية المقاتلة، لم تُنشأ إدارة بديلة مطواعة، ولم يُمحَ الشعب الفلسطيني من معادلة التاريخ.
من هنا، فالمسألة ليست “هل تستطيع المقاومة فرض شروطها؟” بل “أي شروط مفروضة بالفعل على العدو؟”. الشرط هنا ليس إعلاناً مكتوباً، بل قيدٌ استراتيجي: فشل إسرائيل في تحقيق غايتها القصوى، واضطرارها الدائم إلى التفاوض ولو من موقع تفوق عسكري. هذا وحده، في زمن الإبادة، مكسب تاريخي، لكنه يظل ناقصاً ما لم يتحول إلى وكالة فلسطينية جامعة تحمل الملف أمام الناس والعالم، وتمنع تحويله إلى ورقة بيد فصيل أو ذريعة بيد عدو.
يبقى السؤال الأهم: من يوقف الابادة؟
هناك من يطالب صراحة بخروج حماس من المشهد والخضوع الكامل لإسرائيل، بدعوى حماية غزة وسكانها. هذا الطرح، رغم قناعته السطحية، يتجاهل واقع الصراع البنيوي: أي استسلام لن يُوقف آلة الإبادة، بل سيحوّل الشعب الفلسطيني إلى رهينة بلا مقاومة، ويمنح إسرائيل فرصة لتكريس مشروعها الإقصائي. الحل لا يكمن في التقديس أو النزع الكامل للسلاح، بل في ضبط الفعل المقاوم ضمن وكالة فلسطينية جامعة، فصل المدني عن المقاتل، وإدماج ورقة الأسرى في هندسة وقف النار ورفع الحصار تدريجياً. هنا فقط يمكن أن يُقاس أي اقتراح بالمعيار العملي: تقليل القتل هنا والآن، وإغلاق ذريعة الإبادة بدل إعادة تشغيلها .
أي مقترح، أي بندقية، أي بيان، يجب أن يُقاس على هذا الامتحان الوحيد: **وقف الإبادة .
2025-08-22
