المخطط الصهيو أمريكي للمنطقة إلى أين:
كتب: حمود النوفلي
من خلال قراءة الأحداث المتسارعة في المنطقة، يمكن فهم التحركات الجيوسياسية ضمن إطار المخطط الأمريكي–الصهيوني، الهادف إلى حماية الكيان الصهيوني وضمان توسعه وهيمنته المطلقة، دون أي تهديد أو رادع حقيقي من الدول المحيطة.
وتتمثل أبرز ملامح هذا المخطط – الذي تشارك فيه للأسف بعض الأنظمة العربية – بالخطوات التالية:
* إسقاط العراق:
بدأ المشروع بتجييش عالمي لإسقاط العراق، لما كان يمثله من قوة عسكرية عربية كبرى، عبر تدمير جيشه الذي كان يُعدّ من أقوى الجيوش في المنطقة.
* التخلص من ليبيا:
ثم جاء الدور على ليبيا، حيث تم التآمر على جيشها القوي آنذاك، المعروف بامتلاكه ترسانة من الأسلحة، وبموقفه العلني الرافض للصهيونية، فتم التعاون على إسقاطه بنفس الذريعة.
** تفكيك السودان:
وبعد ليبيا، التفت المخطط نحو السودان، تلك الدولة التي تمثل عمقًا استراتيجيًا للعالم العربي بمواردها الزراعية الهائلة، وقوتها البشرية، وجيشها الذي يحمل عقيدة إسلامية.
بدأ العمل على تقسيم السودان إلى دولتين، بدعم وتحريض من نفس الجهات، ثم جرى تحريك ثورة لإسقاط نظامه، بعد اكتشاف أن كثيرًا من الأسلحة التي تصل إلى غزة كانت تمر عبر السودان.
** استهداف الجيش السوداني:
لم يتوقف الأمر عند إسقاط النظام، بل تم الضغط على النظام الجديد للتطبيع مع الكيان الصهيوني. ومع ذلك، لم يكن هذا كافيًا، فوجود قيادات داخل الجيش بعقيدة مناهضة للصهيونية شكّل خطرًا، فتم إلصاق تهمة “التعاون مع إيران” به، ليبدأ سيناريو الحرب الداخلية، وتُغرق السودان في صراع دموي يستنزف قوته ويشلّ دوره العربي والإسلامي.
الهدف الحقيقي من كل هذا؟
تحييد كل دولة أو جيش يمكن أن يشكّل دعمًا للمقاومة أو تهديدًا استراتيجيًا للكيان الصهيوني، وتحويل العمق العربي الزراعي والبشري إلى ساحة صراعات داخلية لا تنهض بعدها بسهولة، ليُصبح الكيان الصهيوني القوة المهيمنة وحدها في المنطقة.
* استهداف الجيش اليمني:
لم يكن الجيش اليمني بمعزل عن هذا المخطط، فقد كان يُعد من الجيوش العربية القليلة التي تمثل تهديدًا حقيقيًا على المدى الاستراتيجي. جيش يتميز بالشجاعة، والبأس الشديد، والقدرة على القتال في تضاريس صعبة، فضلًا عن موقع اليمن الجغرافي الحساس المطل على أهم الممرات البحرية.
لذلك، جرى التآمر عليه بالتعاون مع ذات القوى الإقليمية، وتم تفكيكه وإشعال حرب أهلية دامية مستمرة منذ أكثر من 12 عامًا. لم يكن الهدف إنهاء الحرب، بل إبقاء اليمن في حالة ضعف دائم، وإشغاله بصراعات داخلية، وتدمير بنيته التحتية، ونهب ثرواته، وضمان ألا تقوم له قائمة مستقبلًا كقوة عربية مستقلة أو كجيش قادر على التأثير في المعادلة الإقليمية.
* استنزاف سوريا:
بقيت سوريا – برغم كل الضغوط – ضمن قائمة الدول الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وكانت تحتضن مقاومات وتدعمها، كما يشكل جيشها ركنًا من أركان محور المقاومة.
لذا، تم فتح جبهة داخلية فيها عبر تحريك أطراف معروفة، شاركت فيها دول عربية بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت شعارات ظاهرها الإصلاح وباطنها التدمير.
ونجح المخطط في إنهاك الجيش السوري وتفكيكه، وتحويل البلاد إلى ساحة حرب أهلية طاحنة، هدفها تدمير هذا الجيش واستبدال النظام القائم بنظام يقبل التطبيع كشرط رئيسي لرفع العقوبات وجلب الاستثمارات.
*النتيجة العامة لهذا المخطط:
تصفية ممنهجة لكل جيش عربي قوي ورافض للتطبيع، وتحويل الجيوش من أدوات سيادة إلى أدوات قمع داخلي، ومن حماة للحدود إلى أدوات تنفيذ سياسات التبعية.
ويبقى الكيان الصهيوني هو المستفيد الوحيد، بينما شعوب الأمة تدفع الثمن دمًا وتشريدًا وفقرًا وتخلفًا ممنهجًا.
السؤال المطروح اليوم: على من سيكون الدور القادم؟
للأسف، تشير المعطيات إلى أن الجيش المصري هو المستهدف التالي في هذا المخطط الإقليمي والدولي، رغم كل التحفظات والانتقادات على مواقف النظام المصري الحالي، خاصة فيما يتعلق بتعاطيه مع العدوان على غزة، ورغم مسار التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني، فإن ذلك لا يعني التغاضي عن الخطر الحقيقي الذي يهدد ما تبقى من القوة العسكرية العربية.
فالجيش المصري، بما يمثله من قوة وإرث تاريخي، يُعد اليوم آخر جيش عربي قادر على تشكيل تهديد استراتيجي للكيان الصهيوني، ومن هنا بدأت ملامح الخطة:
* بناء سد النهضة بهدف تهديد أمن مصر المائي وجرّها إلى صراع مع إثيوبيا.
* دعم قوات حمديتي في السودان، وجرّ الجيش المصري للتورط في حرب إقليمية منهكة على حدوده الجنوبية.
* تحريك مشاريع انفصالية في الصومال وأماكن أخرى لتشتيت الدور المصري واستنزاف طاقاته.
* تصعيد التوتر في العلاقات مع بعض الدول التي كانت حتى الأمس القريب شريكة في ملفات إقليمية حساسة.
لقد أدركت مصر خطورة ما يُحاك، وبدأت في التحرك بذكاء دبلوماسي، من خلال إعادة فتح قنوات التواصل مع إيران، وتعزيز الشراكة مع الصين وروسيا، في محاولة لكبح تنفيذ هذا المخطط الخبيث.
وهنا لا بد أن نُذكّر:
النظام شيء، والجيش المصري ككيان قومي شيء آخر.
فهو ليس فقط جيش مصر، بل هو آخر معاقل الجيوش العربية التي كانت تمثل خط الدفاع عن الأمن القومي العربي.
لذا، من الحكمة أن لا يساهم أي عربي في إضعاف هذا الجيش أو التآمر عليه، بل على العكس، يجب أن نقف معه وندعو إلى:
* إعادة ترميم الجبهة الداخلية المصرية بالحوار الوطني والمصالحة المجتمعية.
* الانفتاح على القوى الشعبية العربية واستعادة الدور القومي العروبي لمصر.
* تشكيل تحالفات استراتيجية حقيقية مع القوى الصاعدة عالميًا لمواجهة الهيمنة الغربية والتآمر الصهيوني.
فالمعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض، بل على بقاء الهوية والكرامة والسيادة.
* ماذا بعد الجيوش العربية؟
بعد أن تم إنهاك وتفكيك معظم الجيوش العربية الكبرى، تنتقل الخطة الصهيونية-الأمريكية إلى المرحلة التالية: استهداف الجيوش الإسلامية غير العربية، والتي تُعد اليوم آخر ما تبقى من قوى عسكرية قد تعارض الهيمنة الكاملة للكيان الصهيوني في المنطقة.
في مقدمة هذه الجيوش:
-الجيش الإيراني الذي يمثل تهديدًا مباشرًا عبر دعمه اللامحدود للمقاومة في فلسطين ولبنان.
– الجيش التركي الذي يملك قدرة صناعية عسكرية متقدمة، ويحتفظ بعقيدة استقلالية قد تهدد مصالح الغرب مستقبلًا.
-الجيش الباكستاني وهو الجيش الإسلامي الوحيد الذي يمتلك السلاح النووي، ما يجعله عنصر توازن استراتيجي دولي.
إذا تحقق للعدو ما يريد، وتم تحييد هذه الجيوش أو تدميرها داخليًا، فستكتمل حينها الحلقة، ويصبح الكيان الصهيوني هو القوة الإقليمية الوحيدة، والذراع الأمني الرسمي لأمريكا في الشرق الأوسط، لا رقيب عليه ولا منافس.
* لماذا شاركت بعض الدول العربية؟
قد يتساءل البعض: لماذا تشارك أنظمة عربية في هذا المخطط وهي تعلم خطورته؟
الجواب ببساطة: لقد وُعِدوا بأنهم سيكونون “شُرطي المنطقة” بعد إزاحة كل الجيوش المنافسة. صدّقوا الوهم، وظنوا أن واشنطن ستمنحهم الهيمنة في المنطقة، بينما الحقيقة أن “الشرطي الفعلي” الذي يجري تأهيله وإعداده منذ عقود هو الكيان الصهيوني، الذراع الأمريكي الحقيقي، والدولة التي خُلقت لهذا الدور.
*هل ستنجح الخطة؟
في تقدير الواقع الجيوسياسي اليوم: لا.
أسباب الفشل بدأت تتراكم:
– أفول القوة الأمريكية وتراجع سيطرتها على قرارات العالم.
– صعود الأقطاب الجديدة كالصين وروسيا وغيرها من القوى الرافضة للهيمنة الغربية.
– تصاعد وعي الشعوب، وبروز قوى مقاومة لا تُهزم بسهولة رغم الحصار.
– صمود محور المقاومة الذي أربك الحسابات وفضح الخداع.
إن المخطط لن يكتمل، و”إسرائيل” – الكيان اللقيط – وإن طال عمره، فهو كيان مؤقت، وسيأتي اليوم الذي يُقتلع فيه من جذوره، تمامًا كما قُلعت كيانات استعمارية قبله.
هذا اجتهاد شخصي قد يصيب وقد يخطيء والله أعلم.
2025-07-27