المقاومة الفلسطينية: من جمر المعركة إلى نيران التفاوض!
لؤي صوالحة*
على مدار أكثر من 18 شهرًا، يخوض الشعب الفلسطيني، وفي طليعته المقاومة المسلحة، واحدة من أطول وأعنف جولات الصراع المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، صراعٌ لم يعد محصورًا في حدود الجغرافيا أو التوصيفات العسكرية، بل تحول إلى ملحمة إنسانية وسياسية وأخلاقية. لم تنكسر المقاومة رغم الآلة العسكرية الهائلة التي تستخدمها إسرائيل، ولا انهارت البنى التحتية للمجتمع الفلسطيني رغم المجازر اليومية، لأن ما يحمي هذا الكيان المقاوم ليس فقط السلاح، بل تلك القواعد الجماهيرية الشعبية التي تشكل الظهر الصلب للصمود والبقاء.
لقد أعادت المقاومة الفلسطينية تعريف معادلة الاشتباك من جديد. فالمقاومة اليوم لا تقاتل فقط، بل تفاوض وتدير دفة الصراع السياسي بوعي عسكري وإنساني عميق. ومع صمودها في وجه الحصار الشامل، والقتل المنهجي، والدمار الشامل في غزة، استطاعت أن تفرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي حلّ مستقبلي، وكسيد للميدان، لا كضيف عليه.
قاعدة الجماهير… القلب الذي يضخ للمقاومة الحياة
إن من يراقب المشهد عن كثب يدرك أن التفاف الشعب الفلسطيني حول فصائل المقاومة في غزة والضفة الغربية لم يكن نتيجةً لحظة انفعالية أو انحياز عاطفي، بل خيارًا استراتيجيًا تولّد من رحم المعاناة والإيمان بقدرة هذه الفصائل على حماية الكرامة والوجود الفلسطيني. فقد أثبتت التجربة أن استمرار المقاومة في ساحة المعركة لشهور طويلة لم يكن ليتحقق دون هذا الحاضن الشعبي، الذي آثر أن يقف في خندق المواجهة رغم الجوع، والمجازر، وفقدان الأعزاء.
لقد خرج مئات الآلاف في الجنازات، وزحف الناس إلى مراكز الإيواء تحت القصف، وهم يحملون على أكتافهم أطفالًا يعانون الجوع ونقص الدواء، لكنهم لم يرفعوا رايات الاستسلام، بل لوّحوا برايات الفصائل، ودعوا أبناءهم للالتحاق بالمقاومة، ليقولوا للعالم: نحن من يمنح الشرعية لهؤلاء المقاتلين، ولسنا مجرد ضحايا، بل شركاء في القرار والكرامة.
غرفة العمليات المشتركة: تكتيك الوحدة في زمن التشرذم
رغم التباينات السياسية بين فصائل المقاومة الفلسطينية، إلا أن التجربة الميدانية أثبتت أن “الوحدة القتالية” ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة استراتيجية. فقد أسست غرفة العمليات المشتركة نموذجًا فلسطينيًا متقدمًا لإدارة الصراع، حيث تتوحد البنادق، وتُدار الضربات، وتُخطط العمليات بحنكة جماعية تجاوزت الاعتبارات الفصائلية الضيقة.
إن الصواريخ التي تُطلق اليوم نحو المستوطنات، لا تحمل فقط تواقيع كتائب أو سرايا، بل هي صواريخ غرفة العمليات التي اختارت التوقيت والهدف والرسالة. وهي رسالة للعالم أن المقاومة ليست حالة فوضوية أو ميليشياوية، بل بنية عسكرية – سياسية متقدمة، تدرك كيف توظف قوتها لتحقيق مكاسب ميدانية وإنسانية وسياسية.
معادلة التبادل: حين تمسك المقاومة بزمام التفاوض
في خضم النار والدخان، تقف المقاومة اليوم خلف واحدة من أضخم عمليات التفاوض غير المباشر لتبادل الأسرى، رغم تصاعد القصف، والاغتيالات، والضغط الدولي، وهي تفاوض من موقع القوة، لا الضعف. تدير المقاومة هذا الملف الحساس من غزة، تحت حصار خانق، ومع ذلك تضع على الطاولة أسماءً ثقيلة، مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات ونائل البرغوثي وعبد الله البرغوثي، وترفض عروضًا “إسرائيلية” تقلل من حجم الإنجاز.
لقد استطاعت فصائل المقاومة أن تفرض الشروط، وأن تضع العدو في مأزق أمام الداخل الإسرائيلي الذي ينتظر عودة أسراه، دون تقديم تنازلات سياسية أو أمنية، بل عبر التمسك بالمبدأ: “الأسير مقابل الأسير، والسيادة لنا.”
في ظل المجاعة… مقاومة لا تموت
رغم الجوع في غزة، حيث يحتاج آلاف الأطفال إلى قطرات من الحليب، وعلب من الدواء، وجرعات من الغذاء، تخرج صواريخ المقاومة من تحت الركام، لتقول إن الوجع لا يلغي الإرادة. ومهما بلغت قسوة المشهد الإنساني، فإن هناك ما هو أشد من الجوع: الاحتلال نفسه.
إن مشهد الأطفال تحت القصف، ودموع الأمهات في طوابير المساعدات، لم تمنع الناس من مواصلة الدفاع عن مشروعهم الوطني، بل زادت من قناعة الشارع بأن الحل ليس عبر التسول من المجتمع الدولي، بل عبر المقاومة، وصناعة توازن ردع، وفرض إرادة الفلسطيني على العالم.
محور المقاومة… الرؤية الممتدة
حين يُطلق صاروخ من غزة، يهتز ما هو أبعد من عسقلان أو تل أبيب. فالمعادلة الجيوسياسية الجديدة تقول إن المقاومة الفلسطينية أصبحت جزءًا فاعلًا من محور إقليمي يمتد من طهران إلى بيروت، ومن صنعاء إلى بغداد، ويعيد ترتيب أوراق القوة في الشرق الأوسط. لقد أصبح الاحتلال اليوم أسير معادلات جديدة، حيث لم تعد “اليد العليا” له وحده، بل تتوزع على محاور ومعسكرات صاعدة.
الخاتمة: من الحصار إلى القرار
اليوم، تثبت المقاومة الفلسطينية أنها ليست فقط بندقية تطلق النار، بل عقل يُدير المرحلة، ويقرأ المشهد بتعقيده الكامل. ورغم وحشية الاحتلال، وضراوة الحرب، وسيل الدماء، فإن ما تحقق على يد هذه المقاومة خلال 18 شهرًا من القتال، لم يكن مجرد بقاء، بل انتصار استراتيجي يُكتب في تاريخ الأمم المقاومة.
لقد تحولت المقاومة إلى نبراس ينير طريق الحرية، ومهما اختلفت المسميات بين فصيل وآخر، فإن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، والعدو واحد، والميدان واحد، والمعركة مستمرة حتى زوال الاحتلال.
كاتب وصحفي فلسطيني
2025-07-26
