المعرفة والفعل وحركة استرداد الدولة سلطة وموارد!
جمال الطاهات
تحرير الإرادة الإنسانية يتحقق بتمكينها من الفعل
العلم قبل أن يكون طريقة ومنجزات معرفية، هو موقف متعالي لتحرير الإرادة الإنسانية وتمكينها من الفعل. اكتشاف الحقائق -من منظور العلم- من أجل إطلاق الإرادة الإنسانية من قيودها عبر تمكين الإنسان من الفعل الذي يمكنه من إعادة بناء علاقته مع بيئته ومحيطه. فالثورة العلمية ربطت النشاط المعرفي بالبحث عن الحقائق التي تحرر الفاعلية الإنسانية، وحددت قيمة المعرفة بوظيفتها، وهي مساعدة الإنسان على اكتشاف فرص الفعل الذي يحقق غاياته.
والروح التي حملت الثورة العلمية في مرحلتها الأولى، تشكلت عبر تحولات ثورية في كل حقول المعرفة الإنسانية، بما فيها المسرح والفنون التشكيلية والموسيقى. الثورة في المسرح والرواية حررت فكرة البطولة. فكسرت احتكار الآلهة للبطولة، (فلم تعد حكراً عليهم، كما هي صفات الأبطال اليونانيين في مرحلة الأسطورة)، وحولتها إلى ممكن إنساني من اجل الارتقاء والانعتاق. فأصبحت البطولة التي تتمثل في القدرة على تحقيق الأهداف ضمن المحددات الإنسانية، في متناول الإنسان العادي والبسيط، كما تجلت في أدب عصر الانوار، ومن ثم الثورة الرومانسية، التي اتاحت البطولة للإنسان من حيث هو إنسان، وقدمت “للبؤساء” خيارات لفعل إنساني يمكنهم من إعادة إنتاج أنفسهم أبطالاً يغيرون العالم.
فكرة السببية في العلم والفلسفة وفي السياسة، هي من أجل تحديد العامل الذي يمكن السيطرة عليه لتغيير الواقع. نظرية الأمراض في القرن التاسع عشر على يد لويس باستور، وروبرت كوخ، ربطت المرض بالجراثيم، من أجل السيطرة على سبب المرض. فأهم ما عملته تلك النظرية أنها حررت العقل الإنساني من خزعبلات “السبب المتعالي الذي لا يمكن السيطرة عليه”، وأصر العلم بدلاً من ذلك على ربط ظاهرة المرض بسبب موضوعي يمكن عبر السيطرة عليه، أن يتحرر الإنسان من الأمراض التي تسببها البكتريا. فأصبح المرض يواجه بالمطاعيم والمضادات الحيوية، وليس بالأدعية والصلوات والتمائم. فالعلم أخضع تعالي الأسباب، بتكريس تعالي الإنسان (عقلاً وفعلاً) فوقها.
وعي الفقراء لأسباب بؤسهم ضرورة لتحررهم
ارتباط علم السياسية بالفعل الذي يفضي إليه ليس اكتشافاً جديداً. فمنذ ما يزيد عن ألف عام، قدم الماوردي (وهو ربما أول من كتب في علم السياسة، بعد أفلاطون وأرسطو، وله العديد من الكتب السياسية مثل: الاحكام السلطانية، والحاوي الكبير، والاقناع، قوانين الوزارة، وسياسة الملك، ونصيحة الملوك) وصفاً لعلم السياسة والفكر السياسي، بانه فكر عملي. صحيح أنه (ليس “من ذات طبيعة علم الحيل” حسب تعبير الماوري)، ولكنه يتمسك بموقف حاسم بأن السياسة ليست علماً نظرياً. فما يُقر كحقيقة سياسية لا قيمة نظرية مجردة لها، إن لم تساهم في تطوير خيارات عملية لتغيير الواقع السياسي. والفكرة السياسية خواء ولا قيمة لها، بالنسبة لقوى التغيير، إذا لم تساعد على اشتقاق فعل لتغيير الواقع. وكليات علم السياسة تقول بوضوح، بأن النظرية السياسية يجب أن تتألف من أربعة أركان متكاملة: وصف، وتفسير (تحديد عوامل موضوعية يمكن تغييرها بالفعل الإنساني)، توقع، ثم تقديم الخيارات العملية.
وهي ذات الفكرة عن السياسة التي انطلق منها ماركس، لتصحيح مهمة الفلسفة لتكون “تغيير العالم وليس وصفه”. وهذا يتطلب إعادة توصيف الواقع السياسي والاقتصادي بالعوامل الحقيقية التي تُنشئ البؤس وتغريب الإنسان والشعوب عن حياتها ومواردها. فما يصنع الثورة والتغيير، ليس بؤس الفقراء وتغريبهم عن حياتهم وحرمانهم من ناتج عملهم، بل وعيهم ومعرفتهم للعوامل الحقيقية التي تصنع بؤسهم وتغربهم عن حياتهم. الثورة لا يمكن أن تنشأ قبل تمكين الفقراء من وعي العوامل الحقيقية التي تصنع فقرهم، وطريقة العمل للتخلص من هذه العوامل. عندها سوف يتقدم الفقراء للتخلص من فقرهم، وتحرير أنفسهم من البؤس واسترداد حقهم بناتج عملهم.
والمطلوب هو توضيح الحقائق والعوامل المركزية لفقر الشعب الأردني، وبؤسه، وتغريبه عن وطنه، بأنها ليست بسبب ثقافته، ولا بسبب طبيعة هذا الشعب، بل بسبب وجود عائلة عميلة مستبدة فاسدة، تمتهن كرامة الأردنيين، وتذلهم، وتسرق مواردهم وتحولهم لمتسولين، يستجدون حقوقهم، وينتظرون مكارم المستبد الفاسد وعائلته. من الضروري توضيح العامل المركزي الذي يغرب الشعب الأردني عن وطنه بانه وجود عائلة لم تحكم يوماً، إلا مستندة إلى دعم القوى الاستعارية، ووظيفتها هي فقط قهر الشعب الأردني واذلاله، ونهب خيراته.
تضليل الشعوب بضجيج فارغ يشل فاعليتها
السياسة علم عملي بطبيعته، وأي معرفة سياسية او خطاب سياسي لا يؤسس لفاعلية هو من باب اللغو والضجيج المعرفي، الهادف لشل قدرة الشعوب على تحدي الاستبداد. واكتشاف علاقة المعرفة بالفعل، ليست مجرد موقف فلسفي نظري، بل ضرورة لاستعادة المعرفة كمورد رئيسي لتحسين الحياة وتطويرها في كل المجالات بما فيها السياسة، عبر تطوير الخطاب السياسي لقوى الإصلاح لتحقيق مهمتها المركزية، وهي مساعدة الشعب الأردني على حماية نفسه من حملات التضليل التي تهدف لشل إرادته، وتشتيت جهوده، واكتشاف الفعل المناسب لاسترداد دولته سلطة وموارد.
إحدى وسائل المستبد الفاسد لتعزيز حكمه، هي نشر ضجيج فارغ من أي قيمة معرفية مهمتها أن تشل قدرة الأفراد والجماعات عن الفعل. فالمعرفة التي ينشرها المستبد الفاسد وعائلته هي تلك التي تأخذ الناس للبحث عن أسباب للتخلف والفقر والمرض والجهل بعيداً عنه. وهو يسعى لتفسير حالة الأردن بأنها بسبب طبيعة الشعب الأردني. ويتهم الأردنيين بأنهم شعب متخلف ينتج ديناصورات، وذلك لتبرير استبداده كضرورة لمواجهة شعب ينتج ديناصورات. وهو بذلك يحفي حقيقة أن الاستبداد وسيلة لتسهيل سرقاته وسرقات عائلته لموارد الشعب الأردني. والمطلوب مواجهته بخطاب سياسي موضوعي يسقط شرعية استبداده ويكشف فساده. فالمطلوب معرفة موضوعية تربط تردي التعليم بسرقة المستبد الفاسد وعائلته للموارد المخصصة لتطويره. وربط تردي واقع الخدمات الصحية بسرقتهم الموارد المخصصة لها. وربط ارتفاع أسعار الطاقة، والتي تثبط الاستثمار وتؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي، بقيام المستبد الفاسد بالسيطرة الاحتكارية على قطاع الطاقة وسرقة مواره.
الضجيج المعرفي الذي يبثه المستبد الفاسد وعائلته عبر أبواقهم وسحيجتهم، هدفه تضليل الشعب الأردني، وإخفاء العوامل الموضوعية التي تسبب فقر الأردنيين وعجزهم. التصدي لهذا التضليل يستلزم تقديم المعرفة البديلة التي تحدد العوامل الموضوعية للواقع السياسي والاقتصادي، وهي وجود المستبد الفاسد وعائلته وسيطرتهم على كل السلطة كوسيلة لنهب لكل ما يستطيعون نهبه من موارد الشعب الاردني. وأهم معيار للموضوعية في تحديد العوامل السياسية هو: قابلية هذه العوامل -التي يتم ربط الظاهرة السياسية والاقتصادية بها- بان يتم التأثير عليها وتغييرها.
كلمة أخيرة
يجدر التذكير بأن المعيار الحاسم للتمييز بين الضجيج المعرفي التضليلي، والخطاب السياسي الذي يسعى للتغيير والتطوير، هو مدى ما يساهم به الخطاب السياسي من تطوير خيارات لقوى الشعب الحية التي تسعى لتمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد. الخطاب السياسي الذي يحرر الشعب الأردني، هو الخطاب الذي يقدم له الفعل المناسب ليسترد الشعب الأردني دولته ويعيد تشكيل واقعه ومستقبله، ببناء دولته الحقيقية التي تعبر عن قيمه العليا وتخدم مصالحه في ذات الوقت. أي تحليل سياسي لا يفضي إلى اشتقاق فعل لتغيير الواقع والتخلص من الاستبداد والفساد، هو ضجيج معرفي يخدم المستبد الفاسد وعائلته.
2025-01-02
