المثلية السياسية في حرب الإبادة المالثوسية! موفق محادين
الأساليب الحالية للإمبريالية الأميركية والأوروبية للتخلص من (الفائض السكاني) العالمي لسوق العمل، هي امتداد للأساليب القديمة وأقنعتها الأيديولوجية.
المثلية في الاستراتيجية الإمبريالية للعقود المقبلة، أكبر وأخطر من ظاهرة اجتماعية من ظواهر الشذوذ الجنسي التي يسوقها الإعلام الإمبريالي كوجه من وجوه الحريات الفردية الليبرالية.
فهي عنصر أساسي من الخطاب السياسي الاجتماعي للمالثوسية الجديدة والداروينية الاجتماعية الجديدة، بما هما الأدوات الأيديولوجية الأساسية للاستراتيجة المذكورة. وهي عنصر مكمل لحرب التعقيم الإمبريالية التي تشمل البشر والبذور وغيرهما، وتلتقي وتأخذ كثيراً من التلمودية اليهودية، الجذر القديم للنازية والعنصرية وأفكار تشمبرلين وغوبينو: الشعب المختار في مقابل الأغيار الغوييم (البهائم) في الثقافة الإمبريالية في مقابل العرق الأبيض المزعوم.
أما مالثوس، الأب الروحي للرأسمالية المتوحشة، فهو راهب إنكليزي عاش بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وعرف بنظريته أو كتابه (بحث أو محاولة في قانون السكان، وملخصه أن سكان العالم يتزايدون بشكل متوالية هندسية (2–4–8–16-..)، فيما تتزايد الموارد والأغذية بمتوالية حسابية (2 – 4 – 6 – 8 -..)، وبالتالي، فالحل عنده مركب من عوامل طبيعية، وأخرى على (النخب البيضاء) أن تلجأ إليها (الكوارث الطبيعية والأوبئة، في مقابل الحروب والمجاعات وأوبئة المختبرات)، ومن الواضح أن الجذر التلمودي اليهودي لتأويلاته البروتستانتية ساعده في تلك القراءة الإجرامية.
يشار هنا إلى فكرة الإنسان ثنائي الجنس، الأندروجيني، في القبّالاة اليهودية منذ تحريف هذه الطريقة الصوفية عن نصوصها الأصلية في الشرق القديم، وبالمثل الفكرة الماسونية عن الآلهة الوثنية ثنائية الجنس.
وبحسب المفكر البريطاني كولن ولسون في كتابه (الإنسان وقواه الخفية) فإن دعوة مالثوس إلى تنظيم النسل (الحد منه في الواقع) في البيئات الفقيرة، ليست بعيدة من كون الحضارة الغربية بالذات قد عرفت أشكالاً من هذا التنظيم الجنسي عبر المثلية، التي كانت معروفة عند الفئران في المجمعات القذرة.
وقد وجدت الرأسمالية في أفكار مالثوس إلى جانب توظيف الداروينية (البقاء للأقوى) مصدراً مهماً وأساسياً في إدارة مصالحها على هذا النحو المتوحش، الذي سبق وخبرته في الحملات الاستعمارية للأنكلوسكسون والفرنسيين والإيبيريين والهولنديين والأوروبيين عموماً، ضد الشعوب المقهورة في أميركا الشمالية والجنوبية كما في أفريقيا وآسيا وأستراليا، وجرى إبادة الملايين باسم الرب بوصفهم جماعات كفار متوحشة.
وكان لافتاً أن الأساليب الحالية للإمبريالية الأميركية والأوروبية للتخلص من (الفائض السكاني) العالمي على حاجة سوق العمل، هي امتداد للأساليب القديمة وأقنعتها الأيديولوجية، من المختبرات الأولية لصناعة الأوبئة ونشرها إلى الغطاء الأيديولوجي، ومن محاكم التفتيش الكاثوليكية إلى الآباء اللوثريين الذين كانوا بمرافقة المستعمرين بذريعة تمدين المتوحشين، إلى أيامنا هذه، بذريعة التمدين هذه المرة تحت شعارات حقوق الإنسان والحرية الفردية وفلسفة الأسواق.
وقد اتهمت الدوائر الأميركية المعنية كل من يعارضون المثلية بـرهاب المثلية، ولم يعد الشذوذ الجنسي في أميركا مرضاً يستوجب العلاج، بل قامت هذه الدوائر بإنشاء وتعميم قاموس اجتماعي جديد تحت علم (قوس قزح) من تصميم جيبلرت بيكر، وأصبحت حقوق المثليين جزءاً من حقوق الإنسان، وأصبح الالتزام بهذه الحقوق شرطاً أساسياً من شروط البنك وصندوق النقد الدوليين لمنح القروض أو تغطيتها، وأصبح الاتحاد الأوروبي أكثر حماسةً من الولايات المتحدة، إلى درجة اعتماد قرار عام 2006 ضد رهاب المثلية.
إلى ذلك، وكما أظهرت العملية العسكرية الروسية ضد الجيب الأطلسي الصهيوني في أوكرانيا، أن حكاية المليار الذهبي من البشر البيض وما يحتاج إليه من العمالة الجديدة والأسواق العالمية في ضوء الثورة المعلوماتية، ليست كذبة ولا بدعة من مناهضي الرأسمالية المتوحشة، بل حقيقة أكّدتها عشرات المختبرات في غير بلد بلا سيادة مثل أوكرانيا. وقد احتلت روسيا الأوراسية والصين (طريق الحرير الجديد) والقارة الأفريقية، وكذلك البلدان المحيطة بالكيان الصهيوني، اهتمامات خاصة في هذا السياق.
وليس من فراغ أن تنتبه روسيا، وخصوصاً الرئيس بوتين، وبلدان السيادة السياسية في الشرق الأوسط، إلى خطر هذا الموضوع، ومنع المثلية بوصفها أداة أساسية من حرب الإبادة المذكورة.
وفي المقابل، ليس بلا معنى تركيز جورج سوروس، مهندس الثورات الملونة على المثلية كأحد الشعارات الأساسية في هذه الثورات، وفق ما جاء في (ببليك أفيرز 2019) وليس بلا معنى أن يشترط البنك وصندوق النقد الدوليان ومشروعات الإصلاح (التخريب) التي يسعون لفرضها على العالم وعلى البلدان المتورطة معهما عدم ملاحقة المثليين، وترسيخ ذلك في القوانين والأنظمة المعمول بها.
ومن يتابع تقارير المنظمات التي تقدم نفسها كهيئات مهتمة بحقوق الإنسان، مثل “هيومان رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية وبعض مراكز التمويل الأجنبي المشتبه فيها ورعاية (الثورات الملونة)، يلاحظ الاهتمام الكبير بالمثليين وتمكين كثير منهم بهذه الصفة تحديداً، وليس بصفتهم السياسية والمدنية العامة، من الوصول إلى البرلمان.
وكان ملاحظاً على هذا الصعيد، أسئلة من هذا النمط وجّهتها برامج إعلامية في فضائيات غربية الهوى، وفي فضائيات السفارات ومحميات النفط والغاز المسال، لمرشحين في الانتخابات النيابية اللبنانية والعراقية، بل إن بعض الجماعات الإسلامية أعربت عن (احترامها) لهذه الحقوق، سواء من باب النفاق أو التزلف للجهات الخارجية. ومن ذلك، تصريح الشيخ راشد الغنوشي في تونس.
ومن المؤسف أن ضغوط السفارات الأميركية والأوروبية نجحت في إطلاق مجموعات متزايدة من المثليين كهيئات وجمعيات، لا كأشخاص في غير بلد عربي، كما في لبنان، جمعيات “ميم وحلم”، في المغرب جمعية “كيف كيف”، وفي الأردن بالتعاون مع السفارة الأميركية جمعية “عون”.
هذا إضافة إلى الحروب المعروفة، العالمية والأهلية التي أبادت عشرات الملايين ولا تزال، من حروب الرأسمالية، إلى جرائم “تل أبيب” وداعش وجبهة النصرة وأنصار الشريعة، بذرائع وأقنعة شتى في خدمة المافيات والإمبراطوريات المالية، ثمة أشكال أخرى لإبادة الجنس البشري.
ولم يعد الحفاظ على العبيد أو الأغيار (بالمفهوم التوراتي أو الإغريقي)، مهماً مع تقدم التكنولوجيا أو هكذا يخيل إليهم. فما من متسع للجماعات المزعومة، سواء أكانت عرقية لدى الشمال الأشقر أم مذهبية لدى أصحاب (الفرقة الناجية).
وقد نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق ما كتبه إيكه في مجلده الضخم (السر الأكبر) الذي يتحدث بحماسة عن سلالات عرقية تدير التاريخ لا العالم الحالي وحسب.
وفي كل حال، فإن أساليب مالثوس ومتوالياته (الهندسية والحسابية للبشر والموارد) وأساليب السيناتور الأميركي، مكارثي، قبل نهايته في (مصح عقلي) وأساليب هتلر وتشمبرلن وأمثالهما، أساليب بالية و(دقة قديمة) قياساً على الأساليب الجديدة لإفناء أو إبادة الجنس البشري واحتكار الأرض وما عليها من قبل سلالة مزعومة من (الشعب المختار).
ومن هذه الأساليب:
1. إشاعة المثلية ووضعها ضمن شروط التسهيلات والقروض التي تقدمها المراكز الرأسمالية للبلدان الفقيرة أو بلدان العالم الثالث.
2. إنتاج وتسويق أنواع من إبر الحقن والحبوب التي تمنح مستخدميها الهيجان والمشاعر نفسها التي يحصل عليها من العلاقة مع الجنس الآخر.
3. تعزيز الحرب على فكرة الأسرة والتواصل الاجتماعي، وبالمجمل تحويل البشر كما كتب مفكرو مدرسة فرانكفورت (ماركوز، وهابرماس) إلى أرقام ومكعبات صماء.
4. والجدير ذكره في هذا السياق أن الأسلاف المؤسسين للشعب المختار بحسب الرواية التوراتية أنجبوا (بالعناية الخارجية) وليس عبر المعاشرة المعروفة.
المثلية عبر الرواية وجوائزها
لم يقتصر الترويج على السفارات الأميركية والأوروبية، وهيئات مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، بل امتد إلى عالم الجوائز الروائية، حتى صار إقحام شخصيات مثلية إلى جانب (اليهودي الطيب) من شروط وعتبات هذا العالم.
ومثل ذلك، استعادات مقحمة وبلا معنى لحالات شخصية فردية لكتاب شاذين جنسياً، مثل أندريه جيد، وفوكو، وبايرون، وسومرست موم، وأسكار وايلد، ولكتاب من رجال الجاسوسية الاستشراقية أمثال لورنس.
ومن هذه الإقحامات تأويلات بعضهم للعلاقة الصوفية بين شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي في رواية آليف شافاق (قواعد العشق الأربعون). وبالمثل بعض القراءات التي تناولت رواية أمين معلوف (القرن الأول بعد بياترس) والصفة المزدوجة للجعران المصري.
2022-10-01