اللغة العربية .. عندما تغرس النبتة المحرمة في الحديقة الخلفية للمنزل
د. عمر ظاهر
دراسة من جامعة جنوب الدنمارك استغرق إعدادها ثلاث سنوات، وستصدر قريبا عن دار الطباعة والنشر الدنماركية توربينه أكاديمسك (Turbine-Akademisk)، تكشف، ضمن كتاب يتناول مسألة اللغة الأم، جانبا مهما من وضع اللغة العربية في الدنمارك، إذ تلقي الضوء على الظروف التي يتعلم فيها أولاد اللاجئين والمهاجرين العرب لغتهم الأم. وتبين الدراسة، من بين أمور عديدة، أن هناك أوجه شبه بين السعودية والدنمارك فيما يتعلق بوضع اللغة العربية عند تعلمها خارج إطار النظام المدرسي الدنماركي، وكذلك علاقة وثيقة بين ظروف هذا التعليم والتعلم وبين انخراط الشباب من البلدين في التطرف وأعمال الإرهاب.
وتوجه الدراسة نقدا شديدا إلى النظام الدراسي الدنماركي لإهماله تعليم اللغة العربية في المدارس العامة في وقت يضمن فيه هذا النظام لكل الأجانب من دول الاتحاد الأوروبي تعليم أولادهم لغاتهم الأم في المدارس الدنماركية.
ومن المعروف أن الدنمارك، وتحت ضغط شديد من التربويين والاختصاصيين في مجال اللغة، كانت قد اتخذت في التسعينيات من القرن الماضي، قرارا بتقديم عرض إلى أسر الأطفال اللاجئين والمهاجرين، بتدريس أولادهم لغاتهم الأم في المدارس الدنماركية. وكان في أساس ذلك الضغط الاعتقاد بأن تعلم لغة الأم يساعد على تعلم اللغات الأخرى، ويسهّل، في حالة الدنمارك، تعلم الأطفال الأجانب اللغة الدنماركية.
وقد قامت مؤسسات تعليمية معينة في حينها بمحاولة لإعداد معلمين متخصصين في بعض اللغات المهمة في الدنمارك، ومنها العربية والتركية والفيتنامية.
إلا أن الحكومة اليمينية التي جاءت إلى السلطة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 اتخذت قرارا بإلغاء تدريس اللغة الأم لأطفال اللاجئين والمهاجرين في المدارس الدنماركية (وترك القرار فيها لكل بلدية) تحت ذريعة أن تشجيع تعلم تلك اللغات يؤدي إلى نمو ولاء لدى هؤلاء الأطفال لمجتمعات اللغات التي يتعلمونها، في حين يقتضي دمجهم في المجتمع الدنماركي، وإنماء هوية دنماركية لديهم، التركيز على تعليمهم اللغة الدنماركية.
وتبين الدراسة أن قرار إلغاء تدريس لغة الأم كان كارثيا، خاصة فيما يتعلق باللغة العربية، فصانع القرار تجاهل تماما حقيقة أن إيقاف تدريس اللغة الأم في المدارس لا يعني إلغاء رغبة آلاف الأسر في أن يروا أولادهم يتعلمون لغة آبائهم وأجدادهم، وإصرارها على ذلك، وأن تلبية هذه “الحاجة” الرئيسية المشروعة ستتم بشكل أو بآخر.
وتبين الدراسة أيضا أن قرار إلغاء تدريس لغة الأم قد تسبب، على عكس ما كان يتوقعه صانع القرار، في أضرار فادحة لعملية دمج اللاجئين، خاصة العرب الذين يشعر كثيرون منهم أصلا أن المجتمع يسعى إلى سلبهم عناصر مهمة من شخصيتهم وثقافتهم، وفي مقدمتها لغتهم.
وتتطرق الدراسة إلى موقف الأسر العربية من تعليم أولادهم لغتهم الأم فتشير إلى مشكلتين أساسيتين، أولاهما أن هذه الأسر ليس لديها فهم واقعي لوضع لغة الأم في البلد المضيف، فكثيرون منهم يظنون أن أولادهم يمكن أن يتعلموا اللغة العربية على نفس مستوى أقرانهم في البلد الأم، الأمر الذي يصعب تصوره في واقع غير عربي. وفي ظل طغيان لغة البلد المضيف، وضرورة بذل الأطفال جهودهم لتعلمها لأغراض التواصل مع المجتمع المحيط بهم، ولضمان مسيرة موفقة في النظام الدراسي، وفي سوق العمل مستقبلا، فإن لغة الأم محكوم عليها بالتراجع، وفي حالات عديدة بالاضمحلال.
إضافة إلى ذلك فإن لغة الأم لا يمكن بحال من الأحوال أن تنافس لغة البلد المضيف من حيث كثافة التدريس في المدارس والاستخدامات اليومية والعملية، وتأثير وسائل الإعلام، فالطفل العربي مثلا يمكن أن يتلقى التعليم بالعربية لبضع ساعات في الأسبوع، وعلى مستوى القراءة والكتابة في حدود ضيقة، بينما يجري استخدام لغة البلد المضيف في كل المواد الدراسية على مدى خمسة أيام في الأسبوع، ويجري استخدام هذه اللغة في كل مناحي الحياة الاجتماعية والإعلام بكل أشكاله – كما هي الحال مع اللغة العربية في البلدان الناطقة بها. ولو أن لغة الأم أريد لها أن تنافس لغة البلد المضيف فإن تلك ستكون، على الأغلب، على حساب تعلم اللغة الثانية، فماذا عسى العائلة أن تفعل كي يتعلم أطفالها من العربية قدر ما يتعلمون من لغة المجتمع الطاغية، الدنماركية، وأين يمكن أن يمارسوا العربية التي يتعلمونها؟
لكن هذا ممكن الوقوع إلى حد ما عندما يترافق الضغط على الأولاد لتعلم اللغة العربية مع قيود توضع على مشاركتهم في الحياة الاجتماعية، فينجم عن ذلك قصور في تعلم لغة البلد المضيف الذي يبقى في هذه الحالة مقتصرا على ما هو متاح على مقاعد الدراسة، ولا يتعزز بالاختلاط الاجتماعي، ويبقى تعلم العربية في الوقت نفسه هدفا مجردا يلبي حاجة الأسرة إلى الشعور بأنها تحافظ على هويتها، دون أن تكون للغة العربية استخدامات هامة في المجتمع؛ بمعنى أن تحقيق تعلم العربية يؤدي في الوقت نفسه إلى العزلة عن المجتمع، والقصور في فهمه، وبالتالي رفضه ورفض قيمه، ناهيك عن عدم إتقان لغته، وبالتالي العجز عن التواصل معه.
أما المشكلة الثانية التي تعاني منها الأسر العربية في موقفها من تعليم أولادها لغة الأم، فهي أنها تفتقر إلى فهم أهمية الوسائل التربوية ومواد التدريس، وكفاءة وأيديولوجية المدرس في هذا المجال، فهي تندفع إلى ضمان تعلم الأولاد العربية بأي ثمن كان، دون التفكير بشكل عميق بالعواقب، السياسية منها، والاجتماعية، والشخصية.
وتورد الدراسة بيانات تؤكد أن الأسرة في كثير من الحالات تتولى بنفسها دور المدرسة، فتمارس سياسات مختلفة لتعليم أولادها العربية، وحيث أن الأبوين غير قادرين على القيام بالتدريس المنهجي، فإنهما يمارسان الترغيب والضغط لجعل الأولاد يعطون أولوية للعربية داخل جدران البيت، على الأقل، فمثلا يجري وضع قواعد للتواصل داخل البيت، بحيث يصبح هذا التواصل مقتصرا على العربية على أساس أن الأولاد يتكلمون الدنماركية بما يكفي خارج البيت. ويجري استخدام الشعائر الدينية استخداما كثيفا لتعليم العربية، فالصلاة، والصوم في رمضان، والمناسبات الدينية الأخرى، وحفظ آيات من القرآن، من بين أكثر الوسائل اتباعا، ويجري كذلك استغلال التلفزيون والبرامج والمسلسلات العربية بتشجيع الأولاد على متابعتها.
وتكشف الدراسة أن الإناث أكثر عرضة لهذه السياسات التعليمية المنزلية، بينما الذكور يمرون إضافة إلى تلك بقنوات أخرى في هذا المجال. وعلى أية حال فإنها تكشف أن معظم العوائل تتردد في إرسال أولادها إلى المدارس العربية الرسمية بسبب سوء الظروف الاجتماعية في تلك المدارس، على سبيل المثال التمييز الواضح بين الإناث والذكور، والرقابة الاجتماعية غير المشروعة، وحتى التمييز الطائفي، مع أن هذه المدارس خاضعة للقوانين التعليمية الدنماركية، وللرقابة أيضا.
وتشير الدراسة إلى أن جزء كبيرا من تعليم العربية للذكور يجري في المساجد، والحلقات الدراسية الخاصة، حيث يجري تقليديا ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي استخدام نصوص ومواد تعليمية من السعودية تشجع على العنف، والكراهية، والتطرف.
وحيث أن الدراسة تقتصر على فئات الشباب الذين يصلون إلى الجامعة للانخراط في دراسات تضم اللغة العربية، فإن ظروف آلاف الشباب الذين يتعرضون لنفس الضغط من أسرهم لتعلم العربية دون أن يسعفهم الحظ في الوصول إلى المرحلة الجامعية تبقى، وفقا للدراسة، تنتظر من يدرسها، ويلقي الضوء على كيفية تعلمهم العربية في المساجد والحلقات الخاصة، فهؤلاء يجري على الأغلب تلقفهم من قبل جماعات سياسية لها أجندات خاصة، ويُرى ذلك بوضوح في ظهور النزعات السلفية، محتوى وشكلا، في صفوف الشباب المسلمين – حتى بين طلبة الجامعات.
وتناقش الدراسة العلاقة الوثيقة بين العربية والإسلام من خلال القرآن الكريم، لكنها تنفي أن يكون الدين ملازما لتدريس العربية، أو أن يكون الإطار الوحيد الذي يمكن فيه تعلم العربية، وتستشهد بتاريخ مناهج التعليم في عدة بلدان عربية حيث تقتصر دراسة النصوص الدينية على مادة واحدة هي مادة “الدين”.
وتشدد الدراسة على أن خطورة حشر الدين في تدريس العربية تكمن في أمر واحد، ألا وهو التفسيرات المختلفة التي يمكن إعطاؤها للنص الديني والتبعات السلوكية لأي تفسير. وفي حال غياب رقابة مجتمعية فإن فهم المدرس لتلك النصوص هو الذي يجد طريقه إلى فكر التلميذ، فإذا كان المدرس ينتمي إلى جماعة متشددة، أو متطرفة، أو إرهابية فإن النصوص الدينية تكون وسيلة مخيفة في حشو رؤوس المتعلمين بأفكار وميول منحرفة.
وتتطرق الدراسة إلى الآثار الاجتماعية والفكرية لترك دراسة لغة الأم تدور في نطاق النصوص والطقوس الدينية خاصة في الظروف السياسية الراهنة، إذ يسجل هناك في أوساط فئات من الشباب تشبع تام بفكر ديني منغلق وضيق الأفق، ونزوع إلى ممارسة هذا الفكر في الحياة اليومية بشكل مبالغ فيه، بحيث تقول إحدى المشاركات في الدراسة “الدين يشغل 70% من حياتي اليومية”.
وتأتي الرغبة في التمكن من قراءة القرآن وفهمه كأول دافع لاختيار دراسة العربية في الجامعة بعد دافع الحصول على عمل. ويأتي الحفاظ على لغة الأم والثقافة العربية بعد قراءة القرآن في تسلسل الدوافع، وتقول إحدى الطالبات “اللغة العربية هي كياني، والشيء الوحيد الذي بقي لي من أجدادي، وعلي الحفاظ عليها”.
على أية حال فإن هذا الانغماس في الفكر الديني يتم تحميله على عربة اللغة العربية التي يجري تسييرها في اتجاه واحد، نحو العزلة عن المجتمع الدنماركي، وهي توصل حتى بين الطلبة المسلمين أنفسهم إلى انعزالية تخريبية تتمثل في ظهور نزعات طائفية غريبة بينهم، حيث يصعب في بعض الحالات تكوين مجموعات عمل دراسي من طلبة عرب في الجامعة، وذلك لأنتماء هؤلاء إلى طوائف إسلامية مختلفة مما يجعلهم ينفرون من بعضهم البعض.
وتقول الدراسة من جهة أخرى أن جزءً كبيرا من الأسر العربية والمسلمة تصل إلى قناعات بأن أولادها يجب أن يركزوا جهودهم على تعلم اللغة الدنماركية والاكتفاء بما يتيسر لهم من العربية في التواصل مع العائلة دون بذل الجهود لتعلمها بشكل منهجي وقسري.
وتقول الدراسة أن هذه الفئة من الشباب الذين ينشؤون في مثل هذه الأسر يحققون في الغالب نجاحات أكبر في مجالات الدراسات الأكاديمية والاندماج في المجتمع دون أن يفقدوا هويتهم العربية الإسلامية.
ولا تستثني الدراسة إمكانية تحقيق أولاد أسر متشددة دينيا نتائج أكاديمية وعملية دون أن يعني ذلك اندماجها في المجتمع، فهؤلاء يظهرون التطرف الديني أسوة بغيرهم من المتشددين.
وتورد الدراسة في الوقت نفسه حقائق وأرقاما مذهلة حول مدى معرفة الشباب من فئة المنغمسين في الدين للغة العربية. فالطلاب والطالبات من هذه الفئة يتكلمون لهجاتهم بطلاقة تكفي للتواصل مع من يقوم بهذه الدراسة دون عوائق.
ومع أن معظمهم يفتقرون إلى مهارات الكتابة بالعربية، ويتخاطبون مع أسرهم في الوطن العربي على وسائل التواصل الاجتماعي بكتابة الكلمات العربية بحروف لاتينية، إلا أن فهمهم واستخدامهم للمفردات العربية الفصحى يكشفان فعالية سياسات أسرهم في تعليمهم العربية.
وتقول الدراسة أن شابا في هذه الفئة يبلغ عمره في المتوسط 21 سنة، وجاء إلى الدنمارك وعمره أقل من سنتين، ودخل في مدرسة عربية في الدنمارك لسنة ونصف، يعرف في المتوسط 72 كلمة عربية فصحى من أصل مئة كلمة تعرض عليه في مجال السياسة والاقتصاد والدين والحياة العامة.
وهذه النتائج تسجل في صفوف شباب مولودين في الدنمارك، ولم يدخلوا المدارس العربية أصلا، فمثلا فتاة مولودة في الدنمارك ولم تتلق أي تعليم في مدرسة عربية تعرف 35 كلمة من أصل 100 كلمة في نفس المجالات.
وتعطي الدراسة تفاصيل عن العلاقة بين العامية والفصحى وتشابك المفردات بينهما، لكن معرفة الشباب الذين يتعرضون لسياسات التعليم العائلية تكشف عن سعة المعرفة بالمفردات الفصحى بشكل يثير الاهتمام. وتعتبر معرفة المفردات بين الباحثين اللغوين مقياسا لسعة معرفة اللغة.
وتستخلص الدراسة نتائج من مناقشة تأثير حرمان الأطفال العرب من تعلم لغتهم الأم ضمن مناهج مدرسية تضعها الدولة، وتستخدم فيها وسائل تربوية ومواد تعليمية غير سعودية، بأن هذا الحرمان أدى إلى عكس المطلوب منه، فقد أدى إلى تعميق الولاء للعربية، وأدى إلى تقوية النزعات الدينية حتى لدى الفتيات بحيث تسجل حالات لفتيات يدرسن في الجامعة، ولا يختلطن بأحد، ويقضين الوقت بين الحصص الدراسية بالجلوس في مكان منعزل، وقراءة القرآن، أو تفسير للقرآن. ذلك لأنه حتى التعليم المنزلي للغة والذي ليس له دافع سياسي مباشر يقترن بالحث على ممارسة لمحتوى النصوص المستخدمة في التعليم على ضوء فهم العوائل أو المكلفين بالتدريس لتلك النصوص، بما في ذلك فرض قيود اجتماعية صارمة يقتضيها الالتزام بمحتوى النصوص. وهذا يؤدي إلى حصول شرخ كبير بين الشباب العرب والمسلمين من جهة وبين الشباب الدنماركيين، فاللغة تسهم في خلق عقلية المرء، وطريقة تفكيره، وطبيعة حججه ومنطقه، وموقفه من العالم والمجتمع من حوله، بل وحتى أسلوب تخاطبه مع من حوله. ومن تنشأ شخصيته بالارتباط مع لغة دينية متشددة في مفاهيمها لا يمكن أن يتواصل بشكل إيجابي مع آخر تنشأ شخصيته بعيدا عن الفكر الديني أصلا.
وفي استعراض حالات غاية في التطرف تعطي الدراسة فتاة عراقية كمثال على الانفصام بين الحياة الاجتماعية والدراسية من جهة وبين الدين الذي يجري استخدامه في تعليم العربية من جهة أخرى.
هذه الفتاة مولودة في الدنمارك، وتتقن اللغة العربية تحدثا وقراءة وكتابة على مستوى عال، لكن هذه حالها “لغتها الدنماركية ضعيفة ولا تتناسب مع المستوى الجامعي، وهي تكتب رسالة التخرج بعربية جميلة لكن عملها يفتقر إلى الأصول الأكاديمية.
ينصحها المشرف على الرسالة بالاطلاع على بعض المصادر العربية المتوفرة في مكتبة الجامعة، وتخصيص بعض الوقت لدراستها هناك، حيث لا يمكن استعارتها، فتجيب الطالبة: ولكن متى أفعل ذلك؟ فيقول المشرف بتلقائية: بعد الحصص، فتأتي القصة المفجعة، فالفتاة لا تستطيع البقاء في الجامعة إلا على قدر ساعات الحصص، وعليها أن تسرع بعدها إلى البيت لأن الأب يقول لها: ماذا نقول للجيران إذا رأوا أنك عدت من الجامعة في وقت متأخر بعد انتهاء الدروس؟
فيصرخ المشرف: وهل وزع أبوك جدول دروسك في الجامعة على الجيران فيعرفون كم ساعة عندك كل يوم؟
وينتهي الحوار بأن تتوسل الطالبة بالمشرف أن يساعدها بالتكلم مع أبيها عن ظروف الدراسة الجامعية ومتطلباتها”.
وتقترح الدراسة تغيير السياسة المتعلقة بلغة الأم، خاصة العربية، وجعل تعليمها مهمة للمدارس النظامية الدنماركية العامة، بل وجعل التعليم إجباريا، ومكثفا، وقائما على مواد تعليمية غير سعودية المنشأ، يقوم به كادر تعليمي عربي يتم إعداده لهذا الغرض .. إذا أرادت الدنمارك تجربة سياسة دمج واقعية للعرب والمسلمين في الدنمارك، إذ تقول الدراسة أن هناك في عالم الشباب العرب وفي رؤوسهم صراعا لغويا بين العربية المتسلحة بالدين بتفسيره السعودي وبين الدنماركية وهي لغة تكاد لا تجد فيها أثرا للدين، والدنماركية خاسرة حتما في هذا الصراع لأن ما يقوله الشيخ المدجج بآيات لا تقبل الجدل، وما يقوله الوالدان، أقوى وأكثر سطوة مما يقوله المعلم الدنماركي.
وتزعم الدراسة أن تدريس العربية في المدارس الدنماركية وفق مناهج عادية غير دينية، بل وفرض هذا التدريس سيدعم اندماج العرب والمسلمين في المجتمع الدنماركي عبر أربع قنوات:
أولا) إن معظم العوائل العربية ستدعم هذه الخطوة وتفضلها على أية وسيلة أخرى في تعليم العربية لأنها تريد أولا وأخيرا أن يتعلم أولادها اللغة العربية، وهي تثق بأن المدرسة الرسمية خير مكان لهذا التعلم، وسوف تشعر هذه العوائل أن ثقلا كبيرا ينزاح عن كاهلها.
ثانيا) إن تعليم العربية لا يساعد فقط على دمج العرب في المجتمع الدنماركي بل والمسلمين بشكل عام، فهناك نزوع لدى كل المسلمين، الأتراك والصوماليين وغيرهم، إلى تعليم أولادهم اللغة العربية.
ثالثا) إن المناهج التعليمية العادية بالعربية يمكن أن تزود الأولاد بفكر يساير متطلبات الحياة، ويساعدهم على مقاومة الفكر السعودي الظلامي بمفاهيم الأخوة، والتسامح، والمحبة بين البشر، وبحجج بالعربية، وليس بالدنماركية، بل وإن الأولاد يمكنهم في هذه الحال حتى الدخول في حوار بالعربية مع أسرهم ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع.
ورابعا) فإن تبني تدريس اللغة العربية هو اعتراف بهذا المكون المهم من مكونات المجتمع الدنماركي الأمر الذي يخلق بالمقابل بين العرب الولاء للمجتمع والاحترام لقيمه.
إنه باختصار يسحب البساط من تحت أقدام المجموعات الإرهابية التي تستخدم تعليم العربية لتجنيد الإرهابيين، ومن تحت أقدام الذين يريدون فرض العزلة على العرب والمسلمين في المجتمع الدنماركي.
وأخيرا، تورد الدراسة بعض الشذرات الظريفة عن الاختلافات الثقافية بين العرب والدنماركيين، منها ما يخص العلاقة بين الطلبة والأساتذة، ففي النظام الدنماركي يخاطب التلاميذ والطلبة، مثلا، مدرسيهم، سواء في المدارس العامة، أو الثانوية، أو الجامعة، بأسمائهم الأولى دون لقب “أستاذ” أو “دكتور”، فمثلا عمر يخاطبه الطلاب بـ “عمر”. وهذا أمر تستصعبه الفتيات العربيات اللواتي يتربين في بيوتهن على احترام الكبير من الأقارب وأصدقاء الأسرة، والجيران، بل وحتى الغرباء، بمخاطبته بعبارة “عمو”.
وتروي بعض الفتيات أنهن أثناء إقامة دراسية في الأردن خاطبن المدرس في الجامعة، احتراما له، بعبارة “عمو”، ففوجئن منه بسخط شديد، وبالتهديد بإلقائهن خارج الفصل إن كررن ذلك، إذ عليهن مخاطبته إما بعبارة “أستاذ” أو “دكتور”.
وهنا في الدنمارك يكون أول سؤال تطرحه هؤلاء الطالبات على المدرس العربي هو “بماذا يجب أن نخاطبك، أستاذ أم دكتور؟”، وعندما يسمع المدرس قصتهن في الأردن يغرق في ضحكة عميقة، ويقول: أنا اسمي فلان، ولا تخجلن من مخاطبتي باسمي، ولكن إن كان ذلك صعبا عليكن، فيعجبني كثيرا أن أسمع منكن كلمة “عمو”. إنها عبارة تلخص بشكل بديع قصة الثقافة العربية.