القلب المفطور بين داعش وواشنطن!
اضحوي جفال محمد*
لي زميل قديم ايام كنا عرباً قضيتنا المركزية فلسطين وعدونا الصهيونية وداعموها. كانت عقولنا لا ترقى الى ان المبادىء قابلة للتغيير. هاجر ذلك الزميل الى امريكا وانقطع اتصالي به زمناً طويلاً حتى جاء الانترنيت واعاد الوصل بين الاشتات. اتصل بي قبل عشر سنوات من تركيا واخبرني انه يزورها لحضور مؤتمر لمعارضين عراقيين بهدف اسقاط النظام. واعطاني وعداً بمنصب رفيع في النظام القادم بعد ان يكون هو ومن معه قد اسقطوا النظام الحالي. شكرته على كرمه وبدأت اتابع صفحته. ينشر دون توقف شتائم طائفية. ويكيل السباب لكل جهة تعادي اسرائيل. ذهلت في البداية ثم تحولت الى متابع له من باب الفضول وربما ايضاً ترقباً للمنصب الذي وعدني به. وعندما اندلعت المظاهرات في العراق عام 2019 بدأ بنشر خطابات مصورة تتضمن تعليمات للمتظاهرين بأن يفعلوا كذا ويقولوا كذا، او يحذرهم من وجود قناص في المكان الفلاني ومندس في الجهة الفلانية. يتكلم بطريقة القائد للانتفاضة، وكأنه عائد قريباً لاستلام السلطة. لا يظهر معه في الڤيديو سوى شخصين احدهما امرأة، حيث يقرّب المصور الكامرة فلا يظهر غير الثلاثة، والواضح ان لا احد غيرهم في المكان.
تحظى منشوراته باعجابين فقط وتعليق واحد يقول (احسنت)، واحياناً تستكثر عليه الاقدار حتى الاعجابين فيمسي المنشور أصلم. ومع ذلك تراه مثابراً على النشر كما لو ان الملايين تنتظر اقواله بفارغ الصبر.
حين اندلع طوفان الاقصى اصابه نوع من السعار، يؤكد ثلاث مرات يومياً بأن ما يجري مسرحية. لا ادري لمن يؤكد ما دام متابعوه اثنين انا ثالثهما!. لكن حين امتد صمود المقاومين في فلسطين ولبنان شهوراً بدأ يجد صعوبة في الاكتفاء بسردية (المسرحية) فراح يكتب بعقلتين لا تشبه احداهما الاخرى؛ في الليل حيث تعج القنوات الامريكية ومراسلوها ومحللوها بأخبار الحرب يجد نفسه، كمواطن امريكي متحضر، ملزماً بالانتماء الى عالم الحضارة، فيدبج مقالات تحليلية عن حرب قائمة بالفعل وتطوراتها السياسية. وعندما ينام الامريكيون حيث الوقت العربي ضحى يعود الى منطق عاطفته المشوهة ويكتب عن مسرحية في الشرق الاوسط تشبه الحروب شكلياً.
حين قصد امريكا كان يشعر انه يرتقي الى سنام العالم. ولا بد انه اعتقد وهو يضع قدمه على ارضها انه حقق حلماً واصبح سامياً عن مستوى البلد والمجتمع الذي هجره، فطوى ثقافته العتيقة مع مستمسكاته العراقية التي حسب انه لن يحتاجها بعد اليوم ودسها في ركن مهمل من حياته الجديدة. غير انه اصطدم في عالمه الجديد بأن لا دولار من غير عمل.. ومن يتوقف عن العمل يجوع ولن يتصدق عليه الاخرون. ادرك ذلك بينما تعشعش في راسه اخيلة زرقاء بأن الغرب مثل الجنة تتوفر فيها الحاجات دون تعب. وللخروج من هذا التعارض الصارخ بين الواقع والاحلام اهتدى الى ان الحل الافضل هو ان يصبح رئيساً للعراق!. ألم يسبقه آخرون جلسوا في الغرب بصفة معارضين فجاءت بهم امريكا واحتلت البلد لتجعلهم حكاماً؟ الان لا تبدو امريكا راضية عمن يحكمون العراق، وماذا يمنعها من احتلاله مرة اخرى والمجيء بغيرهم؟ وعلى العراقيين الراغبين في العمل كوزراء او رؤساء ان يتّبعوا الخطة المجربة.. ينشطون ضد العراق وضد كل ما يكدر خاطر اسرائيل الى ان تنتبه لزعيقهم المخابرات الامريكية فتحتل لاجلهم دولة وتوليهم أمرها.
فات صاحبي الذكي ان الضجيج وحده والعمالة وحدها لا يكفيان للحلول محل الچلبي، ولا بد الى جانبهما من تفاعلات على الصفحة تزيد على الاعجابين الصادرين من شخصين احدهما امرأة. ان مليون تعليق قد لا يكفي لتتبنى المخابرات الامريكية ناشطاً كل ذخيرته الاحقاد وألفاظ البذاءة.
اعجبني حقاً مقدار اصراره ومثابرته. هو في الواقع يكتب لنفسه، ومن يكتب لنفسه عشرات السنين دون ان يدركه الملل إما انسان من طين البراكين او مريض نفسياً. رواية (الحب في زمن الكوليرا) للماركيز تحكي حالة شاب احب فتاة، حالت الظروف دون ارتباطه بها ومع ذلك واصل الحب دون توقف او فتور. تزوجت الفتاة وانجبت وكبر ابناؤها وشاخت وهو مواظب على الحب بنفس الحماس والعواطف الجياشة. ومات زوجها وهي في السبعين فطُرق بابها وما كان الطارق سوى ذلك العاشق الولهان يتصيد الفرص للتقرب منها كما فعل قبل نصف قرن. استهجنت وقاحته بالمجيء وهي في ثوب الحداد وطردته شر طردة، ولم ييأس وواصل الحب حتى استطاع اخيراً ان يبلغها. لم اسمع بمثابرة كهذي الا عناد صاحبي المتأمرك وتمسكه بأمل غزو جديد يفعل ما لم يفعله الغزو الاول.
من طرائفه ان رؤيته عابرة للحدود، يهتم بالشأن الفلسطيني واللبناني وكل اقطار المنطقة. يوم استشهد قادة المقاومة في لبنان خرج علينا بخطاب يحذر فيه اللبنانيين من الفوضى ويدعوهم لفعل كذا واجتناب كذا كما كان يخاطب متظاهري تشرين العراقيين. لا يوجد ما يشير الى ان لبنانياً قرأ الخطاب لأن التعليقات لم تزد على واحد والاعجابات على اثنين. وكان متيقناً بأن الامور انتهت فلم يكلف نفسه عناء السب واللعن. انما انتفض الانتفاضة الكبرى حين اخرج الارهابيون رؤوسهم من ادلب وتناول سجل شتائمه ليفرغه فوق رؤوس المناهضين للارهاب. لا ادري هل غيّر البوصلة وسوّلت له نفسه ان يصبح رئيساً لسوريا!. اخشى ما أخشاه ان يدركه الموت فيغادر دنيانا قبل ان تتحقق امنيته.
( اضحوي _ 1952 )
2024-12-05