المغرب – من المُستفيد من استخراج المعادن؟
الطاهر المعز
يُعتبر المغرب من أكبر المنتجين العالميين للفوسفات الذي كان، ولا يزال، أحد دوافع السيطرة على الصحراء الغربية بعد وفاة الجنرال فرنسِسْكُو فرانْكُو وخروج إسبانيا منها، سنة 1975، وبذلك أصبح المغرب يمتلك نحو 70% من احتياطي الفوسفات العالمي، ويتأتّى جزء كبير منه من أراضي الصحراء الغربية، لتصبح البلاد ثاني أكبر منتج عالمي بعد الصين، بحصة 31% من الإنتاج العالمي، وبإيرادات قَدْرُها 11 مليار دولارا، سنة 2022، بفعل ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وأنشأت الشركة الوطنية فروعًا أفريقية…
تمتلك البلاد ثروات طبيعية أخرى، إضافةً إلى الفوسفات، تُهيمن عليها شركة “مناجم” (Manajem )، شركة الملك وحاشيته، ومن أهم هذه المعادن الفضة والكوبالت الذي تريد مجموعة “رينو” الفرنسية لصناعة السيارات احتكاره لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، ووقعت اتفاقًا (صيف 2022) مع شركة “مناجم” لتزويدها بخمسة آلاف طن سنويا من كبريتات الكوبالت (الضرورية لصناعة البطاريات الكهربائية)على مدى سبع سنوات، بداية من سنة 2025.
الجانب المَخْفِيّ من إنتاج الثروات
يُنتج هذه الثروات التي تستفيد منها قِلّة من سُكّان المغرب، وفي مقدّمتهم الملك وأفراد أسْرتِهِ، عُمّال متعاقدون (غير مُثبتين) يُعانون الإستغلال وانخفاض الرواتب في ظروف عمل سيئة جدًّا، كما يُعاني سُكّان المناطق القريبة من هذه المناجم من التلوث وتسميم صحة البشر والحيوان والهواء والأرض والمياه.
يروج مصنعو السيارات، مثل بي إم دبليو ورينو ، للكوبالت “المسؤول” المستخرج من جنوب المغرب لصنع بطاريات لسياراتهم الكهربائية في جنوب المغرب (بوعزيز ، جنوب ورزازات التي ضَمّت جدران سجنها الشّهير عشرات المساجين السياسيين) إنهم يحرصون على التنمية المستدامة لمناطق استخراج الكوبالت المنعوت اعتباطًا “الكوبالت المسؤول”، غير أن الوقائع تُثْبِتُ إن استخراج هذا المعدن أدى ويؤدي إلى تسميم الواحات وتهديد موارد المياه في مساحات كبيرة، وهذه عيّنة من وضع العاملين بالمناجم والمنطقة المُحيطة بها.
تتراوح أعمار عمال المناجم بين 20 و 40 عامًا، تم تشغيل معظمهم من قبل شركة تعاقد من الباطن، وهي شركة تابعة لمجموعة “مناجم”، شركة التعدين الرئيسية في البلاد ومملوكة للعائلة المالكة المغربية.
يتواصل العمل بالمناجم طيلة النهار والليل، ويشتغل العمال ثماني ساعات في اليوم، بالتناوب (نظام الدّوريات)، مع استراحة لمدة 20 دقيقة لتناول طعام الغداء على عين المكان، بعمق 500 متر، حيث الغبار وقلة الأوكسيجين، ويتم عمل التعدين في آبار عميقة وأروقة محفورة تحت الأرض، حيث توجد عربات المَعْدن الخام والمتفجرات وآلات ثقب الصخور، مع الكثير من الغبار والقليل من الأكسجين. يحتوي الكوبالت على الزرنيخ، وهو سم معروف يستخدم في إنتاج المبيدات، ويتم استخدام المكون الآخر من الكوبالت في صناعة السيارات للسبائك والبطاريات الكهربائية، ويتميز كلا المنتجين بالأضرار البالغة التي يُلحقانها بصحة العمال والسكان المجاورين.
تدعي مجموعات شركات تصنيع السيارات (“بي إم دبليو”، و “رينو”) أنها تحرص على الحصول على “الكوبالت المسؤول” المستخرج في المغرب، لإنتاج بطاريات سياراتها الكهربائية، منذ العام 2020. وقعت شركة رينو عقدًا سنة 2022 مع شركة “مناجم” لشراء خمسة آلاف طن من كبريتات الكوبالت المغربية سنويا من سنة 2025 إلى 2032 بهدف إنتاج 300 ألف سيارة كهربائية.
مبدئيًّا، وعلى المستوى النّظَرِي (المُفْتَرَض) تُحاول شركة “مناجم” الظهور كبطلة التعدين المسؤول، فهي تدعي “تحسين الأداء باستمرار من حيث الصحة والسلامة في العمل”، وتحرص على “وقاية العُمّال من الأمراض المهنية” وتحترم حقوق الإنسان “وتعزز الحريات النقابية والحقوق الأساسية للعُمّال… لكن الواقع مختلف تمامًا اعتمادًا على شهادات المُتقاعدين وسكان المناطق المحيطة بالمناجم وشهادات العمال الحاليين (الذين يرفضون الإعلان عن هويتهم) الذين يشيرون إلى أنهم تدربوا ليوم واحد على استخدام المتفجرات ومخاطرها وهم يجهلون مكونات المواد التي يتعاملون معها، ويتعرضون كل لحظة للغبار السام، بدون أقنعة، ولا ملابس الوقاية مع ثقوب في أحذيتهم وقفازات ممزقة وبخوذة مشوهة إلخ.
أثبتت جميع الدّراسات إن الغبار الذي يتنفسه كل يوم 1200 عامل في منجم بوعززر شديد السمية، وإن الكوبالت والزرنيخ مواد مُسَرْطَنَة، فالزرنيخ سم سيء السمعة، يتسبب التعرض المزمن له في الإصابة بسرطان الجلد والرئتين والمثانة وأمراض الجهاز العصبي والقلب والأوعية الدموية والاضطرابات الإنجابية، وغيرها، ويَتَعَرّ عمال المنجم لهذه المخاطر، مقابل رواتب تبلغ 3500 درهم شهريًا في المتوسط (حوالي 330 دولارًا) ، ولا يحترم المُشغِّلُون قانون العمل المغربي، الذي لا يتضمن الكثير من الشروط لحماية الموظفين، لا سيما فيما يتعلق بالصحة والإجازات والترقية والتقاعد، فيما يعاني العديد من عمال المناجم من السرطان أو السحار السيليسي أو من أمراض غير معروفة وليس لديهم تأمين صحي ولا المال للمعالجة وعندما يمرضون يُطردون من العمل “بمكافأة” بشرط ألا يعلنوا عن مرض مهني، كما لا يتم الإعلان عن حوادث العمل إطلاقاً، لكي تدّعِي شركة “مناجم” ( المَلَكِيّة) إن العمل في مناجمها آمن بدليل عدم الإصابة بأمراض مهنية وبديل غياب الحوادث في مكان العمل، وفي الواقع فهي لا تطبق قانون العمل وتنتهج سياسة القمع النقابي، وأقدمت، في عدّة مناسبات على فَصْلِ العمال الذين حاولوا إنشاء قسم نقابي في منجم بوعزير (1200 عامل، نصفهم يعملون لدى شركات مقاولة من الباطن، تابعة لشركة “مناجم”) ومقاضاتهم أمام المحاكم. ومنذ 2011، ارتفع عدد الإضرابات التي قادها بعض العُمّال من أجل تطبيق قانون العمل وتدابير السلامة العاجلة والنظافة الأساسية وما إلى ذلك. كان القمع شرسًا، فقد “نزل عناصر الدّرك إلى الآبار والأروقة لقمع العمال بالضرب وإلغاء قنابل الغاز في باطن الأرض الذي يفتقر أصلاً للأوكسجين، وتم إخراج العمال بالقوة وتم الاستغناء عن 80 من عمال المناجم النقابيين، واحتفظ آخرون بوظائفهم بشرط الإلتزام بالتخلي عن أي عمل نقابي، كما تمت إدانة وسجن العديد منهم، بحسب الكتاب المنشور سنة 2021، من تأليف حميد مجدي (موظف إداري سابق في منجم بوعززر، ونقابي مفصول، تعرض للسجن إثر تنفيذ إضراب) تحت عنوان “المخاض النقابي والسياسي العسير 1999 – 2013 – ورزازات تتحدث بلسان حالها عن المغرب”، وأعاد هذا الكتاب التذكير بالوسائل التي تستخدمها الحكومة وشركة المناجم قبل أن تتمكن من إرشاء وإفساد قيادة الإتحاد النقابي المركزي الذي تَخَلَّصَ من النقابيين من عمال المناجم في بوعززر.
احتج سكان بعض القرى المُتضرّرة من تلوث المناخ والمياه والأرض وصحة البشر، حيث لا مستشفيات ولا مدارس ولا طرقات، ونَظّم السكان، خلال شهر آب/أغسطس 2011، اعتصاماً طويلاً للإحتجاج على التهميش وعلى تلوث المياه الذي يُسببه منجم الفضة ( الذي يستغله أحد فروع مجموعة “مناجم” ) الواقع في قريتهم، فَتَعَرَّضَ السكان إلى القمع والإعتقال والسجن النافذ…
تدمير البيئة وحياة القرويين
تَدّعي شركتا صناعة السيارات “رينو” و “بي إم دبليو” إنهما تضْمنَان احترام مجموعة “مناجم” للمعايير الاجتماعية والبيئية، ومع ذلك، في تسلا، وهي واحة يبلغ عدد سكانها 2700 نسمة وتقع على بعد 10 كيلومترات من منجم بوعزير، ماتت أشجار النخيل بسبب استنزاف شركة “مناجم” لمياه القرية والواحة لاستخراج الكوبالت، فجفت منابع المياه والأرض، ومات النّخل والأشجار والنباتات، وأصبحت البساتين المجاورة للقرية مهجورة.
ينتج منجم بوعزير قرابة ثلاثة آلاف طن من الكوبالت لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، كما ينتج المنجم ما يقرب من 7700 طن من الزرنيخ، وهي مادة شديدة السمية تستخدم في إنتاج الكوبالت، وكذلك في تصنيع بعض المبيدات الحشرية، وتتطلب مصانع معالجة المادة الخام المستخرجة من هذا المنجم، حوالي مليون متر مكعب من المياه سنويًا، أي ما يعادل الاستهلاك المحلي لـ 50 ألف شخص في هذه المنطقة الصحراوية، التي انخفض منسوب مياهها الجوفية، بسبب إيلاء الأولوية لاحتياجات المنجم قبل احتياجات السكان، ما أدّى إلى قطع المياه تمامًا خلال النهار، في موسم الصّيف، ولذلك احتج سكان قرية “تسلا” كما حاول المئات من سكان “تيكتر”، بالقرب من “أغاديس”، معارضة بناء بئر جديدة من قِبَلِ شركة “مناجم”، واستخدم عناصر الدّرك القوة لتفريقهم…
لا تدفع شركة “مناجم” أي تعويضات مالية أو ضريبية للبلديات ولا تدفع حتى مقابل المياه التي تستهلكها، خلافا للعقود الموقعة مع البلديات، وخلافًا التأكيدات الكاذبة في تقارير نشاطها السنوية.
تسببت شاحنات التفريغ وطاحونة السحب في انتشار الغبار على مدى عشرات الكيلومترات، وحصول أضرار كبيرة لسكان وأراضي القرى المجاورة، يعالج المصنع الخام بحمض الكبريتيك والمذيبات وكلورات الصوديوم، وهو مادة مؤكسدة قوية تستخدم في مبيدات الأعشاب المحظورة في أوروبا يودع المصنع نفايات التعدين المليئة بالزرنيخ ، على بعد 200 متر من القرية المحاطة بأحواض هائلة من مخلفات التعدين الجافة، وذلك على بعد خطوات قليلة من المنازل، حيث يتم تخزين عشرات الآلاف من الأطنان من الزرنيخ هناك في الهواء الطلق، ولا تزال هذه النفايات تحتوي على الكوبالت، ولكن يتطلب استخراجها رش هذه النفايات بحمض الكبريتيك الذي له الرائحة نفاذة وحمضية تحرق فتحات الأنف والجلد، ما جعل السكان يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي والتهاب في العين وعِدّة أمراض أخرى، ولا يوجد مستوصف بالقرية، غير مستوصف شركة “مناجم” التي تُخصّصُه لعائلات الموظفين…
الواحات الملوثة
يَعْبُرُ وادي “الوجوم” واحة زاوية سيدي بلال (1400 نسمة) وهي قرية قديمة أسسها “المرابطون” في القرن الثاني عشر، وكانت أرض الواحة تنتج المشمش واللوز والقمح والخضروات، قبل قيام قامت شركة “مناجم” (المَلَكِيّة) بتلويث الهواء والماء والتربة والأشجار والسكان بمخلفات معالجة الكوبالت، فاختفت محاصيل الواحة وبقيت أشجار النخيل فقط ولكنها لا تنتج تمرًا أو تنتج بعض التمر الملوث، وأظهرت دراستان سَنَتَيْ 1999 و 2013 أن تركيزات الزرنيخ في رواسب المياه بالقرية كانت أعلى بـ 40 مرة من المعدل الطبيعي، فقد أصبحت الأرض والماء والهواء ملوثة بالكوبالت والرصاص والكْروم والنيكل، ويمتد هذا التلوث لأكثر من 40 كيلومترًا.
توسّعت شركة “مناجم” ( بحكم النفوذ المُطْلَق لصاحبها ) فأصبح المغرب يحتل المركز الحادي عشر عالميا من الإحتياطي العالمي من معدن الكوبالت، بإنتاج ألْفَيْ طن سنويا، واحتياطي مُقَدٍّر ب17,6 ألف طن، وفق البيانات الرسمية، لكن شركة “مناجم” حوّلت مناطق عديدة من البلاد إلى مصب لنفايات الكوبالت الذي تنتجه الشركات العابرة للقارات، وعلى سبيل المثال، وقَّعَت “مناجم” اتفاقًا في شباط/فبراير 2022، مع شركة “غلينكور” ( أنغلو- سويسرية) “لإعادة تدوير الكوبالت”، أي توريد نفايات هذه الشركة الضخمة ومعالجتها في ضواحي مدينة مراكش، وفي إطار التّوسّع، اشترت شركة “مناجم” التي تمتلكها العائلة المالكة بالمغرب، أُصُولاً من الشركة الكندية “ايمغولد” (IAMGOLD) في كل من السنغال ومالي وغينيا، بقيمة 280 مليون دولار، وفق خبر نشرته وكالة بلومبرغ يوم 21 كانون الأول/ديسمبر 2022
أنشأت العائلة المالكة صندوقًا استثماريا إسمه “المَدَى”، ومقرّه بالدار البيضاء، وهو المساهم الرئيسي بنسبة 81,4% في شركة “مناجم”، وحصل على الدّعم السياسي والمالي الفرنسي لغزو الأسواق الأفريقية، في مجالات الخدمات المالية والمصرفية ومواد البناء والتوزيع والاتصالات والمناجم والطاقة والعقار والسياحة وغيرها، فضلا عن استغلال مناجم الفضة والذهب والنحاس والزنك والرصاص، والكوبالت والفليورين، وتم إدْراج شركة “مناجم” في السوق المالية بالدار البيضاء، وتورطت الشركة، سنة 2019، في عمليات تهريب غير قانوني لكميات كبيرة من الذّهب السّوداني تحملها طائرات “في عملية نقل غير مشروعة لكميات كبيرة من الذهب، في غياب التصاريح المطلوبة لهبوطها وإقلاعها” وفق بيان رسمي سوداني نُشِرَ يوم التاسع من أيار/مايو 2019، أما كمية الذهب المصادرة فلقد أودعت في البنك السوداني المركزي، وخضعت فيما بعد لمفاوضات ومساومات بين اللصوص.
طرحت هذه القضية تساؤلات بشأن الروابط المشبوهة بين ملك المغرب وأوْساط المال والأعمال، أو ما يُسمّى “تضارب المصالح”، وقدّرت مجلة فوربس الثروة الشخصية للملك، سنة 2015، بأكثر من خمسة مليارات دولار، بفضل مجموعته المالية “المدى” (صندوق استثماري) التي تُهيمن على قطاع المصارف والتأمينات والعقارات والإتصالات والمناجم والطاقة بالمغرب، قبل التوسع في إفريقيا، وأصبحت شركات الملك تفوز بمعظم المناقصات الحكومية، فضلا عن احتكار شركة “مناجم” ( التي لها مَقَرّ دَولي في مدينة زوغ بسويسرا، يُساعدها على تهريب الأموال) لقطاع استخراج المعادن وامتلاك عشرة مُجَمَّعَات منجمية غنية بالذهب والفضة في أشدّ المناطق فقرًا بالمغرب، وست مُجَمّعات في بلدان إفريقية أخرى، منها موريتانيا والسودان والغابون والكونغو والسينغال وغيرها، وفق النشرة الإعلامية لمجموعة “مناجم”، في بلد يحتل مراتب مُتدنّية في مجالات التعليم والرعاية الصحية وفي مجالات الحُريات والمساواة والعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص الخ.
2023-07-14